دراسة نقدية عن الأديبة الخليجية شيخة مبارك الناخي من الناقد علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    حصري دراسة نقدية عن الأديبة الخليجية شيخة مبارك الناخي من الناقد علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الإثنين مارس 16, 2009 4:09 pm

    الرحيل

    الخروج من سفر النساء في عالم
    الكاتبة شيخة مبارك الناخي


    هناك أساليب كثيرة في الفن ، وطرق متعددة يفهم بها الكتّاب ما يقومون به من أعمال ،وهناك طريقة واحدة لوصف الأساليب القديمة ، التي تمارس فيه الكتابة القصصية ، حيث أن الرسام يبني عالما ًثانياً أما الكاتب فهو يبني عالماً ثالثاً يحطم رتابة الحياة اليومية بالنسبة إلى نفسه وإلى الذين يفهمون قصه،

    ولكن هل في استطاعة المرء أن يتحدث عن عالم الكتابة ضمن طريقة متميزة ،ندرك من خلالها العالم وعلى ما يبنى عليه المنظور القصصي ، إن هذه الطريقة موجودة ، ويمكن للمرء أن يقول بمعنى ما .

    إن تقدم الإنسان قد اعتمد على جمعه لعناصر العالم المحيط به ، وضمها إلى عالمه الوسائلي ، وإن الأدوات المتشابكة والمتداخلة تشكل وسائل منسقة ذات فروع يشملها هذا العالم وهكذا نرى أن الدور الذي تلعبه الأديبة شيخة مبارك الناخي .

    1- إنها تنظم عالمها ضمن تلك الموجودات البشرية التي تتضمن باستمرار وجهة نظر شخصية تتحدث فيها عن العالم ، وهذا يعني شيئا ًمستقلاً لكنه يعني بالأحرى عوالم البيئة التي تعيش فيها تلك الشخصيات ، إنها الصفة الديناميكية للإنسان ،حيث ينجذب ويجتاز ذاته، فالقضية التي تدافع عنها الأديبة هي أننا ينبغي علينا ألا نترك حالة (الوجد) والكشف الصوفي والنشوة الروحية ، وهي اندفاع نحو الداخل .تسيطر على القص .

    وهذا أمر لا يمكن الإجابة عنه بسهولة ، فالكتابة تحمل أكثر من معنى ، ويظهر ذلك بوضوح عند الأديبة شيخة الناخي ،

    إن الرؤية الموضوعية لها مزاياها في حدود معينة ، غير أن المفهوم الروحي يؤدي إلى الحفاظ على مسائل غابت عن الرصد الواقعي ، كتبادل المشاعر والمشاركة والحب والقهر والاغتراب والفردية ، والانتقال إلى الخلاص والتحرر من الداخل والانتصار على الضرورة المستبعدة وسيادة الكيف على الكم والإبداع على التقليد .

    إنها رؤية الفارق بين التحليل الكتابي وبين نتائج الحياة العلمية ، فالأديبة لا يعنيها الإنسان بوصفه حالة مرحلية بل تهتم بهذا الإنسان على أنه بنية أساسية للمجتمع البيئي عندها ، فعندما تنظر إلى الوراء نجد أن ذاكرتها تعي بضع عشرات السنين ، ولكنها تصبح شيئاً فشيئاً باهتة حتى تتوقف عن التفكير .

    إن الحالة الإبداعية عند شيخة هي حالة شيء معطى وهي قبل كل شيء صفة تألقها من حيث المعطيات لديها، فالشخصية القصصية لديها عبء يثقل كاهلها ولو شئنا لقلنا :إن مجرد رسم الشخوص يدعو إلى التردد والخوف.

    ( ومرت السنون لتصبح علياء بعدها شابة حلوة جميلة في عمر الزهور ، وتفتحت لها أبواب الحياة ، ووعت ما يجري حولها .. أي حياة هذه التي ستحياها ؟ فمجتمعها قاس وعنيد لا يقيم وزناً للفتاة إذاً فهي لا تملك من أمر حياتها سوى الأحلام والأوهام) ص12

    ويرتبط القص عند شيخة ارتباطاً قوياً بالقلق كظاهرة عندها ، والهم مرحلة معقدة ، فهو يحتوي اندفاع الرؤية الكتابية عند الأديبة إلى الأمام ، وتخرج إمكاناتها مما يؤدي إلى توتر الظروف والحدود الواقعية التي يرسمها الحاضر ، ويبدو أن فهم شيخة للهم بوصفه بناء للتناغم الفني عندها في إطار الفكرة ، فهو يزداد عندها وعلى الدوام تغلغلاً وانتشاراً في بناء نسيجها القصصي .

