البنية النفسية والعامل الوجداني في وحوش الغابة د:دريديحيى الخواجة بقلم علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    البنية النفسية والعامل الوجداني في وحوش الغابة د:دريديحيى الخواجة بقلم علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الجمعة مارس 20, 2009 9:55 pm

    البنية النفسية والعامل الوجداني
    في وحوش الغابة
    د: دريد يحيى الخواجة




    ربما كانت المجموعة القصصية( وحوش الغابة) للكاتب دريد الخواجة تسجيلاً دقيقاً لحقبة زمنية ليست بالقصيرة ،تناولت حياة الإنسان العربي بأدق ظروفها ، وتعمقت في أغوار نفسه المتعبة حيث ينمو القلق ويتزاحم الحزن راسماً شخصيات أبطال المجموعة ، فالعامل النفسي يلعب دوراً كبيراً في تغيير الموقف من نقلة إلى نقلة ومن صورة إلى صورة فالنفس الإنسانية تحتقن باليأس ،وتضيع ضمن الضغط المادي للمجتمع واصلة درجة الانسحاق ،ثم لا تلبث أن تجد لها متنفساً تخرج منه إلى ساحة الوجدان الإنساني ،والعمل من أجل الوصول إلى الهدف ، فالعامل في مجموعة وحوش الغابة عملية تفكير طويل وحس وجداني يتداخل فيه تركيب الضمير الخاطئ والضمير الأخلاقي بنفس الوقت إلى أن يصل ثورة الضمير ورفضه تلك القيم البالية التي فرضها الواقع المادي على بنية الحياة الوجدانية لدى المجتمع .

    إن التركيب النفسي لأبطاله مجموعة وحوش الغابة يتلازم بالوعي العقلاني ويندرج ضمن نمو الضمير – أي أنها عملية تحليل دقيق للعمليات النفسية لدى شخصيات المجموعة فيظهر الضمير مؤنباً في بعض الأحيان متحمساً للقيم الإنسانية عائداً إلى الحس الإنساني رغم أخطاء ذلك الضمير ، وظاهرة تبكيت الضمير تظهر واضحة في ثلاثية المبيض ، غير أن عملية التوتر النفسي لدى المبيض تبرز بوضوح فيندفع نحو التأكيد بأنه بحاجة إلى عمل يعيد إليه الأمل بالحياة

    - لكني أقسمت ألا أعود إلى البيت دون عمل هيا ناد الشرطي:

    بيني وبينك كان هناك شرطي تجاهلته ، طويل رفيع أسمر على ذقنه دقة لعله بدوي .

    إن التردد النفسي الخائف من عملية القمع السلطوية يبدو واضحاً في المقطع السابق – التفكير بالشرطي يدل على امتداد الخلل النفسي والشرطي بوجوده يعمق الخلل ويجعل من الرجل المندفع رجلاً متردداً تضيق ساحة الشعور لديه وتنغرس مخالب الكبت المزمن في صدره ويبدو الخوف في صوره المختلفة يدخل في عملية التركيب النفسي لشخصية المبيض .

    إن التفكير السلبي يدفع الإنسان إلى طرق ملتوية لحل مشكلاته فنجد الضغوط المادية تدفعه إلى الانغماس في مستواه المادي مفرغاً ذلك الكبت المنزرع في عالم الرذيلة بالطريقة التي تناسب أعماق نفسه في جسد امرأة أضاع العمر بحثاً عنها ونرى الضياع الجنسي واضحاً في الثلاثية من خلال ذهاب المبيض إلى تلك الأرملة الأرمنية، حيث يتلمس جسدها الناعم ، وينعم بدفء فراش امرأة حرم منها طيلة حياته التعيسة ،ومن تداعي أفكار المبيض نرى تأثره فيقول:

    - لو كان لي زوجة لما شعرت بالبرد الذي أحس به ينهش ركبتي ولكن يمكنني أن أغمس قدمي بماء حار وأتمدد مبسوطاً لكنني لم أتزوج ، ولم أبت ليلة واحدة في فراش امرأة

    - المرأة هي الجانب الهام في حياة الإنسان ، والملهم الأول للتقدم والإبداع ، فيتألم بمفرده ويتحسس دون آس يجس علته ، كيف له أن يشعر بالارتياح ، وكيف يأتي الأمل الذي دثرته الأيام وتراكم عليه غبار السنين ،فالعمر مضى ، والوهن دب في عظام المسكين ، والحرمان يتفجر في قلبه بركاناً يعبر عن رغباته المكبوتة فيقول :

    لكم وددت والله ،لو أغمرها بقبلة ورغوة الصابون فوق يديها أن أشبع أصابعها ضماً وبوساً ، ثم تفعل بعدها كما تختار لتغمد سكيناً في صدري المحتقن وتقبرني برغوة صابونها .

    - الكبت الجنسي ذلك الوحش ينهش أعماق الرجل يوقعه فريسة الوهم والتخيلات

    إن الملوك والسلاطين وذوي المال الفاحش ومن لف لفهم ينكحون يا عمي مائة أنثى وأنا أرغب في واحدة فقط.

