أيها الإنتظار - وليد إخلاصي دراسة نقدية بقلم علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    حصري أيها الإنتظار - وليد إخلاصي دراسة نقدية بقلم علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الجمعة مارس 20, 2009 10:00 pm

    أيها الانتظار
    وليد إخلاصي




    أنْ ينتبه الإنسان يعني أنه يتفهم ويتعرف إلى شيء ما ، فالقص هنا يستقر على شيء محدد ، على نقطة أو عدة نقاط ، وهو ضرب من التركيز ، وهذا التركيز يتجه نحو حكاية معينة ، تعتمد على تثبيت الفكر بجهد ضمن أمور عديدة وصعبة تجعل من النشاط الحيوي عند الأديب، يندرج تحت معطيات الفكر الإنساني البعيد الأطراف المفعم باليسر وقابلية الاستقبال فهو في كل المناطق العاملة ، والمتوقفة عن العمل ،إنه يعمل بكل قدراته المعرفية ويركز على ما حوله ، لاستقبال الإشارات المرتبطة بالواقع ...!

    فالقص ضرب من التركيز الإرادي الذي يبذله الكاتب وهو إنجاز حقيقي لوقائع خاصة وعامة لذلك نرى التقيد العقلي بشروط القص ولوازمه عمل يمارسه الكاتب بحرص ودقة ، غير أن الأهم من ذلك هو امكان النظر إلى القص على أنه شعور نفسي حيث أن القص هو مفتاحنا إلى الحقيقة التي توجد عليها الأشياء في الواقع والتي تنكشف بواسطتها أمامنا ، وهذا لا يتعارض مع النظرة التي تجعل القلق المعبر الأساسي للقص ، حيث يجد الكاتب نفسه ،

    إن التقابل الحاد بين الواقع والقص يحدد لنا مشاعر التطور عند الأديب ويعطي الأولوية لما يريد ، فإذا كنا نشعر بالانتماء إلى هذا العالم المألوف عند القيام بالقص فتلك مشاعر أصلية ، تؤدي إلى أن الكاتب وصل إلى إظهار الموجودات وربطها بالشعور والحب ...

    وقد يعلم كل كاتب أن عوامل القص ، تفرض نفسها، وأن عدداً من العوامل تسيطر عليه ، مثل الخيال الخصب ، والبيئة الاجتماعية فعندما يصف الكاتب صورة الغرفة البائسة التي تدل على نمط المعيشة في مرحلة زمنية لمجتمعه ، فإن هذا الوصف الدقيق المغمغم يجعل من التطريز اللغوي مجبولاً بشفافية من التطلع إلى الهدف وعن طريق اللغة ، فهي دلالات لكثير من الخصوصيات التي يحرص الكاتب على إظهارها فصحن الباذنجان المقلي ص111 يخضع لعلاقات اجتماعية معقدة ،تدور نوابضها ضمن أفكار الكاتب وتحمل معها موضوعات كثيرة ، تعبر عن الأرضية التي ينتمي لها الكاتب ، وهي بدورها نماذج حية لمعطيات البيئة والأنموذج الغني لما يرسمه الكاتب أثناء قصه ، فمكونات البيئة موجودة لديه داخلة في نمط تفكيره مرسومة في تعبيره اللغوي ،فنبتة الفل الموجودة في كل البيوت القديمة ، ارتسمت في مصوراته ونماذج الأشخاص لديه بقيت تنبثق من تربة البيئة التي ترعرع فيها فهو يتلمس الروح الاجتماعية من خلال هؤلاء الأشخاص المرسومين في خياله .

    إن وعد الشيخ يؤخذ على محمل الجد ص 116إن تمسك الشخوص بهذه التقاليد لها مبررات لكثير من الأعراف التي يلتزم بها المجتمع في تلك الفترة ،لقد استمر وليد إخلاصي في التطلع نحو الجنس ، ولعبت الثقافة التي حصرت أفكاره في عدمية التمتع الزائد بالعلاقة الجنسية ، فهو منكمش غير متفاعل مع الحدث وتطوراته ، حيث يجعل من الحوادث تندفع متتالية أمامه يتململ من خلالها الفعل الإنساني نحو ضرب مباشر من الكف والكبت فالشعور بعدم التواصل هو ضرب من الدونية المقصودة والاستسلام للإرادة العقلانية ، دلالة على أن ثقافة الكاتب تخلق له كثيراً من الوقفات السريعة حيث يظهر البتر المقصود في العمل .

