دراسة نقدية لديوان على مقام نجمة بقلم الناقد علي الصيرفي /حمص سوريا

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية لديوان على مقام نجمة بقلم الناقد علي الصيرفي /حمص سوريا

    مُساهمة من طرف aliserafi في الخميس أبريل 30, 2009 5:37 pm

    "على مقام نجمة"

    القدرة على التنقل بين سلالات الخيال

    ومناهل البوح وحرارة الهمس

    الشاعر جودي العربيد

    ما يفكر به الإنسان ينطقه بلسانه ، ويعبر عنه بعواطفه وأحاسيسه ، وغالبا ما تكون اللغة هي الحامل الأعظم لتلك المشاعر الفاعلة والتفريغ الأمثل للغة الأحاسيس هو( الشعر) وتوارد البوادر التأملية وانغماس الفكر في جميل القول وحسن الكلام ، ولم يخرج الشعر عن تلك المواصفات العالية التقنية ، فهو المعبر الأكثر تلمساً لمشاعر الإنسان وتلمس هواجسه والتقرب من تنقل روحه عبر مسارات الحياة ، فالتواصل واللغة يتفاعلان مع تذوق الكلام وتصدر التفرد عند المبدع فيما يقول، فتمتزج الحرقة مع قوة البوح وشجاعة المرسل فيندرج الكلام عبر الشعرية ليقف خلف القصيدة شعراً معبراً يتصارع فيه الفكر والواقع، وينبثق الحلم مفجراً يلف عتم الليل وظلام المكان فيكون المقام ضياء نجمة كما أراد الشاعر المبدع جودي العربيد بديوانه (على مقام نجمة ) حيث الرحيل الدائم عبر خيوط القصيدة الناعمة كملمس الحرير. إن المقام الذي تبتغيه القصيدة تناله من خلال اجتهاد الشاعر وانفتاحه على اللغة وأسرار المعرفة والقدرة على التنقل بين سلالات الخيال ومناهل البوح وسلالة الهمس ، فالشعر بؤرة الأحاسيس وأغنية القلوب وزوبعة الصراع ولعل الحركة الشعرية عند الشاعر جودي العربيد جنحت نحو تصور العادي للعلاقات الزمنية والتأكيد على أهمية مشاركة الفعل الشعري مخترقاً ضروب المعرفة التي يريد أن يلحقها بشعريته فيستطيع أن يدخلها بطريقة متفاعلة مع المؤثرات الخارجية وفي هذه العملية يقف الموضوع والشعرية أمام بعضهما مواجهة ، فالخطر يكمن في أن الشاعر لن يجد ضميراً فردياً يتحدث بنقاء كامل :

    لم أبتلع هذا اللسان

    قد كان منذ

    امتشق الصدق جنوني

    للهدي عنوان

    لم ابتلع طعم حروفي

    مرها أمان

    فهذه أجنحتي

    أرى الكون بها

    إن أظلم الزمان ( ص5)

    وتتلاعب الهواجس في المساحة الكبرى حيث النفس تصغر وتندرج في غيبوبة القدر، وتعود صرخات الماضي متوارية خلف الحروف المعقدة ضمن أجنحة الكون المارق ضمن هذا الزمان، فالحياة تحمل الكثير من المآسي ، والعمر يمضي كما تغيب الشموس ، وتظهر الأيام البؤس القادم مع خيول الردة التي تجلب القهر، والعودة إلى العمر المتردي ، وفي مطابقة معنى القصيدة مع ما قصده الشاعر، نجد منه مدخلاً إلى شعرية الأديب ،وبالتالي فإننا ندخل في بعض المواقف إلى التأويل لنص شعري وهذا لا يمكننا أن نعرف كل ما يتعلق بهذا النص ، فالمعنى الأدبي مطلق وثابت وهذا ما يبرر قوة النص الشعري فالمعاني هي أشياء يريدها الشاعر، وهي أفعال معرفية وأحلام متباينة وكلام يحمل أدلة عالية المفاهيم أي: أن الشعر مسألة وعي وليس مسألة رصف كلمات وهذا ما يراه الشاعر جودي العربيد، فالإشكاليات التي يتناولها محاولات لتحديد ما يجري داخل رأسه ،ويعتبر أن هذه الأشياء ينبغي عليها ألا تختلط مع المعنى الفعلي للشعر فهو يحاول أن يعرف ما يدور في عقول الآخرين ورده إلى ما يدعوه أنماط المعنى وهي مقاسات يمكن أن تنطلق منها الشعرية:

    فإن السلاحف تبني ممالكها

    بأناة الرعاة

    ولا تترجل

    أعود إليك بترجيع تلك اللحون

    مقام صبا –وأحمل أسئلتي اليوم

    كيساً من الخيش

    أعدوبه فوق ظهري المقوس

    أين المرافئ منا وأين بلادي ( ص- 8)

    2-

    إنها الانتهاكات العالية للسطوة والقهر، والتي تحاصر تفاصيل شروطها الشاعر بالفوضى المحتملة، فكل ما يتعذر على الأديب سوقه إلى شعريته من المعاني المحتمل تداولها يعمل من خلالها الحفاظ على النص الشعري ،فليس في طبيعة الشعر ذاته أي شيء يجبر القارئ على تأويل القصيدة، فالاستقبال للشعر يطرح إشكالية معرفية حيث تصبح القصيدة بناءً تنتظر قراءتها من قبل قرّاء متنوعين فالوجود المغيب للكثير من الشعوب يحمل أسئلة تحتاج لإجابات حاسمة وكيفية بناء الكيانات قضية معقدة وذات مراحل كثيرة وطويلة، ومن لا يدرس تطور التاريخ لا يمكنه أن يفهم مسيرة الكون، ولا يمكنه الإجابة عما أتعب المراقبين لما يجري وكيف تقتل الأشياء وتضيع الأوطان فتصبح مرافئها مجهولة ويموت من يغير شكله ، و يتعثر في محطات السفر ، والاسم دائماً هو الأكثر التصاقاً فالأوطان ترفض من يتنكر لماهيته ،ويخرج من جلدته متنكراً لصدى القلب وأوجاع الانغراس في الأرض ، فالشجر أكثر الكائنات تشبثاً ، وفي تصارع المعرفة والرؤية تظهر الأنوار، فيحملها الأديب عبر ظلمات العقول التي تصحرت، فلا تبرق منها أنوار الخلاص بل تظهر الأحزان، وتحرق ثمار القلوب ، وهذه صفعة الوطن لوجهي الذي استبدل اسمه وشكله وحيث الجمر صار يصارع ليجلب المطر :

    حينما استبدلت اسمي

    لمت الأرض جناحيها

    وغامت –تحضن الجمر بريح

    فلعل الجمر يأتي بالمطر ( ص 12)

    وربما كانت السنابل التي عشقت الصبح الآتي، وهذا تطلع يحمل نبوءة تطل بحلم ينطلق من هذه الأيادي الندية ، رغم الخوف الذي تعتق في هذا الجسد والذي اختمر بالتحدي والانتظار، فالقادم يلزم بجلب الخير والقمح نحو هذا المستقبل المنتظر ،فالذئاب تهوى قتل الخير والشاعر ،لكن حبه لهذه الأرض بوديانها وتعرج طرقاتها يدل على صدق من سار على ترابها ، فالأصحاب ذكراهم تشعل الضياء في مخيلته ،والشعر يحاول تبيان النتاجات الفكرية لمراحل زمنية محددة فيسلك الشاعر طرائق في الرؤية تعتمد الاختلاف والاصطدام حيث الفكر الاجتماعي يهشم من قبل بعض المتسلقين والمستفيدين .

    نجوس على مفارقها

    بشوق الصخب للأصحاب

    هل ينسى الحواريون

    ما انحفرا .... وما انقطرا ؟

    فيغمرنا هطول من دوالي الصيف

    دفء يشعل الذكرى

    مواويل لفيروز

    تخمرنا عناقيداً من الأحزان ( ص-18)

    3 –

    ويحاول الشاعر جودي أن يبين المواقف الحياتية، فابتعاده عن الهاوية لم ينفره من حياة البؤس، لكن هؤلاء الذين يصعب عليهم الاعتقاد باجتياح الحياة للحب والتعايش ، يصعب عليهم التسليم بأهمية التواصل والتكامل بالوقائع التي يعالجها أو بالشروط التي تنتجها أو بالفاعلين الذين يقدمون المواقف التي تشير إلى الدليل بحيث يمكن معرفة الدلائل نحو أفضل توضيح أو تشبيه يربط الموضوعات بالواقع كي يكون المتسلط قد قبض على الطريقة التي يختبر بها العقل ،فالظواهر على حجم تباينها تنبع من أفعال تنطوي على مفارقة ساخرة ولعل ارتباط التطورات أمام إشكاليات التغير الاجتماعي هو المكان الذي لنا فيه رؤية انكشاف الصور التي تطور المواقف وتجعل الشعرية تعمل على هيئة نظام تزامني فالتغيرات الاجتماعية بنظر الشاعر العربيد هي أشياء جمعت عناصر التصادم والاضطرابات فالتغير بحسب منظور الشاعر ما هو إلا اضطراب وإخلال بالتوازن في واقع يخلو من الصراع في جوهره .

