دراسة نقدية عن القاص صفوان حنوف الكاتب علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية عن القاص صفوان حنوف الكاتب علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الإثنين مارس 16, 2009 3:54 pm

    البيدق وزمن الحرائق
    ما يمكن أن يفعله القص


    احتمــالات ومعطيــــات
    صفوان حنوف


    ما يزال القص هو الكائن الكتابي الأول ، لأنه نتيجة فهم الإنسان للكتابة ولما يدور حوله ، ونرى أن الكتابة تعمل من خلال الظواهر في عالم الأديب محاولة توحيده وإبراز معالمه ، معتمدة على تأكيد العنصر الإنساني لدرجة أنه لا قص دون الإنسان وعلاقته.

    والأديب صفوان حنوف في مجموعته القصصية "البيدق" يوضح محاولته في تأكيد معادلة أنه ليس هناك قص بمعزل عن العلاقات الاجتماعية التي تكون هذا العالم ، فالكتابة هي مركز الوعي ،والقص منظم فعال لهذا الوعي، وهذا الموجز أظهر سلطان الكتابة على الواقع وقدرة الكاتب" صفوان حنوف "على تقديم وجهة نظر تطورية ومحاولة جادة لتفسير القص ، حيث بذل مجهودا ًفائقاً في تعقب تعقيدات المجتمع،والفكر وإرجاعها إلى حقيقتها، وهذا المجهود دفع بعمل الكاتب إلى الأمام، تلك هي الوظيفة التي حددها الأديب لقصه، والتعبير بتعريفات صحيحة عن ماهية الحدث، وعموميته والتوصل إلى فكرة البناء العام للقص، إذ يكفي عنده، أن نجد الأفعال ،حتى نستخدمها ويجعلها رؤية قصية، ويوضح الكاتب الصورة بأنها ليست شيئاً غير الموجود في الواقع ، بل هي توضيح لهذا الواقع ، وهي صورة حية لما يدور ، تخلقها الكتابة من جديد ، والكاتب يرسم العلاقة بين القص والواقع ، وهو يضفي على الفعل القصصي الصفة الإنسانية ،التي لا تضاهيها كلمات ما يكتب حتى لو خرجت المفاهيم عن حقيقة الكتابة فهو يعمل على حماية كائنه ، ويسعى إلى مساواة طبيعية ولكنها تميل إلى الخيال في الوقت ذاته .

    1- إذا كان القص في حقيقته إرادة لا بد إن يكون مليئا ًبالألم والعذاب، وذلك لأن الإرادة تعني الرغبة فالقص رغبة عند الكاتب ، وهي تطلب المزيد ، ويعمل الأديب على تحقيقها ، فيعرف مدى الأمل الذي يجول ضمن أقنية القص ويرى أنه يستحيل عليه أن يزيح عن صدور أبطاله هذا الضغط الذي يلاحقه ولو حاول إزاحته يحل مكانه على الفور همُّ آخر لذا صار الهم مادة مودة وتواصل في عمل الكاتب ، وأخذ هذا الهم يشق طريقه إلى الشعور عنده وأن يحتل مساحة واسعة في قصه

    ( لم يكن الخبر مهماً بقدر ما كانت النتيجة التي خلقت استحالة في أن يمضيا في رحلة العمر مع بعضهما بعضاً، والذي حتم عليهما أن يفترقا منذ هذا اللقاء ) ص21

    إن كل ضروب القناعة ، والرضى التي أوجدها المجتمع كانت في حقيقتها سلبية عمل الكاتب على إعادة التفكير بها كي يرى من خلال ذلك صياغتها من جديد وما يحقق رؤيته ، فالحياة التي تضمن الشر تشعره بالألم والحاجة ، وتجعله يشعر بالسأم والملل ، فيبحث من خلال القص عن شيء يعوضه عن هذا الشعور فيبدأ في مواجهة الصعاب ، من خلال الأحلام التي رسمها فعله الكتابي فيتوتر الحدث مبيناً قيمة الوعي للحب وللمرأة وما لها من تأثير في حياة المجتمع حيث تعتبر المدخل الأول للجمال والحياة / والمد َالأصيل للاستقرار والعطاء، فالأديب يريد العطاء من خلال بناء الحدث الذي يظهر كنبضة تيار كهربائي يتصاعد حتى يصل ذروة الشدة ، فتصبح الأشياء كلها تحت تصرف الفعل الكتابي الذي يندفع من عمق النفس ، وانكسارات الجسد منطلقاً مرة ثانية إلى بؤرة المحرق في تطلع الكاتب ، وترقد البيئة في ترتيب الحدث على مفاهيم أرادها الكاتب لشريحته الاجتماعية ، حيث الموروث الجمعي الذي حافظ على أولويته فهو لا قدرة له أن يتخطى هذا العمق المتأصل في مجتمعه لأنه يدرك قيمة التأثير لما هو موجود على أرض الواقع ، كل محاولة من قبل الكاتب تبقى تحمل في ثناياها الكثير من الحذر والدقة ، وربما الخجل ، فهو يدرك أن الانفتاح الكلي على الأشياء سيولد عنده انزلاقة في المحظور ، وهذا ما لا يريده الكاتب ولا يتمناه ، كما أننا نشعر بالبنائية المرهفة التي تلامس مشاعر الرغبة عند الكاتب والغوص في مشاعر يظنها تخصه هو ، فيلامسها بلطف وتباعد يكاد يمس محيط الهدف المراد دون الدخول في عمق ما كان يريد ، وهذا ما يجعل القص جميلاً ، ويدخل في نثرية تحمل شعوراًيتوهج منه الحلم والإبداع .

