دراسة نقدية عن القاص غسان كامل ونوس بقلم علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 67
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية عن القاص غسان كامل ونوس بقلم علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الجمعة مارس 20, 2009 5:25 pm

    الرؤية عملية في خلق توازن

    و تمكين الفعل الحدثي غسان كامل ونوس



    إن المجموعة القصصية للكاتب غسان كامل ونوس{ ظلال النشوة الهاربة } تشعرنا بأننا أمام عدة أجيال من المعرفة و المفاهيم ، تفتح لنا نوافذ تطل على التاريخ و المتغيرات و كأن الوعي الناهض لامس كل الجوانب التي وضعها الأديب لنفسه ، فالقص مهمة تنطلق منه رؤية الأديب و تندفع منها معرفته الإنسانية للموجود و تتمازج تلك الضرورات لتشكل البناء الذي يرتسم عليه الهيكل العام للنص، فالتوصيل هدف القص ، و مد خطوط التوصيل مسألة تقتضي معرفة تقنية العمل و جماليته فالدخول المتناسق عبر توتر الحدث يؤكد جمالية الكتابة و متابعة التواصل ، و الكاتب المتميز يرفع من قيمة الحدث باستعماله لغة التوصيل حيث أن اللغة ترتقي إلى مشاعر المتلقي و تحمل معها كل ما قدمته مفكرة الكاتب ، و عملية الكتابة عند الأديب غسان كامل ونوس تدخل مفهوم التكثيف و التقليص، و اختزال المد الكتابي و تلقي الكثير من المعلومات التي عبرت خطوط التفكير و بما أن التحاور الثنائي ليس بعيداً عن شغل الأمكنة الصعبة عند الكاتب فقد ظل الحدث يرفع من وتيرة القص و ترتيب المضمون .

    فالبعد الفكري يطلق عدة فواصل تتفرق عندها مكونات التركيز الفني عند الأديب مما يدعوه إلى شد بعض الخيوط الحديثة ، خالقاً جواً من التوتر الانفعالي ليدخل في عوالم التنبئية و استعادة المتوالية الخلفية لمعابر القنوات الايديولوجية . . .

    إن الأهمية المتنامية للعمل الذي يقدمه الكاتب تبقى مندرجة ضمن التطلع من خلال أفق طبقي تتماوج فيه عطالة الزمن المادي فالتعمق بالمرور لا يجعل من المقدمات تصل إلى موازنة تحمل التخطي للظرف المتنامي في تصور الأديب و بنائية العمل ترسم متطلبات الزوايا التي ينطلق منها الزمن القصصي ، لقد ثابر الكاتب على التأكيد بأن الانسان كائن خلقه الزمان و إن هذا الانسان يبدأ في القص و يتناثر فيه كالعمل الكتابي الذي يمتد في الزمان و إن الهم ظاهرة رئيسية في الزمان ، و الهم يتألف من المكان و الواقع و الفشل ، و من جهة أخرى فإن كثيراً من الكتاب يخافون و يتحفظون من الدوافع الفظة و الجارحة التي تخلق أفكاراً مناسبة للكتابة عند الأديب فتشعب تلك الحياة يخلق شعوراً لا غنى عنه من الناحية الاجتماعية ، فالقص لا يخرج عن دائرة الاعتبارات النفسية و الأخلاقية فهو بالمرصاد دائماً لكافة الدوافع و القص يطور و يبدع في توصيل الحدث و إن للتداعيات الحرة أهمية كبيرة في تحقيق شروط الحدث و القص ، و تحليل آلية الكتابة برمتها و التي تلزمها أن تكون منظمة و أن تنتقل من الحالة الفوضوية إلى الحالة الراقية التي تمثل التركيب الداخلي للموضوع الهدف ، فإن معياره يتجدد بتنسيق العملية المعرفية و بهذه الطريقة يمكن للكاتب أن يحرك الموجودات و يضع فيها ثقل أفكاره حيث يصبح المخرَجُ فوهة لرصد حركة التطور عند شخوصه و صقل معارفهم بإبراز مفاهيم يسعى الكاتب إلى رصدها ضمن قصه ، و هذا مبرر و مسموح به فالفترة السريعة على أرصفة الايديولوجيا أمر مألوف يمكن أن يمارسه الأديب ، و الهروب من زاوية السقوط الحاد طريقة يعتمدها الكاتب في كل تصعيد يرقب رصده ، فالتسطح الاجتماعي و هبوب غبار التسلط و التنكر للتأهيل المنسق عبر سمت الأفق المرسوم و نهب الموروث في عملية تنسيق للتاريخ خلق هرجاً مخيفاً زعزع قلب الكاتب في بعض القفزات فالخطف السريع و رفع وتيرة الكلمة و جمع المبعثرات المتوضعة في دائرة الموروث خلقت صراعات للموجودات المعرفية و صبغت الندب المتقرحة بلون بني يشبه تقرح الجرح القديم ، تلك صور أحدثتها لغة القص ، و أخرجتها مخيلة الكاتب حيث لا رحبة بعد رؤية الحقيقة .