    إن الجنس وبالأخص الحرمان المؤطر ضمن علاقة الأديب ببيئته لها خصوصيتها ، حيث جعلت فرصة الغوص في متاهة الإنعتاق ضعيفة جداً فهو غير قادر على خلق بعض التنازلات النفسية ، وهذا يخلق جواً من النزق والإحباط ، فالمرأة الجميلة ومعطياتها للرجل تهيمن على سوية السلوك الذي يخلقه القص ، فالانتظار الذي يشعل مشاعر البطل ويجعله في صراع حاد بين لهيب الشهوة والقيم الثقافية يجعل من الرصيد القصصي محبوساً لا يعبر عن حقيقة المشاعر وكما قيل (حبك للشيء يعمي ويصم) فالحب تيار من العواطف الإنسانية يمكن أن يصل به الإنسان إلى حد التصعيد والتسامي ،أما أن يصبح منعطفاً في متاهة فهذا يعود إلى فرضية الانغلاق نحو الداخل لتحقيق بعض التوازن ، فالربط يوحي إذا ما جمعنا إليه بعض التحليلات ، الأبعاد الكاملة للقص التي تدرس الإنسان وهو يفعل بحريته فاعتبار الموروث مغلاق اتوماتيكي لكل حركات القص ، عند الأديب جعل من قدرته على المروق بين جمال الجسد ، وعلاقات الإحجام والخوف ثنائية صعبة التكامل ، فهو غير قادر على الدخول إلى وسط دائرة الأنثى حيث تظل المثلثات الوترية ، تشد أطراف العلاقة بين الأديب والمرأة باتجاهين متعاكسين ، فتنحصر الرغبة في زاوية وتحيط القيم محيط الدائرة ، فيبقى الفعل الإرادي محبطاً عبر دفقات مقهورة من التراجع ، خوفاً من اجتياز الخطوط التي وضعها الكاتب ، حيث أنه لا يرغب في تخطي العرف ....

    ( مهما كانت الصعوبات قاسية يا ولدي فعلى الإنسان الشريف أن يظل متمسكاً بمبادئه وألا يفكر بنفسه إلا من خلال الآخرين ) ص120

    إن الحياة قيم ومحطات إرادية على الكاتب ، أن يرصد ما لديه من معارف ، لتصب مطابقة لتلك القيم التي توضعت في محصلته المفكرة ، فهو يتعب نفسه من أجل الخروج من الخارج ليحفظ ما هو منغلق في العتيق من موروثه ،إنه العمل الصعب الذي انتهجه(وليد إخلاصي) لقد رسم الخطة ، وظلت الرموز تحاصر جوانب البرهان ،فالمقدمة تدل على مسلمات عمل من أجلها ولمس بشفافية لغته نتيجة الفعل الإرادي الذي جرده من ماديته أو جعله فعلاً ملائكياً يصل عبر نورانيته إلى حد السير على وجه الماء ،ودخول الشيء في اللاشيء ، حيث تخترق الأجساد الجمادات ، ويصبح البعيد قريباً والخطوة تقطع الفلوات ، إن سيطرة الرغبة على القص تدخل في صلب السيرورة المعرفية عند الأديب ، حيث ترتسم حاجات المتطابق بين ما هو معروف في محصلته الزمنية وملاءمة الواقع لتلك المحصلة فالزمن والواقع متنافران والتمازج بينهما لا توافق يجمع بين الموضعين فترتمي الأفكار متباعدة النظم مع الأرقام ، والعلاقات الثنائية لا تدل على صحة المنطق ، وتسلسل الزمن يلتطم بالسلسلة الهندسية للعدد ، وكأن المفهوم الصوفي يتسابق مع التزايد اللامعقول ،ويدفع بكل المفهوم المعرفي عند الكاتب إلى أعماق الأنا الجمعي

    ( فكذبتها بصمت ، وأنا أعلل نفسي برضى الأرملة التي أحست بميلها نحوي من دون الآخرين ، وقد طال أرقي تلك الليلة قبل أن تضعف مقاومتي لأغرق في نوم عائم ثم لأسمع صوته يهزني من رقادي

    قال الشيخ :

    ( هيا يا ولدي فأمامك فرصة واحدة فرصة واحدة لأمنية واحدة ، هكذا تحدثت بصوت لكن الضيف قرأ كلماتي ) ص115

    لقد أحبط دور الفعل الإرادي وصار المد من العالم اللاشعوري هو المحرك لقدرات البطل ، فالشيخ بوعوده يحقق ما تصبو إليه نفس البطل ، وهو يدفع بكل أحاسيسه لتصبح مركزاً لتطور الحدث .