    هنا يبرز الإحباط النفسي ويتناثر الأمل تحت رحى الكبت المزمن في نفسية المبيض حيث تنعدم طرق المعالجة والتخلص من هذا المرض ، الذي لم يقتصر على القهر الجنسي ، وإنما تعرض بوضوح – للطمع والاستغلال من خلال تحليله شخصية السائق اللاهث خلف المال مبيناً الانعتاق من كل القيم في سبيل الوصول إلى الغاية فالغاية تبرر الواسطة ، والجشع نفسه لا يتغير فهذا السائق مولع بجمع المال ، ويحرق أنفاس الركاب ويدخل القهر إلى نفوسهم دون أن يهتز له وتراً.

    - دعنا نصل بيوتنا ، لا تشبعون لم يبق أحد أين المسافر ؟الآن سر أو أنزل أنا قال السائق متبارداً وهو ينظر شزراً إلى المعاون المعلق .

    - لينزل من يرغب لست مقيداً أحداً

    الحرية المكبلة تلك التي يطلقها السائق الجشع ، إنه يعرف بقرارة نفسه أن الركاب لن يتركوا السيارة سيحتقنون بالقهر ويكدس مايشاء من الركاب ، جشع مادي وقهر نفسي والسائق لا يشبع والركاب يقتلهم القهر ، يتضح من هذا تركيب الضمير الدنيوي الدوني لدى السائق وتخليه عن الأنا الأعلى واضعاً نصب عينيه المادة .

    لقد توافرت الأعمال النفسية في طيات المجموعة لتدخل عالم الخرافة والشعوذة حيث تتكاثف رائحة البخور ، وتفوح بقايا الشموع والدعوات المسترحمة ، فالإنسان العادي ينحرف بفطرته نحو الاستسلام وللقوى الغيبية للقبول المدموغ بالقناعة حتى من إنسان مثله ، يجمع في نفسه كلمات سحرية يفرض هيبته وتؤكد مكانته بين هؤلاء الضعفاء فيقبلون إليه يتلمسون البركة منه حتى لو كان ميتاً أو ضريحاً، ويبدو ذلك واضحاً في قصة الإشارة ياسيدي الرحال ، وكيف ينمو النفَس الخرافي ، ويأخذ دوره بصورة صوفية ، مملوءة بالتأملات والفيض الإلهي حيث تتسع دائرة اللاشعور وتسيطر على الوعي ، دافعة ذاك الرجل بأن يتصل بـ -سيدي الرحال

    - وتسبح عيوني المتسعة في نور مئذنته الأخضر المتلألئ ،كلما خرجت أملأ رئتين هواء الليل الرطب إلى أن بدأ استعداد روحاني منه ، أخذ يهمي على عالمي بعطايا حبه وفيضه بيني وبينه توطدت علاقات خفية كان يشعر بي حينما أطوف حول ضريحه ثم كان يوم- الله أكبر – الله أكبر – جاءني الرحال – أي والله جاءني الرحال

    إن التأثر المتافيزيقي يلعب دوراً بارزاً في تركيب البنية النفسية لشخصية البطل إلى جانب الإدمان على تناول المخدرات وما تثيره من وجد إلهي تنعكس في مرآته معطيات الواقع وإرهاصاته ويتقمص شخصية سيدي الرحال حيث تحل به ويبدأ بتخيلاته وتهويماته وترجياته .

    إن دراسة الجانب النفسي في قصة سيدي الرحال تبين لنا سيطرة الخرافة عند جزء كبير من أبناء مجتمعنا فهذه الفتاة التي توسلت إلى السيد أن يخلصها وبطريقة ماسوشية بدأت بتعذيب نفسها بدأت بتعذيب نفسها وضرب رأسها حتى كادت أن تفارق الحياة ،تلك العملية سلسلة مترابطة من المهام التي تُطلب من الفتاة أن تقوم بها بادئة ب – سيدي الرحال – وهو أصعب المراحل منتهية بسيدي أحمد ،غير أن ذلك الرجل الذي تعمد بروحانية السيد وامتزج به ، ينهض عبر الليل محاولاً وضع حد لتلك المأساة التي زجت الفتاة بها نفسها ، ويتناهى إلى مسامعه صوت امرأة عجوز تقول له :

    - دعها تطهر نفسها حرام عليك دعها

    هنا يظهر بوضوح كامل تخلي البطل عن تلك المعتقدات دفعة واحدة وارتداد ضميره الوجداني حيث يقف حائلاً دون ترك الفتاة تقتل نفسها بتلك الطريقة الخرافية معتقدة أنها تطهر نفسها من كل الشياطين فيقول:

    - فكرت يا سيدي رحال كل هذا الألم والعذاب لم يسمحا لها أن تؤدي الدين ؟ يا سيدي رحال لا بد أنك غير موجود بقبرك هل انسحبت؟

    لقد عرف ذلك الرجل بفطرته أنه يبحث عن شيء حقيقي وهام ويحيا به ويحشش ويصلي لكنه هذه المرة سيكون بين الأحياء فقط بعيداً عن عالم الأرواح

    إن عملية الغوص في النفس البشرية لأمر صعب وتحليلها عملية معقدة وخاصة من خلال تركيب الضمير الإنساني حيث تتداخل فيه أعقد العمليات النفسية لقد استطاع القاص الخواجه أن يعيد قوة النسيج القصصي بإدخاله العامل النفسي المشحون بالتذبذبات المكبوتة محاولاً تفتيت الأمراض المدفونة ليخرج في النهاية ضميراً إنسانياً يقظاً يتحسس الواقع الحياتي بحس إنساني ينمو بنمو النفس البشرية .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 9:14 pm