دراسة نقدية الحالة الكتابية هي يد حاذقة ترسل كل المواضيع في خدمة القص -بقلم علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية الحالة الكتابية هي يد حاذقة ترسل كل المواضيع في خدمة القص -بقلم علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الجمعة مارس 20, 2009 10:05 pm

    الحالة الكتابية هي يد حاذقة

    [size=21] ترسل كل المواضيع في خدمة القص

    الأديب رفعت عطفة





    يكفي أن نذكر ملامح وسمات العمل الكتابي الذي يتصوره الكاتب رفعت عطفه ونحدد بعض جوانبه وأن ننظر إلى رأيه ، لنجد أنه لا يعمل بمعزل عن مجموعة من الأدوات ، تتوفر له حيث كان عليه أن يتعرف على العلاقات التي تربطه بمجتمعه ، وأن يعرف الأنسجة التي يتكون منها عمله الأدبي ، ورسم شخوصه على هذا الأساس، فالأحداث التي يراها ، هي صورة ترسم في مفكرته ، فنراه ينطلق من مقولة ( أفكارنا كلها صور ) فولتير

    ثم نجده ينتقل مباشرة نحو الصنعة الأدبية حيث يرى أن الحالة الكتابية هي يد حاذقة ترسل كل المواضيع في خدمة القص ، فلا بد أن يعمل الأديب رفعت عطفة من خلال تحليل أفكاره وإعادة صياغتها وسكبها في قالب قصصي يرضى عنه لأنه يرى أن الأحاسيس هي ركيزة أفكاره وأنها تتكاثر وتزداد تعقيداً نتيجة لما يعرف بعملية التداعي ( أحلام اليقظة) ثم يجد بأنه لابد له يخلق قوالب تعبيرية يدخل من خلالها عالم القص ،ويعتمد لذلك لغة مصنوعة محكمة ويرى أنه يلزمه الكثير ليتخطى ما فعله الكثير من الكتّاب فهو يبحث عن الأفكار والحقائق كما هي في واقعه ، ثم يضعهما موضع الشك والريبة ويعمل على إعادة صنع الفكرة وصياغة حدثها على ضوء تجربته الفكرية فهو يجيد التأمل ويطيل العمل في صومعته وعيونه مسبلة وبهذا يستطيع أن يتوصل تدريجياً إلى مجامع القص الناهض المليء بالإيماءات والدلالات ، وعندما يعتمد الأديب رفعت عطفه التحليل يصل إلى نظرة شمولية تؤكد الرؤية التي يقدمها من خلال قصه حيث ينطلق من أن أشد الحقائق تجريداً وأعسرها تناولاً هي الواقع والحقائق التي تسطع بأنوارها في عالمنا ، وعندما يدخل الكاتب في عالم القص يرى أنه يمكن أن يفهم عناصر الكتابة وأسبابها ، ويقوم بتفسير الظواهر ثم يعمل على إدراك ما ينجم عنها من نتائج لذا بإمكان من يقرأ قص الكاتب أن يوازن بين ما كتب وما دار في عقله فهو بإمكانه رد كل شيء إلى قضايا بسيطة ولا غنى لنا من أن نعترف على كل ما يحتفظ به الأديب لنفسه من مخلفات مجتمعه ونرى مواصلة جهوده على نحو ما إلى إدخال كل أدوات القص في آن واحد بحذر وامتياز خاص ليتسنى للفكر وللكتابة أن تؤلف معاً منهجاً يطبق به الكاتب رؤيته .

    ( لو كنت لا أؤمن بأن للقدر دوراً في حياة الإنسان لقلت إن ما حدث لي البارحة مع مديري كان بتخطيط منه أو من رجاله الذين ينفذون أوامره وتوجيهاته بدقة وأمانة كبيرتين) قصة المدير