    ( وتحول الجلال إلى خوف بينما التصديق الذي كنت أتمناه هاجمه التكذيب ، أمضيت بقية الليلة أحاول أن أكذب ما حدث ) ص116

    لقد رحلت تطلعات الكاتب إلى ما هو أبعد من حدود المألوف ، حيث دخلت في تعرجات العرف ، واغترفت ما فيه من سلوكيات قد تكون مختلفة عما نعرفه نحن عن هذه البيئة ..

    هل هناك انفعالات لا يكون لها أساس في القص ؟

    إن بعض المشاعر يغلب عليها الطابع القصصي وعلى نحو أكثر وضوحاً يبدو الحس الجمالي الذي يثير التأمل الفكري عند الأديب حيث أن الشعور بالقص هو شعور عقلي متميز عن الأهواء التي ترتبط بالتجربة الجسدية ومن المسلم به أن هناك مشاعر وانفعالات يبدو ارتباطها بأحداث الجسد أضعف بكثير من الخوف والغضب ، إنها استعدادات يحملها الكاتب وهي ناجمة عن التوازن الذهني المتفاعل مع البيئة حيث أن غريزة الكتابة هي إحدى أرقى الغرائز وقد تجملها الحساسية الفنية والتمايز الراقي لانتقاء الحدث ، والانتقال الجميل بالمؤثرات التي تظهر من خلال الخيال العام للقص وكل هذه المظاهر الإنسانية ، تدفع بالكتابة نحو التوازن ، وقد يرى الكاتب أن الكون ظالم وأن ماهية الإنسان لا يمكن أن تحقق ما تصبو إليه فتصاب بالإحباط الذاتي ، غير أن الكاتب يرى أنه من المعقول بأن كل شيء ذو قيمة في هذا الكون .. ويضع كل المفردات المتنافرة ، عبر مربعات تجعل نظرته إلى الحياة تنبثق من تقاطعات المواقف التي يراها ، تخرج مسرعة من كلمات شخوصه، أو تصرفاتهم ، فهو متمازج معهم في تفكيرهم، وتعلقهم بالحدوث مع الزمان ومعطياته حيث ينظر للزمن من معياره المطلق ، فهو يسعى للمكاشفة مع الغيبيات ، ويدخل في متناقضات المكان بكل ما يحتويه البعد الهندسي لكل الخطوط التي ينسجها في أعماله فهو يرسم شبكة البيئة التي يبتغيها ويلونها باللون الذي يدخل منه الضوء القصصي إنه سؤال يطرحه الكاتب في كل جملة تتربع بها مفرزات المكان فعلاقة المكان بالزمان علاقة مكاشفة وتناظر تسقط عليها إشعاعات مشفرة تبعد الطابعية الفورية ، وتخلق جواً من السفر المتواصل عبر الكلمات ، التي تختزن فكر الكاتب ، فهو ممارس جيد لتحميل المعطى ، فترى المتلقي يلهث وراء مفرداته ، الزاخرة بالمخمليات والمنمنمات السريعة ، فالفيض المحمول من موروث قديم يرصد كل حركة فنية يقدمها الكاتب إنها علاقة حميمة بين التلميذ والشيخ المريد والأسياد ، بين العاشق والمعشوق ( فأنا هو وهو هو) والموروث ثقيل ومكثف ومفرزاته تتراءى في حياة الأديب ونمطية تفكيره إنها صوفية المنطق وغزارة معطيات الطريقة ، واختصار الزمان والمكان ، يطفحان بالامتلاء في نفس الكاتب ، وليست الحرية الاجتماعية حرية مطلقة فهي محاطة بسياج ، وحدود لا حصر لها ولقد ظهرت المأساة بأشكال مختلفة ، وإحدى أشكال تعريفها تراها صراعاً بين طموحات الحرية والإبداع البشري ، وبين النظام القائم فالطقوس التي ترتسم في معطيات أبطاله ، تشكل ظواهر لأمور كثيرة ، تتعايش مع المجتمع بقسرية ، تدفعه إلى الامتطاء فوق صهوة الميثولوجيا فأية ظاهرة لابد أن يكون خلفها مؤثر قوي يعكس تلك الظاهرة ، فيخرجها إلى الواقع ، والاندفاع نحو الخلاص ، لابد أن يوجه من خلال مد روحي قوي ، وهذا المد موجود في بيئة الأديب وبين أفراد عائلته ....

    لقد خلق الواقع ظروفاً متنوعة الجوانب ، فرزت المجتمع إلى لملمات مختلفة الوجهات الفكرية ، وأبرز هذه الظروف ، انعدام الثوابت التي تجمع الأفراد تحت فكر متطور .

    إن اللمسة الصوفية تتغلغل في أعمال الكاتب ، وهذا يعود إلى ثقافته التي لا مست شفافية الفكر ونقاء التصور ، في مجتمع تربطه الكثير من الأواصر الروحية، فهو ابن البيئة ، والمتأثر الأكثر امتصاصاً لأفكارها وتطلعاتها من خلال مهمته كأديب مصور لواقع حياة مجتمعه .

