دراسة نقدية للمجموعة القصصية التمرير للدكتور دريد الخواجه بقلم الناقد علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية للمجموعة القصصية التمرير للدكتور دريد الخواجه بقلم الناقد علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الثلاثاء يونيو 09, 2009 11:59 am

    "التمرير "



    مجموعة قصصية للقاص

    د: دريد يحيى الخواجة Shocked

    الصورة هي الفكر



    يبدو من الجائز والمفيد أن نربط بين الكتابة المعرفية والقص ، وأن ندقق في السرد المعمول به في مخبر القاص المبدع وملاحظة الإشراق عنده الذي يدفع بالحدث إلى إبراز صور مذهلة لما يدور على ساحة الواقع ، ويتدخل هذا الحدث أكثر فأكثر في الحالة الوصفية للقص ، وهذا يدفع بالقص إلى ابتكار الصور الرائعة التي تدخل في قلب المنطقة المخصصة للسرد ، ولم يكن الأمر اعتباطياً عند القاص الدكتور دريد يحيى الخواجة في مجموعته "التمرير " ، فهو لا يهدف إلى حفر مكان ليعبث به بل كان يهدف إلى إخراج كنز مخبوء متواجد في مسارات الحدث ، وهي تقنيات استخدمها الكاتب في حالة من الصفاء فجاءت نصوصه المبثوثة في هذا المقام لا مثيل لغرابتها ودقة نسجها وفنيتها فهو لم يعمل على تفكيك الصور في بناء القص فحسب بل أدخل طرقاً واقعية لتحليل ما يرى ، وظل يخصص قصه كي يكون مدركاً لكل الأشياء ، وبالحقائق الأكثر تضارباً في لحظة واحدة لأنه يؤكد مقولة ريفردي الشهيرة (126)

    (الصورة هي الفكر خلقاً خالصاً فهي لا يمكن أن تنبثق عن المقارنة بل عن التقريب بين حقيقتين متباعدتين في كثير أو قليل ) البيانات لــ برتون ص (38) السريالية

    وقد نبتعد عن الحقيقة إذا لم نر صورة ناقلة من صور البلاغة في تركيب الحدث تبرز فجأة في النهاية بشيء من الكشف الغريب . Laughing

    0تمتد يده إلى حاجته وهو يبتسم ابتسامة من يعبر على همه ووجعه ، ثم يودع الزبون بإشارة لا معنى لها لا تعدم الإحساس ،بتقبل المشاركة والحض عليها ،معلم المقهى يتغاضى عن هؤلاء لأنهم يتحصلون على بعض النقود تذهب إلى صندوقه ) ص(7-8)

    حقيقة السرد واختفاء العبث :

    يسعى الدكتور الخواجه من خلال امتلاكه عنان السرد وصحته ما يريد إيفاده من خلال تنوع التجربة التي يخوضها. إنه يؤكد حقيقة السرد ويثبت أن الموضوعات التي يتجه نحوها تدفعه إلى تصحيح المناظر التي ينشغل بها من خلال وعي مكثف يدرك الموقف القائم ويتعامل معه ،وبذلك تظهر أفعاله القصصية متملكة زمام الإرادة ،التي تمكنه من اقتحام المستقبل وسبق لنا أن لا حظنا أن هناك عدة عوالم يتكون منها الاهتمام الخاص عند الدكتور دريد الخواجة حيث راح يقدم التحليل للعالم اليومي الذي تعيشه شخوصه ويرده إلى نمط من الوجود العام ،وإذا عبرنا بشكل أفضل عن هذه الفكرة يمكننا القول أن الشخوص التي خلقها القاص الخواجه لا يمكن إزاحتها عن البيئة التي تتشبث فيها ،وتتحول عملية المتابعة للحدث عند القاص الفنان الخواجه إلى قدرة متمكنة في متابعة الحدث والتحقق من الفعل المعرفي القادر على ربط الصورة بالفكر ،وذلك من خلال الاسقاطات التي يقدمها متمسكاً بروح الواقعية دون التخلي عن جدلية المعرفة واستدراك المعاني التي تريح تركيب الحدث الحقيقي وتجدده )فالضابطان يقفان في مواجهة كائنه المحاصر والمرهق فهو يدقق في تفاصيل الموقف ويبين قيمة التحمل والتوازن ، فنظراتهما تدقق في الصورتين اللتين بين يديهما ،ويكتمل المشهد توتراً عندما يأتي ضابط آخر أعلى رتبة فيقف الضابطان باستعداد له . ويستمر الموقف تأزماً يخرج الضابط صاحب الرتبة العالية مسدسه ،ويضع فوهته في رأس الكائن ويده تلاعب الزناد فيضغط عليه في لحظة غضب فيتطاير رأس المسكين والدم يتناثر في المكان .