    ومن خلال عمل الأديب رفعت عطفه وجمعه للحدث نرى كلماته تدل على أن الجمع الذي يتكلم عنه هو سيطرة بعض الحمقى غير المفكرين على الحياة والمعايير، ويرى أن هذا الخطر قد انتشر بشكل شديد الخطورة ، وربما كان على الكتابة أن تولي عناية كبيرة للوجدان والإرادة والعقل ، ويرى أن الكتابة هي الفكرة نفسها التي يريدها بطريقة أخرى قد تكون صحيحة ،لأن القص لا يزال يحتفظ بمعناه عند الكاتب إلا أنه يدخل مصطلحات خاصة به لتوضيح التميز والفروق حيث يرى أن فكرة الحرية مسلوبة ،وبفصل نفسه عما هو متواجد على هامش مجتمعه ويبرز العلاقات التي اكتشفها والمتناقضات والإحباطات التي لا مهرب منها في العلاقات مع الآخرين ،تدفعه للحب وأنه لابد للآخر أن يجد نصوصاً يشرح بها (المجتمع ) بالتفصيل لأنه يقول الأفكار التي تزيل العبء عنه كفرد ، ويرى كل شيء مسطحاً ،، ويهبط به إلى مستوى الوسطية ليحدد من ذلك معايير الذوق والأخلاق

    ( عرفهم بي وعرفني بهم ، أرعبتني الأسماء ، وقد سمعت بها ولم يحدث أن التقيت بأصحابها أو رأيت صورهم ، بدأ المدير حديثه عني بمديح لم أسمعه منه قط ولم يدونه في سجلي الوظيفي ) قصة المدير

    وينطلق الكاتب رفعت عطفه في القص ، على أنه الإمكان الموجود ، فينشغل به ويتطلع إلى الأفاق التي يوجدها له القص ، فيسقط أفكاره ويرى أن أفق الكتابة يتسع له وهو غير محدد لذا يعرف من خلال ثقافته بأنه ليس هناك مستقبل مفتوح على نحو مطلق ، بل يرى بأنه دائماً في موقف قائم فعلاً ، يواجه به قدرات كثيرة في إطار حدود المعطيات ، ويعي ذلك فلا بد أن يكون في ذهنه التمكن الواقعي للكتابة التي يريدها .

    ( اكتشفت بعد ذلك أنني أنا نفسي لم أعد أسمع الرجل ولا أذكر كلمة واحدة قالها بعد اللحظات الأولى ، قلت : وماذا لو سألك يا أحمد رأيك بما قاله أو طرحه ) قصة المدير

    ويلحظ الأديب رفعة عطفه سلبيات المجتمع المكون حوله ويرصد كل الأخطاء التي تحبط عملية التقدم ، فيجد بأن محاربة هذه الأوضاع أمر يتحتم عليه أن يعمل على فضح كل الأخطاء وعدم التستر عليها .

    ويتناول الكاتب قضية الحياة ورتابة حركتها ، وثقل الحركة التي كثيراً ما تخلق عندنا جميعاً صداماً ذو حواف حادة تخلق الكثير من الجروح على تسطح جسد المجتمع بكل شرائحه ، ويحلل الأديب رفعت عطفه ، العلاقة الروتينية التي تجمع الأسرة ضمن هالة من النفاق المدلس بالحب الذي ترهلت جوانبه وكادت أن تصاب بالعفن ، ويربط بعض العلاقات الموروثة في بيئة تحتمي خلف قدسية المزارات والأولياء ، فالقضية ليست التقليل من أهمية هذا الموروث ، وإنما كيفية التعامل مع الحياة كما يرها مع التحفظ لهذا الموروث وعدم التخفيف من أهميته أنه اعتراف ، وربما تضييع لبعض الرموز التي تتطلب المكاشفة الحقيقة لكل العلاقات الجمعية بما فيها من قدسية وتقليد ، فيتعمد الدخول بصورة مباشرة للتعامل مع المكان كمكان وبغض النظر عن الموروث ، فيتحدث عن رحلة جميلة تجمعه بزوجته التي قضت ثلاثين عاماً معه ، يشرب معها النبيذ في هذا المكان المقدس ، الذي جرده الكاتب من معنويته وأبقاه كمكان ، ثم يؤكد العلاقة التوحدية بين الرجل والمرأة فيجسدها بممارسة الجنس واتحادهما في مكان أراده اللأديب مجرد مكان في بيئة جميلة تعيش فيه شتى أنواع الحيوانات .