    (كان حبه لها يزداد يوماً عن يوم وهي مصلوبة على ذكرى الرجل الذي تحب حار كيف يمحو الدمع من عينيها ، صار يترد د إليها في أماسي اختناقها ليخفف من غلواء قلبها ، ويتسلل إليه ، ليقينه بأن كل شيء خارج الحياة هو حالة فظة )ص26

    2- وتعمل رؤية الكاتب في خلق الكائن الذي يمثله ، فهو في أغلب الأفعال القصية يفعل نفسه ، ويرى إخفاقات القلب أمام المرأة، فيتدثر بجمال الصمت ووقاره ، ثم يدفع بالفعل القصصي، ليحمل تلك المعاناة ويقلبها في أتون الحب المرمدة نيرانه تحت غطاء كثيف من الخوف والتردد إنه يرى نفسه في عيون المرأة التي أحبها ، وانطلق يبحث في فعل قصي ليحدث نفسه عنها ويتغنى بجمالها و يرمز لها بالأمسيات التي شاركته بضعاً من سويعاتها يتوهج في شعلة اللقاء فتندفع الأفعال الكتابية عنده مليئة بالحب والهم، منفلتة نحو الانكسار والتراجع ،لأن العلاقة القائمة لم تكن بحالة من النضج والاقناع لتؤكد أن المرأة دخلت في مربع رقعته ، فأراه ينسل بسرعة مخلفاً وراءه الإحباط والهرب وعدم التمكن من الاتحاد بمن عشق .

    ( سأضمك إلى صدري وأمسح عنك نار الخوف والصمت فقالت متبرمة:
    - لا تخف علي



    كانت الأشجار والورد والأطيار تتابع حوارهما باهتمام . طلبت منه شيئاً أجمل مما قدم، فشق قلبه وأخرج منه نبتت أجمل من تلك النبتة ، نظرت إليها بازدراء وقالت :

    - ألا تراها قد جفت ! أليس لديك شيء آخر ؟ فسألها متبارداً:

    - وأنت ماذا ستقدمين ؟ فسكتت ) ص40

    أي خلود هذا والمرأة تهرب من حب أورثها قيوداً وعلاقات، دفعتها تسرع بخطاها نحو المال ، نحو الحياة التي تفك قيد الفقر ، لتقيدها بعبودية الجسد المدفوع برخص إلى قيم يرفضها الكاتب ، لقد رأى الأديب أن الوجع الاجتماعي لا يشفى بالتنظير ، وكلمات الحب، بل أن هذا الداء يحتاج إلى علاج مادي، يحمل في تركيبته القدرة على تغيير المعطيات الموجودة على البساط الاجتماعي .

    فالفقر يدمر الحياة، ويخنق العلاقات الإنسانية بكل ما فيها من وجدان إنساني فعندما تتفاقم الأمور لن تنفع الغزليات والملاحم وكلمات المدح بل ستكون الغلبة للقوة المادية التي تجمع الناس حول من يدفع وهذا وضع فهمه الكاتب وتمكن من إدراجه في بناء حدثه لأنه على يقين بأن الوعي الاجتماعي يتأتى من خلال هذه التناقضات المريعة التي تفصل بين الإنسان والآخر وتخلق الحواجز التي تمنع من التقارب والتفاعل فهو يرى بأن الجائع لا يجاري :المتخم بشيء ، وسيفشل أمامه ومن الوهلة الأولى ، إنه يحاول أن يبتعد عن طرح شعارات لا قبيل لها من التوضع ، إنه يسعى إلى لمس الأوجاع ومعرفة أسرارها دون فضح ما يمكن أن يرمز له ، إنها قدرته على التلطي خلف الكلمات وارتسام الأبعاد التي تفك الرمز بعد حين ومن خلال الفعل نفسه ويعتمد الكاتب على قدراته في دفع الزمن بربطه بأمكنة هي الأقرب إلى قلبه ورؤيته ، راسماً صورة من مرايا اعتمدها لتعكس القريب مبعدة حدثه والبعيد مقربة حدثه وله غايات مدروسة في هذا النحو من القص .