    إن تعبير الكاتبة عن القلق الذي يملأ عالم شخصياتها القصصية يحمل انفعالات يمكن أن تغلب عليها المشاعر الجسدية ، فتبدو الجماليات التي يثيرها الحس الفني لديها وكأنما سماء مرصعة بالنجوم ،إنها تملأ عالم شخوصها بالاحترام الذي يضفي أهمية كبيرة على الحياة الأخلاقية ، إنه شعور عقلي متميز ، يتوضح فيه الطابع الانفعالي ، مثل التوقير والإعجاب والرهبة .

    إن الأمزجة المتقلبة والمشاعر التي تبدو وتختفي في ذهن الكاتبة تكشف لنا طبيعة الواقع الذي تجتازه ، وتبدو عملية القص عندها أكثر ذاتية ، فهي تشعر بكل الأوجاع التي تغلي في نفوس شخوصها فهي تستخدم كلمات حزينة (وحدة .قلقة . حرمان . خائفة. أحلام ، يأس).

    إن الحزن في ذهن الكاتبة وليس في مزاج أشخاصها ، فحالات الإكتئاب والابتهاج تطرأ علينا وعلى غير توقع ،إنها تشعر بالغضب من الطريقة التي يعالج بها المجتمع مشكلات شخوصها فالفرد الذي يملك حساً سليماً يسخط على الظلم ويتعاطف مع عذاب الآخرين ،إنها تتجه نحو الحالات الموجودة في مجتمعها ولا شك أن هناك اعتبارات تعيدنا إلى النقطة التي أثارتها الكاتبة وهي أن المشاعر أو القلب يعملان في وسط عمليات الجسد الغريزية العمياء .

    إن المشاعر عند الأديبة يمكن أن تعمل في خدمة فكرها ووعيها إنها مشاعر ذاتية خاصة بها مدعمة بنغم فكري هادئ.

    (وحاولت أن أتناسى لكنني لم أستطع ،فعليٌّ في القلب منذ زمن ،إن الأيام الحلوة التي خلت تحتفظ في دفاتها بأجمل الصور للذكريات الحلوة وهاهي الرسالة تأتيني لتكسر كل خوفي وأوهامي ) ص13

    والواقع إن الأديبة فيما يبدو تواجه هنا خياراً فهي تستطيع أن تكون في مأمن وتقبل المفاهيم الأخلاقية المتعارف عليها ،وتبني قصها وفق تلك المفاهيم ، بسوء نية وإلى الوقوع في خطر الجمود والتطرف ولن يكون الخطر عندئذ هو الركود الأخلاقي .

    إن الانفعالات ترتبط بالجسد وأحواله المتقلبة ، فعندما تغضب الشخصيات يحمر الوجه وتلمع العيون ، ويرتفع الصوت ،ويصبح خشناً.

    (كانت الصدمة قوية حين ثار أبي في وجهي قائلاً: اغربي عني ولا تضايقني بتفاهات كهذه ، فهذه أمك الثانية ، ولا أريد شكوى مرة أخرى ، صعقت لكلامه الذي اخترق جدار صدري كسهم سكن في الصميم وراح يمزق أحشاء قلبي أحسست بالمرارة كل المرارة وبالحزن كل الحزن ) ص 53

    إن هناك نتيجة واضحة لملاحظات الأديبة ، فإذا كانت بيئة الفرد عالماً صورياً تكون بيئة المجتمع الذي تعيش فيه الكتابة عالماً تخيلته ، وآمنت به وهي تعرف سكان هذه البيئة عن طريق الأدوار التي يؤدونها .

    إن البيئة الشخصية تعني أن تفاعل الكاتبة مستمر مع غيرها من العوالم و البيئات ،ولو شئنا لقلنا :إن تفاعل شيخة هو وجود مع الآخرين على الرغم من أن كثيراً ما يفترض أن المجتمع يتشكل عن طريق تجمع أفراده ،غير أن الأديبة تجعلهم ينبثقون من مجتمع يسبقهم في الوجود وهي تفسر ذلك بأنه ماهية القص الذي تتألف خصائصه من الطرق الممكنة لبناء النسيج الكتابي عندها، إن إحالة التحرر الكامنة عند شخوصها ، تفسر الحاجة إلى تطور فكرة المعرفة عندها لقد دخلت الكاتبة عالم المرأة من نوافذ عديدة ، جعلت فتح أبوابها يصعب على الآخرين الدخول منها ،فهي ابنة الزمان والمكان ومنسقة الأدوار والنقلات إنها مهندسة للحركات اللولبية ،حيث كانت تغوص في كل الجراحات التي تنزف من جسد المرأة بعد دخول أنوار العصر الباهر في زمن العمالة القادمة من كل مكان.