    (( إنني افقد السيطرة على نفسي و لا قدرة لي على التوجيه أو القيادة ، صرت مسلوب الإرادة تماماً و لا فائدة من كل ما لدي من تفكير أو قوة أو حركة أو رغبات )) . المجموعة ص / 41

    إن المساحات المكانية تبدو مقطعة ببنائية فراغية عجيبة تختلط فيها المنحنيات الهندسية و تسقط خطوط التنسيق الاجتماعي بلزوجة مادية يعرفها الكاتب و يسعى لتحريك جوانبها فهو ينقل الإشارات و يحدد مساراتها عبر موجة صوتية تتحول إلى احدى صور العلاقات التي تنتشر ضمن متغيرات مجتمعة فهو غير راض عن تلك العلاقات التي تتربع فوق المقدمات و هو يرى أن القص سؤال يسأله الكاتب و هو فكرة شديدة التعقيد تجعلنا نحصر اهتمامنا حولها باستمرار و هو لا يقتنع بأن تلك الأشياء ملقاة في مكان مغلق بل يحاول أن يجعلها في متناول يده بوصفها صالحة للإستعمال ، و هو يحاول باستمرار أن يجعل عالمه مبرمجاً عن طريق دمج علاقات جديدة في قصه ، و يكتشف عن قابلية استعمالها من خلال السياق .

    إن أشياء الكتابة تلك التي لا يكون للانسان السيطرة عليها أو تكون تحت سيطرته تصبح إحدة وسائله ، فالتسلط و الاحباط و الفقر و المتعة صارت تربتها مخبراً لقص الكاتب حيث يمكن لنا القول : أن تقدم القص قد اعتمد جمع العناصر و ضمها إلى عالمه الوسائلي فالأدوات متشابكة و كل وسيلة تعتمد الأخرى و القص عند الكاتب يرتبط بدائرة الاهتمام المعرفي و هذا يلزمه بالوحدة و النظام المترابط لتشكيل العناصر التي تمثلها الكتابة .

    إن التعامل مع الأشياء من زاوية الاهتمام بها لا تحصل على التقدير طوال الوقت ، فالعالم الذي يصنعه القص يظهر بشكل يفتقر إلى الارتباط بالحياة اليومية في بعض الأحيان فنحن لنا أن نطرح السؤال :

    _ أليس عالم القص هو على وجه التحديد العالم الذي تخرج منه الاهتمامات و جميع نماذذج الحب و الكراهية و التفاضلات بحيث تتم لنا رؤية الأشياء علىحقيقتها ؟

    _ أليس القص هو العالم الذي تشتق منه الحياة اليومية نفسها حينما تصير الضرورات مرتبطة بتغير الموجودات و الليل ؟

    (( و الليل يمضي بسرعة ففي كل مكان المأزق ذاته و الازدحام عينه و حين يطلع الصباح يجب أن تكون صور أبو حليم تزين كل الأماكن البارزة هذه آخر الفرص في هذا العمر الذي يجد في المسير ان ربحتها يا مالك أضفت غلى مواهبك و شهادتك موهبة جديدة نادرة و شهادة تبيض ذهباًقد تعوضك عن كل ما مر )) . المجموعة ص / 75