    ( فوهة مسدس القائد مسددة إلى جمجمته تماماً أصبعه يضغط على الزناد جسد المغدور يرتفع مسافة متر عن الأرض ،ثم يهوي ) ص57

    أهمية البحث عن السرد الصادم والمقنع Cool

    ويتزايد القلق عند الكاتب وتتوتر النفوس وتحبس الأنفاس وتكاد الأشياء تخرج عن امكانياتها ،وهذا يجعل القص يصل حد الصدام بينه وبين القيم الأخلاقية المفقودة في هذا التجمع الذي يصوره القاص المبدع د: الخواجه ،فكل المعطيات تجعلنا نشعر بالألم الذي يحيط بعالم الشخوص حيث البطش والتسلط ،وعدم احترام الحريات فالكل موجودون في قفص الاتهام وهذا ما يجعل المساحات تضيق والأحلام تموت فكل شيء كما يراه الكاتب الخواجه يسير ضمن حلقات تراتبية تدل على بشاعة المسيطر على عالم الكاتب وشخوصه ،ويتضح ذلك من خلال الفقرة التالية

    (قبضنا على الكثيرين ممن يشتبه في أمرهم من الأحياء المجاورة ،تحرينا كلاب المنطقة كلها . ضربنا بعض الناس واحتجزنا آخرين في حديقة المركز وفي أماكن أخرى) ص59

    وتظهر الرداءة والخسة في طبائع المتسلطين حيث الرشوة والابتزاز وتفسخ القيم والمعايير .

    ( وقبل أن يكمل الشرطي جملته يدس الرجل الباذخ في يده ورقة مالية كبيرة فيتلقفها بحرارة وامتنان ،وتطمين على أن كل شيء يسير حتماً على ما يرام )ص61

    الواقع المسرود ومعاناة المحكي Like a Star @ heaven

    تلك هي العلاقات التي رصدها القاص د: الخواجة متجهاً بقوة نحو المفاسد التي أرخت ظلالها فوق حياة الشخوص ، فالفساد والضعف والارتباك جعل المواقف تتهاوى مسرعة ،فيرى الأديب الفاسدين ينشرون سمومهم بين الناس بقوة وعناد متمسكين بمفاسدهم ،ويرى أن المظلومين لا قدرة لهم على رد الظلم عن أنفسهم إنها مأساة لا يمكن إخفاءها .

    (الثلج عطل المواصلات التي تجسد الخيبة ،انتظر طويلاً زوادته الأسبوعية من أسرة قروية متكاثرة تبلدت مقلتاه قبل أن تصل أرغفة الخبز اليابس والجبنة المملحة الجافة من براري الرثاء ،أذكر كسرتها بالمطرقة التي بللتها بالماء والدمع ... ذكرى لن أهبها للريح .... لن أجعلها تشد على عنقي اللحظة )ص72

    تطور السرد في إظهار الحدث

    إن التناقضات التي يراقبها الكاتب الخواجة ويلاحظ من خلالها تطور الأشياء والظواهر تتعلق بجوهر الأمور فالمجتمعات تتناحر في طبقاتها المتضادة ، فيلاحظها القاص بشكل دقيق ويحدد الجوانب التي تلازم عملية التفكير وبناء عملية المعرفة ، والوظيفة الاتصالية التي تعتمد على اللغة تعاظمت كثيراً من خلال التعمق في مشكلات المجتمع ودراسة مشكلاته والبحث في أودية بؤسه ، لذلك كان السرد بتحكم بكل روابط الحدث ومفاصله حتى أننا نشعر بأن القاص لا يفلت منه شيئاً مهما كبر أو صغر ، مؤكداً بأنه لا يزال الأكثر قدرة على الإمساك بزمام القص .



    Rolling Eyes علي الصيرفي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 9:35 pm