    إن التعامل مع المرأة في بيئة تتركز فيها العلائق الاجتماعية ضمن إطارات صارمة من التقاليد وركائز ثابتة من الأعراف ،التي قد تجعل القيد فولاذياً، يصعب التخلص منه، لقد ظلت تطلعات الأديبة تصارع أعتى الأمواج التي تتحطم فوق نعومة جسد المرأة المسحوقة في جو من الشبق الملتهب ،حيث الأنفاس تحترق لذة مع الأجساد البيضاء ،والصور الملونة ، إنها غائصة في نفس المستنقع الذي تعاني منه النساء ،حيث لا قرار ، ولااختيار فالمنطلق الحركي للمرأة لايتثنى له أن يخرج عن نظام الدوران حول قوة الذكر ، وهذه قوة تدعمها الأنا الجمعية والنظم والأعراف .

    عبثاً أن تخرق المرأة بوابات الرجولة والقيم الموروثة ،فهي تسبح في هلام كثيف من الخضوع والتأثر وتعيش ضمن الحلم الذي يموت اختناقاً في أغلب الأحيان .

    إن ما ينقص المرأة في الحقيقة هي أن ترى نفسها بوضوح أن تعرف ما يجب عليها أن تعمله وأية فائدة تعود عليها إذا اكتشفت ما يسمى بالحقيقة الموضوعية ، ودرست جميع القيم ،واستطاعت أن تعيدها إلى قدراتها الفكرية، لتعيد النظر فيها وأن تتضح أمامها كل المتناقضات ،وعليها أن ترتب نظرية المجتمع من جديد، وتقودنا الأديبة من خلال هذه الملاحظات إلى مشكلة التفاعل مع الموروث الجمعي فهي تقاوم وتكافح البالي من القديم ،إنها تحرر نفسها من الداخل كي تتمكن من الكفاح خارجياً،وهدف هذا الكفاح الإبداع.

    (لكن الزواج لم يغير من واقع حياتها شيئاً بل زاد من شقائها وعذابها وتعاستها ، كانت تتساءل في قرارة نفسها كيف يمكنني التصرف مع زوجي المريض المسن؟

    هذا الذي فرض علي عنوة ليكتم أنفاسي ويقتل أحلامي) ص56

    إن الوسائل التي اعتمدتها الأديبة شيخة يمكن الحكم بها على أهمية الثقافة ، التي حملتها ،ومدى النجاح الذي وصلت إليه في كسر أطر الدوائر الضيقة التي ينحصر فيها العمل القصصي في بعض الأحيان ، فهي تمارس تأثيراً ثقافياً يندفع بتعبير روحي شفاف ، فتبرز قضايا بالغة الأهمية ، لقد ظهرت أثار ثقافتها في التربية والفن والأخلاقيات التي رسمتها الأديبة . إنها تعرض عذاب المرأة واغترابها في بيئتها ومجتمعها فهي دون هوية ، ميتة وهي على ظهر الحياة.

    (وكأي أنثى تنشد الدفء والحنان في بيت زوجها فقد دارت أحلامي في تلك اللحظة حول السعادة ، ولكني كنت كمن يلهث خلف سراب وهم كاذب لا وجود له في واقع حياتي أو كمن يحلق في فضاء بأجنحة مهيضة واهية ، وشعرت باختناق حياتي حين تناولت بيدي ورقة نهاية المطاف لزواج فاشل ، وبواقع يهوي إلى قاع عالم رهيب تتصارع فيه ألوان الشقاء والتعاسة ) ص57

    لقد تكامل عمل الأديبة شيخة ، ورأت الشمس تلك المفاهيم التي طرحتها حيث حجاب الليل في خليج الكرامة ، والتطلع ،وصار الدفق الأنثوي تياراً واعياً يحمل في منعكسه رؤية فن متواصل مع النغم العربي الماثل في خلايا مخ الأديبة حيث يكمن الوصول الذاتي خلف مؤثرات البيئة ولحن الصمت الموجع الذي ظل قروناً يدق بأمواج طيفية فوق صوتية ، تدفع بالوهج المتألق نحو بدايات رسمتها أديبتنا بريشة سحرية أظهرت فناً رائدا ًيحمل قيم التطلع ، والبعد المنشود فالمرأة في مجتمعنا هي شيخة ، وفاطمة ومريم ،وساره، وهذه رموز ثابتة ظلت تركض في كل مساحات الوعي المطروح على جوانب الثقافة الاجتماعية ، فالإبداع يغطي كل المساحات التي خلقتها الأديبة فجعلت شموس القص تسطع في كل الأسطر التي جمعت فيها رؤية جديدة متطلعة ، ترقب شروق غد نجد فيه المرأة كريمة متفاعلة وليست منفعلة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 9:39 pm