    ( كان السطح قد بات عميقاً كجدار ، انشق من بعد بعيد دخل منه شيخ جليل تنيره مهابته ، فدخلت فيه كفريق لا يخاف غوصاً ، وتقابلنا فسمعته يقول :

    - هاأنا أسمعك يا ولدي ) ص112

    ويعود كابوس الخوف والإحباط يخيم فوق عالم ( وليد إخلاصي ) دافقاً لحظات من الصمت والحب في بؤرة الرؤية الاجتماعية لمحيطه فهو يختبئ وراء قلبه المرتجف وصوته المتهدج ، فالأم هي القلب الدافئ الذي يرفرف في عالمه المثالي .

    " وأنا أقف وراء أمي وهي تهزه من سباته فلا يتحرك وتحشرج هي بلسانها الذي هب فيه الذعر ، لقد مات ) ص 112- 113

    إن قدسية الأب ومكانته تظهر في القص عند الأديب، فالأب هو القطب الأقوى في الأسرة وهو الجانب الذي تحتمي تحت ظله العائلة ، وعندما ينهار هذا الركن القوي تتصدع بقية الأركان .

    ( هل يمكن لأبي أن يموت ثم هتف في أذنه وكان مستلقياً على جنبه الأيمن كعادته ) ص 113

    إن الأحلام المتناثرة التي تملأ عالم أبطال الكاتب تظهر بصورة تداعيات صوفية تحمل معهما نوعاً من الاستسلام والإيمان العميق بما هو كائن وما سيكون فالأمنيات التي تسبح في بحار شخوص تتوالد من أحلام متتالية تزخر بالبعد الأفقي لكل ما حجب عن هؤلاء الشخوص.

    فمن الحلم ترتسم أشكال البيئة أو من تركيب الفعل المرسوم تظهر المبررات لكل العلاقات المتباينة والتي يفكر بها الكاتب فهي علاقات كثيرة تزدحم بهزات كهربية صوتية ، تشكل نفحاً سحرياً يعبر حدوث الأفعال عند الكاتب فينتقل عبر فجوات المجتمع البسيط بهدوء مكثف ، يدل على التعامل السهل بين أفراد هذا المجتمع ، حيث ارتبط أشخاصه بعلاقات عادية سهلة خالية من كل العقد المادية ، التي تمارس في المجتمعات المتطورة ، فالتسليم للأمر الواقع هو نوع من السلفية التي اندرجت أفكار الكاتب خلالها .

    ( كان والدي يقول دوماً إن ما هو مكتوب لا يغيره شيء لذا كان الحلم عندي يولد من آخر) ص 113

    ويكون من الخطأ الظن بأنه يرمي إلى الحط من المستوى الممتاز للقص وذلك من خلال التمسك بتلك العادات والتقاليد حيث يظهر الكاتب العلاقات بين الأشخاص ضمن المستوى الزائف وغير المتأصل .

    فأربكتني نظرتها الحادة ، فنشب كالأظافر في وجهي آنذاك علمت أن خطأ ما لا بد قد ارتكبته ، ولكني لم أتراجع بل حاولت أن أقول شيئاً آخر قد يمحو زلة اللسان السابقة يليق بك الثوب الأسود ....ولكن ) ص115

    لقد تابع الكاتب الرصد المغطس بالرمز المتعمق في أيقونة عبر تيارات الوعي المتراكم في شخوصه ، راسماً عيون التنوير من خلال تراكيب اللغة المنسجمة مع صيرورة القص فهو ينتقل عبر جمل قصيرة هادئة مشحونة بالمضمون السحري لكل تعبير زج به ضمن هذه التطلعات المرصودة من قبله .

    إنه يعرف ما يريد ، وينطلق عبر إشارات تشبه الشيفرة يفهمها من أتقن تلك الرموز ويتعمق في معطياتها فهو متحكم في كل نقلة للحدث أراد الوصول من خلالها ، فالزمن مطلق لديه يصل به إلى أغوار الماضي والحاضر ويستشف من خلاله رؤية المستقبل بنظرة ضوئية متوسطة الفعالية فهو لا يرمي بثقل ثقافته على تصورات شخوصه ولا يريد أن يكون عقول من رسمهم في إحداثيات قصه ..

    إنه يرى العالم المعقول من خلال نظرة مثالية ضمن دروب الصوفية لترسم ذات الوضع المتأصل في جوانب المجتمع ...

    بقلم :علي الصيرفي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 9:36 pm