برمجة

    شاطر
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    برمجة

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة نوفمبر 07, 2008 3:50 pm

    بهدوء شديد، أنهى الرشفة الأخيرة بفنجانه. وضعه على المنضدة ومد جسده على الكرسي في الوضع الذي يريحه بعدما مد يده خفية وفك حزام البنطلون. أحس بانتعاش للتنبيه المؤقت الذي أحدثته ثلاث جرعات من القهوة المرة منتصراً على أثر أسبوعين انقضيا دون نوم كاف، وتمنى استمراره لساعات أربعة أخرى وألا يسقط رأسه الليلة، كما اعتاد أن يفعل أخيراً، فجأة فوق رقبته.

    مد عينيه إلى الشارع ولم ير إلا ضوءاً أصفر وأشباحاً تتدافع لا يتبين كنه أيها وامتدت يده اليمنى إلى جيب السترة الداخلي وأخرج ما قبضه لتوه ويفيض عن خطته التي بناها، على توقعات متقشفة، بأربعمائة جنيه.

    سأشتري قميصاً رياضياً وأحفظ الباقي للطوارئ - هكذا فكر.

    تنبه لعين جاره الحاسبة في المقهى ولم يتوقف عن عد النقود أو يخفيها، واصل العد البطيء مع فرد طيات الأوراق القديمة وضبط وضعيتها لتقف المئذنة خلف الأخرى ثم حفظها في مكانها القديم. أقنع نفسه بأن الجار مجرد فضولي ولن يكون لصاً ولو كان سيقدر ظروفه ولن يحاول، تماماً كما أقنعها بأن الجالس أمامه، هذا المتأنق ذو الحذاء شديد اللمعة شديد غلو الثمن، سيقدر أن طريقته في الجلوس تحايل على تركز الدهون المتبقية في جسده عند بطنه ولا تحمل استهانة بالآخرين.

    بعدما اطمئن إلى كفايتها، للمرة الثالثة، بدأ يتابع التلفزيون. حرك مشاعره الدويتو المصور في غابة من الأشجار بأنغام سماوية وكلمات حالمة، لم يستطع التركيز طويلاً واسترجعت رأسه بعض أحداث اليوم وراح طيف ابتسامة يرتسم على شفتيه بين حين وحين.

    تذكر كيف قفز منذ قليل بين وسائل المواصلات لاهثاً ليصل إلى مقر عمله القديم في نهاية اليوم ليسدد لزميلته القديمة ديناً صغيراً نشأ رغماً عنه في فوضى الانتقال. قبل دخوله نقل الورقتين من الجيب الداخلي إلى جيب البنطلون ثم هتف مسترجعاً الأيام الخوالي: "معسلة أوي يا بطاطا" والتف حوله الجميع مهللين وانقضى الوقت بين الضحكات والسؤال عن الأحوال ثم انصرف دون أن يدفع ما أتى، أساساً، لدفعه!

    لقد تضخمت حالته إلى مستويات خطرة - هكذا استنتج؛ اعتبر مخه أن نقل المال من جيب إلى جيب دليلاً على أن المهمة في حكم المنتهية، وتحول تفكيره تلقائياً إلى كيفية قضاء المهمة التالية. قبلها بيومين كان يسرع الخطى باتجاه غرفة تلقي الدرس ويضع خطة لما سيفعله بعد استيقاظه فجراً حين استوقفه شريف، مدرسه في دورة لغة إنجليزية قديمة نشأت بينهما حوارات صاخبة عنيفة كون المدرس يمينياً متطرفاً، وحين لوح له، دون أن يحاول إخفاء شماتته لهيئة تلميذه اليساري الرثة، انتبه الأخير ورسم على وجهه ابتسامة..

    - Hi، ازيك ؟
    - Hi، ازيك يا مستر.
    - How do you do ؟
    - آه، extremely great، بمب.. يعني!
    - أخبارك إيه؟
    - آه، مستر شريف بيقفل الباب بدري وأنا متأخر (المدرس المقصود اسمه معتصم) والميكروباص كان هيتقلب. هه، أنا تمام.

    مال الرجل إلى الأمام وهو يضحك فبانت جذور الشعرات التي زرعها في رأسه الصلعاء وقال: طيب OK، روح حصتك بقى، فتنفس مصطفى الصعداء وقال وهو يتحرك: الحمد لله، الله يخليك، ثم بعد ثانيتين اختفى فيهما شريف: Take care!