    لا شك أن غسان كامل ونوس قد تجاوز لغة قصه ، و رفض فكرة قبول حدود لما يمكن أن يقوله فهو يرى أن الفكر و الواقع مختلفان فالواقع يتخطى الفكر و هذا التخطي يفتن الطريقة الجدلية التي سبك القص بها ، إن الطريقة التي يتلولب فيها القص تظهر لنا الصراع القائم و تمزج الهم الخاص بالعام و يترمد الأصل النابض في مقرنصات الهيكلية البنيوية لعمله، فالأبعاد الزمانية المغلقة العنان تختلط في عمل الكاتب بشبكة من التعقيد يصعب على المراقب جمعها فهو يريد و يركب جمالات من نار يريد أن يخترق بها بعض الثوابت المهترئة .

    (( و هل هناك جديد عليك أنت تحب الفرجة حين هجمت عليّ أماك و ضربتاني و ناديتك و لم تجب مع أنك كنت تنظر من خلف النافذة رأيتك تنسحب حين تمكنت من الهرب من ايديهما طبعاً أنكرت ذلك أنت و، ستبك أمك الأولى و تمنت لو أنها لم تلدك و شتمتك أمك الثانية و تمنت لو انها لم ترض أن تسجلك على اسمها )) . المجموعة ص / 135

    و يؤكد الكاتب على أهمية المشاركة في خلق فعل المفهوم منتقداً ذلك النوع من الترميز الذي يسعى فيه الفكر إلى الانفصال عن المفكر حتى يستطيع الكاتب أن يفصح عن طريقته الخاصة و في هذا النوع الثاني من المفهوم يهدف الكاتب الوصول إلى الموضوعية ليقف في مواجهتي الذات و التفكير وجهاً لوجه و فضلاً عن ذلك فإن عنفه ليس تعسفاً و لا هو شعور فردي و إنما يتناسب مع حركة طبقة تراكمية من مجتمعه ، فهو ذو حس سليم و لديه المشاعر الصحيحة ، فالشخص الذي يحمل شعوراً سليماً يسخر من الظلم و يرتجف مع العذاب لكن حسه السليم يدفعه للاستجابة مع انفعالاته الفكرية .

    إن جميع هذه الإعتبارات تدفعنا إلى الأزمة التي خلقها الكاتب وهي ان المشاعر لا بد لها أن تخدم التفكير و أن الغضب العنيف يخلو من التفكير و هو مثال على النموذج البدائي للشعور في حين أن الاحترام و التذمر الأخلاقي يمثلان النوع الرائع لها و لا تكون المشاعر بنائية الأمن خلال الوعي للواقع الفعلي و أياً ما كان الواقع فإن الشعور يرضى بأننا جزء منه؟ فهو ليس البنائية فحسب بل هو الحيز الحقيقي الذي نتواجد فيه ، لذلك نرى أن الكاتب يعتبر الشعور في النهاية ضرباً من ضروب التجريد فيغلق دوائر تفكيره حول تلك الرؤية و يرسم الظلال المختلفة للبيئة .

    و يصفها حيث ان القص يتحد مع الخوف و يرتبط بعض الشيء بالحياء و الرهبة و يلتقي بمجموعة كبيرة من المتغيرات كالغضب و الهيجان .

    (( أحياناً تعبث بالمرء أسئلة كبيرة تبدده و تشرذمه و تسحقه و تحوله إلى خرقة بالية أو خيال واه أو حكاية مسلية ، فإن العجيب في هذه الحالات هو القدرة على المقاومة أو عدم الموت أو الاستمرار في اشغال حيز ما من المكان أو الزمان ، و الوجود و هذا الوجود بأي قانون فيزيائي أو كيميائي أو ميتافيزيقي كان )) . المجموعة ص / 130

    و يظل غسان ونوس يرتقي بحركة لولبية في نسج خيوط قصه حيث يرقد المخزون الفكري في قاعدة البناء عنده و تنطلق الحمم المعرفية لتشكل عالماً جديداًمن التواصل و التنازع في المترسبات و البعد المحمول في سيرورة العمل الكتابي عنده فهو يخلق بعداًانسانياً يركض نحو الهدف .






      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يوليو 27, 2017 10:49 pm