    ثم يرتد الكاتب في فكرته بعض الأحيان إلى زمن مضى ثم يدخل بخطف سريع إلى المستقبل ثم يعمل بكمون يضارع الفعل في تحركه المستمر نحو الالتفاف وعدم العودة إلى الماضي ، ثم يطلق دوائر تحمل الأغلفة التي أراد اختراقها وعمل على نزعها بهدوء وإتقان ، فالقص يبقى مغلفاًفي المرة الأولى لقراءته والكاتب صفوان حنوف ينزع هذه الأغلفة بمرونة تفلت من وعي المتلقي إذا لم يدقق بها وعيه وانتباهه ، إنها القدرة على طرح المشكلة دون أن تبتعد عنها لأنك ستجد نفسك مشاركاً فيها وربما أنت الحدث .

    (كانت منهوبة التفكير ، تندب وحدتها الموحشة في مساحات من الزمن لم تستطع الأيام أن تمحو مرارتها ، استقبلتها غرفة نومها الحزينة استقلت على سريرها بقميص نومها الزهري الشفاف ، وغمست جسدها في الضوء الأحمر الذي جعله أكثر بهاء وأشد فتنة ، ومن غيرته راح يلاحقه ليدخلا معركة جعلتها تشتعل في حضن النهار) ص63

    3- وتنحرف إبرة التوجه أثناء القص فيندفع الفعل الكتابي من إيقاعه الجدي إلى التدرج نحو الشعرية التي تلامس عيون السهر والمداعبة فينطلق اللاشعور إلى أعلى اللبيدو عند الكاتب ويحترق هذا الألم في لذة تنجرف نحو العذابات الشخصية ،واعتقد أنها الكاتب نفسه ، فهو يخترق حاجز الضوء وينفث بعض الأبخرة الملونة لتخلق نوعاً من الحجب علا ترسم شفقا ًيبعد خط النظر عند المتلقي فيعتمد التكهن والتأمل ليدخل في سر الشيفرة التي يريد الكاتب تحميلها عذاباته ورؤيته، فهو يفصح بعض الشيء ثم يلجأ إلى الترميز والدخول في غموض الحدث وتشتيته كي يزيد المتلقي شغفا ًوتعلقاً بمتابعة السرد المكثف، والمضمخ بالذوق العالي لفهم المرور عبر أقنية المرسل إليه وهي اللغة والقص وهذا هو الإبداع في استعمال الأدوات التي يستعملها الكاتب والمبدعون إنها القدرة على هندسة جديدة لما لدى الكاتب من وسائل .

    فالصوت وإرسال الأفعال، وانتقاء الصفات ورسم الاسم في موضع التداخل بين صيغة الزمن الممتد وقطع هذا الزمن في حاضر يجتزئه الأديب ليأمر بطله بنسيج تراكمي ، أن يخلع هذا النذير ، وينطلق تيار من الوعي والتواصل مع الفكرة التي تبدو واضحة في نهاية القص وكأن اللغة بمفرداتها تعاملت مع الحدث بدينامكية أضفت عليه صدقيته وقدرته على الإقناع ، ثم تأتي الأحلام المتداعية خفاقة تجلب معها الوعي الذي تميز به الأديب فابتكر المزج بين معطيات النفس وعلاقات الوعي – وربط بينهما ليدخل الواقع فتبدأ حركة الفعل القصي بجرف هذا الموات، وخلق مؤشرات تحمل معها التطلع نحو مستقبل أفضل ، فيرى الكاتب أنه حقق ذاته، وخرج من عزلة القلق ،ليقدم فصلاً كتابياً يحمل القدرة على الاستمرار ،فالتمايز في خلق ا لحدث أن تفعل نفسك مع الفعل ورؤيتك، وأن تخرج من وعيك المكتمل إلى وعي الآخر، كي يفهمك، ويتصل بك والكلمة تخرج من أحرفها الثلاثية عندما يتقن المرسل له فهمها، فيترجمها ويفهم دلالاتها ، وهنا نرى مدى اتساع المساحة اللغوية التي دخلت فيها كلمات القص، واختزنت في معانيها ، ما بناه الكاتب وما أراد أن يفصح عنه هو وعيه فيلفت انتباهنا إلى جملة الأفعال التي قدمها فالعلاقة ليست كتابية تحمل في جوانبها لغة تقدم سطورا ًنقرؤها ، لقد تحدث الأديب في تداخلات الكلام وقرأ لنا ما بين الكلمات فأشرف على صياغة تدل على خصوصية فرزتها قدرته على التماهي بين الجملة والفعل والكلمة ، فأصبحت المدلولات تعمل ضمن مقاييس دقيقة لا مكان للتوظيف غير الناجح فيها فالتجميع والتكثيف دخل في رؤية تحمل الفكر والمثاقفة والقدرة على التماثل مع الغير وهو تواصل أكده الأديب وبين لنا بأنه يعرف ما يكتب وما ينشر وما يدور عل الساحة مستشفاً رؤيته من وعيه وذاته المبدعة ليقدم خيطاً من النور عله يحمل معه الضياء .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 5:13 am