    ( وحين وصلنا إلى هناك لم ندخل إلى الحضرة أو غرف الضيوف ، المتراكمة فيها بشكل عشوائي بل حملنا معنا حصيراً وبساطاً وما أحضرناه معنا من البيت .. نبيذ وبعض المكسرات نعم نبيذ ، مع أنه ممنوع على الناس تناول النبيذ أو أي مسكر هناك ، فهو بالنسبة إليهم مكان مقدس فيه قبور بعض الدعاة الإسلاميين والشعراء وإخوان الصفا ) قصة انفصال

    ويعمل الكاتب الرائع رفعت على محور استقطاب الحدث وتطويره ثم تغليفه بالكثير من الحمولة الفكرية التي يريد أن يوصلها ، فالعلاقات بنظره متطورة ومتغيرة، فالزوجة مع مرور الزمن تغيرت ، وهذا التغير برأي الكاتب يمكن سحبه على كل الموجود ، إلا أنه يفضل في النهاية الاستمرار والتمسك بكل هذا الملف ، لأن التساؤلات المتداعية فوق رأسه جعلته عاجزاً عن الحركة .

    ( وكأنني كنت على امتداد تلك السنوات عبئاً عليها ، لا هم ،هذا حقها لكن لمن ستتركني ؟ فأنا محكوم بالعادة واعتدتها بكل شيء ،لم اعتد غيابها ، ثم ماذا سيقول الأولاد ؟ ألن يسألوها عن السبب ؟ماذا ستقول لهم ؟ فهم يعتبروننا مثال الزوجين الصالحين ) قصة انفصال

    إن الأديب بصورة ما مرتبط بكم كبير من المفاهيم الذكية ، وهو لا يريد أن يغرد خارج السرب بل يرى أن الأسرة وما فيها من ترسبات وأخطاء تبقى هي الجانب المحبب على قلبه ، ولم ينس الأديب في معالجته لواقع مجتمعه أن ينظر إلى الأزقة المحاصرة بالهم والفقر والجوع والكثير من المضايقات التي لا تخلو من العلاقات الرديئة ، فهو يتحدث عن تلك الظواهر بشفافية ، ودون تنظير وأدلجة ، لقد مل من هذا الأسلوب فرده إلى طبيعة الإنسان ، وحركته في الحياة لأن الحياة في نظر الأديب مدرسة كبيرة الجوانب كثيرة المعطيات .

    ( منذ أيام مثلاً كنت أعمل في فتح مجرور بيت أحد الأغنياء الذي سد من سماكة مخلفاتهم ، فهم لا يأكلون إلا اللحوم ، ظناً منهم أنها أحد الفواصل التي تفصل بينهم وبين العامة ) قصة عمل

    لقد كثف الكاتب مفهوم الحقيقة الاجتماعية وبين الفوارق الطبقية بشكل عفوي يصل حد المقاربة بين ما هو واقعي وما هو تنظيري ، واستطاع الكاتب أن يحقق لغة الرفض لهذا الواقع المخيب بطريقة شخوصه فهم أصحاب الرد والممانعة لكل السلبيات ، فقد أراد من خلال هؤلاء البسطاء تجاوز كل ما أراده المتسلطون ، فالتحدي لديه يعمل ضمن أطر الممانعة السلمية ، والتي اعتمدت العقل قبل الخروج عن المألوف.

    (قلت له : قل لهم أن يعملوا لنا إبريق شاي ، فضحك ورد علي : رد الرجل النظيف الذي يغسل يديه قبل أن يأكل وقبل أن ينام وبعد أن يستيقظ ، هذا إذا كان لا يستحم : كيف ستشرب الشاي وأنت في هذه المرطيسة، فما كان مني إلا أن قلت له : هل تقول هذا خوفاً علي أم خوفاً على ملعقتي السكر والشاي ؟

    وخرجت من المجرور وتركته ناسياً تصميمي على إنهائه) قصة عمل

    إن معالجة الواقع بهذه الشافية الفكرية قضية تستحق الاهتمام والتعمق بتلك الرؤية رغم بساطتها بأنها قادرة على تلخيص الوجع المزمن في مفاصل هذا المد البشري الكبير .

    علي الصيرفي
    [/size]

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 11:41 am