    ***


    هيئة شريف قريبة الشبه من تلك التي يملكها محمود، رئيس القطاع في شركته القديمة والذي ترقى إلى منصب المدير العام قبالة رحيله. رآه مصطفى في زيارته وكالعادة تعرض لتلميحاته الساخرة من فقره. واتته رغبة ملحة أن يسبه مستخدماً تلك العبارة البذيئة وتراجع. استرجع باسماً الأسباب التي طالما رفض بسببها التلفظ به: أولا هو سباب بذيء ينافي أخلاقه، وثانياً فإن السباب عقاب على نحو ما، لابد أن يصيب المعتدي وحده لا يتعداه إلى غيره بالذات إن كان الغير هو الأم فيما يتعلق بشرفها، وأخيراً فإن السباب نفسه بغير معنى، مجرد ذكر لعضو حساس في جسد الأم باللهجة العامية، مبتدأ هو نفسه مضاف ومضاف إليه دون خبر. كي تكتمل الجملة الخبرية، ومن ثم السباب، لابد من إضافة وصف ما لهذا العضو!

    حاول العودة لمشاهدة التلفزيون فإذا بالقهوجي قد أتى بالقناة الأولى المصرية والمذيعة لا زالت مشغولة باتصالات الرئيس الهاتفية، عن له الانفجار في الضحك لكن شعوره بالحنين إلى شيء غير محدد، وهي الحالة المسيطرة عليه منذ الظهيرة، حالت دون ذلك وأدت في المقابل إلى تجمع الدموع في عينيه حين اتصلت به والدته، وهي المكالمة نفسها التي تثير حنقه كل يوم. فتح الرواية واطمأن إلى وجود التذكرة بين صفحاتها وحسب الوقت المتبقي. طلب قهوة رابعة وأكمل من حيث انتهى.

    ---

    "ابتعدي أيتها الأبقار. ابتعدي، فالحياة قصيرة"

    سارحاً كان مع نموذج أوريليانو الثاني، الأقرب لشطحات قلبه، وقارنه فوراً مع نموذج الكولونيل أوريليانو بوينديا وأمارانتا، الأقرب لتفاصيل حياته، حين انتبه على يد صغيرة تطرق ركبته برفق؛ طفلة في الخامسة من عمرها، هكذا تبدو ربما من أثر الأنيميا، تعرض عليه شراء مناديل ورقية وتعود أكثر إلحاحاً كلما صدها مستحلفة: والنبي. رق في النهاية، كالعادة، واشتراها بضعفي ثمنها وأوقف عمل عقله لئلا يستغرق فيما يثيره المشهد من تأملات. التفت إلى مرآة بجانبه وتذكر كم تشوه الجلسة المريحة مظهره العام فاعتدل واستند بمرفقه على المنضدة وسرعان ما سحبها مستاءً من بقايا السكر والمشروبات المنسكبة طوال النهار والمتروكة بإهمال يتناسب مع الهيئة العامة للمقهى. نظر مجدداً واكتشف أن الذهاب للحلاق بات ضرورياً واليوم هو الفرصة الوحيدة المتاحة وهذا يعني الاستيقاظ لمدة أطول.

    ***


    غير مكانه النموذجي إلى آخر متطرف ومهجور ليتمتع بوحدته كاملة وراحت الموسيقى تتحدى صموده. تفاعلت مع ظهور فتاته على الشاشة وصوت الشاب حامل الجيتار يغني: "أنا هويت" فانسابت الدمعة الحبيسة على خده الأيسر وواصلت رحلتها حتى سقطت فوق جيبه المتخم بأوراق تافهة.

    أدرك، حين أخرج المال من جيبه معتزماً تمزيقه لتكتمل الدراما ولم يستطع فأعاده إلى جيبه حرجاً أن يكون قد شوهد في حالته تلك، بالتدريج منذ شعر بوجوده المادي الخاص وسط من حوله رغم استمرار الأنوار مطفأة وحتى تناهت إلى سمعه محاولات سائق الأتوبيس افتعال النكتة ونهي أحد الشباب إياه عن لعن الدين ثم انخراطه هو نفسه بحماسة كبيرة في تحرش لفظي جماعي بفتاة غير محجبة تنتظر مواصلة في الشارع؛ أن الفيلم ليس بهذه الروعة والتشابه بين بطلته وتلك التي أحبها يوماً، كتوأمتين، وتطابق اسم الشخصية والحبيبة التي انتهت مشاعره تجاهها منذ سنوات، وبزة البطل الزرقاء الرخيصة غير المتسقة مع جسده، تماماً كتلك التي يرتديها وأصابها شحم الأتوبيس، كلها مصادفات عادية لا إشارات من القدر لأشياء أكبر كما زُين له منذ ساعتين، وأن المكالمة تثير الحنق والاستجابة لإلحاح الطفلة عمل ضار.

    ترك النوم يغلبه دون مقاومة متحسراً على راحة دمعة السينما، فمنذ الآن لم تعد قابلة للتكرار.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:59 pm