    حرمون ....

    خيم الصمت كبحر

    من رمال الأقحوان

    لم يكن عفواً –بأن يسرق من أحلامنا غصن الأمان

    نحن من يزرع أشجاراً زؤاماً (ص 24)

    ويرى الشاعر العربيد بأن العامل البشري يأخذ في تنظيم فعاليته بحيث يصبح نسقاً من المواقف التي تبني الواقع عن طريق اندماج الأشياء في أخلاقيات الجموع،وتحويلها إلى نسق من الأفعال التي تؤسس لقيام تنظيم اجتماعي يخلق طريقة تنحر مهام الرؤية التي تشكل مواضيع الاهتمام عند الشاعر وتقترب من النقطة التي ينظر منها إلى الأشياء التي تمثل التوتر بين العلاقات والناس الذين يسارعون إلى تأكيد العلاقة الصحيحة والتي تحتفظ بكل علاقاتهم وتفرّدهم ، وهذه الفكرة تجعل الشاعر ينظر إلى القلق حيث يرى أن المنعكس الأساسي لكل الأشياء هو تصوره الواضح لكل ما يجري وللتفكير في الظواهر والموجود:

    عرفت فضاءك في البيت عرس السجاجيد

    دل عليك الرماد المسجى

    على المنفضة

    غبار الدروب

    سيملأ بيت السنونو

    وصوت الأوز يوالف روحي

    فنام وقمت أحاذر لف الطريق

    ترى هل سيفعلها ؟ شتاء ويكتمل الحول ... (ص32)

    ويتغلغل القهر في قلب الشاعر منطلقاً على شكل موجات ذات دفق متعرج التنقل ،فالليل يصعب على المرء أن يسمح له بادراك الأمكنة وتفحص معالمها فأزمنة الموت تتجمل في ربوع الإقامة بين أجفان القناديل، وتفهم لغة الصمت ، وهذا البحر المائج بالطين الحامل في خباياه بذور الحياة ، والليل القادم يتعتق بعطر الورد الذي يشكل أحلام الأرض الغالية وأشجار البساتين لا زالت مهوى الأطيار ومسكن أفراخها ،وهذا الراعي الحالم يسوق قطيعه ،يحذوه دفء لهيب النار الضاحكة في شعر السماء الماطرة ، ولا يسكت القلب عن فضح مخلفات الغادرين فالنخل العالق بقوة في عمق الأزمة نسغه يخضر وأجنحة القوة تأتي من تلك الوجوه التي غمرتها سمرة البيداء والخيول تدك القيعان بحوافرها ،في ليل تباركه سبعة من الأقمار تؤكد له سلامة المسير وصيرورة التوحد في نقطة التمركز والثبات .

    هل يدرك الليل-

    بأن الورد أحلام الثرى

    نفح الطور فوق هامات الشجر ؟

    وقفلة الراعي إلى البستان

    في ثوب السحر

    وقهقهات النار

    في شعر المطر

    موجات أعمار تغد السير

    للبيعة

    مابين الكهوف المظلمات

    والذرا

    تجري بنخل نسغه يخضر

    قي أجنحة البيداء

    أنهار طيور –

    وخيول واشتهاء

    سبعة أقمار تغيب ؟-

    والدجى يبحث عن بدر جميل

    دون

    أن يدري السبيل ص 77

    وتظل الحاجات الإنسانية، هي التطلع الأول والأكثر أهمية في تحسس الشاعر جودي لكل مايحيط به ،فالهاجس المكاني يخلق لديه كل الأمنيات والتطلعات وهذا المكان المقدس في رؤية الشاعر له أسبابه فالأرض لا تفريط بها، وهي تشد أحلامه، وتخترق مساحات التوازن الذي يرنو إليها في مكان كثرت فيه المصائب والإبادة، وكأنها أخذت من هذا العالم المتوحش شرعيتها، ومع ذلك يزرع الشاعر وردة، ليرفعها فوق سارية، يريدها أن ترد المغادرين ليكونوا جذوراً في أرض العشق الأبدي، فلا قيمة للحياة إلا بالموت تحت تراب هذه الأرض الطاهرة
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 5:21 am