دراسة نقدية عن الروائي نبيه اسكندر الحسن

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    حصري دراسة نقدية عن الروائي نبيه اسكندر الحسن

    مُساهمة من طرف aliserafi في الثلاثاء مارس 03, 2009 3:56 pm

    الفدية :


    الدخول في زمن الخروج من الرواية


    نبيه اسكندرالحسن





    عندما نقول إننا نكتب الرواية ، نكون قد أخذنا كل المسائل الفنية المتاحة لبناء مثل هذا العمل الهام ، فالرواية فعل يتنقل بدقة وارادة ، وفق فكر ومفاهيم معرفية تختزنها مخيلة الكاتب الذي يود العمل ، ضمن هذا المجال ، ومهما كانت الأعمال الأدبية ، ذات طابع فني فإن قدرة الكاتب المبدع هو الذي يحطم هذه الحواجز ويتمكن من إقامة هيكلية لعمله الروائي ، ويبدو أن الفعل الروائي في الكتابة الفنية تطور تطوراً سريعاً في وقتنا الحاضر ، وعمل على ابداع عمل روائي يحقق الهم العربي ويظهر الأحاسيس ويؤكد أن العمل الفكري هو عمل صدامي ينشأ من خلال اصطدام الأديب مع الأحداث والأديب نبيه الحسن دخل في بحر العواطف الروائية وعمل بجد ونشاط في كتابة روايته الفدية ، حيث الهم الوطني والفقر والجنس وعلاقات غادرة تعصف بالكثير من مفاهيم الأديب ورؤيته فالكتابة كثيراً ما تكون قد عملت في أمكنة يجدها الكاتب مناسبة لعمله ويراها بأنها إمكان سهل قد مرت عليه أقلام الكاتب بجدية وحرص، ومع ذلك تبقى رواية الفدية دخول جريء لحقبة زمنية ، عاشها الأديب وأحس بمفرزاتها . حتى جعلته يدخل في زوبعة هذا الجو العاصف جو الرواية ، فاجتمعت لديه مكونات العمل حيث نبض في قلبه حزن الماضي وقسوة الحاضر ، مطمئناً لمستقبل يمكن أن يحقق له ما أراد ، ومن خلال كتابة هذا العمل تمسك الأديب بوضع الرؤية التجريبية الموضوعية ، ومن المؤكد أنه كان يجد نفسه على حق عندما يقول إننا نحتاج إلى ما هو أكثر من الرؤية التجريبية ، بل علينا أن نفهم الوجود الإنساني الذي يؤدي إلى الحفاظ على مسائل غابت عن أعين الكتّاب ، وذلك من خلال تبادل المشاعر والمشاركة الوجدانية والحب ، وقهر الاغتراب في مجتمع تتسلط عليه خبايا كثيرة ، كما أن الفردية والشخصانية ، تضعف عند الكاتب الانتقال إلى الحرية والتجديد من الداخل والانتصار على الضرورة وسيادة هذا الكيف الزائف على الكم والإبداع ويعمل الكاتب نبيه الحسن على مناقشة رؤية التحليل بين الواقع والتجربة التي يتناولهما فيجد بأنهما يقومان على معطيات يمكن ملاحظتها طوال عمله الروائي فالمعرفة تشارك فيه لأنه يعتمد على الإنسان بوصفه حالة تجريبية من حالات الواقع ، وهو يتجنب الابتعاد عن ربط التجربة التي مرت بها الأحداث فيؤكد جوانب مختلفة للموضوعات ، ويضيف بالفعل شيئاً جديداً لما تتضمنه رؤيته ، ويتم ذلك من خلال إطار التعبير والتواصل ، فالنقاط الأساسية في تحليله الروائي قد أشار إليها باستخدامه للمخزون الفكري عنده ، وقد اعتمد علاقة اللغة بالواقع كي تسهل عليه عملية الدخول في عمق الفعل الروائي ، حيث يرى نبيه الحسن أن اللغة تعمل في دفع الفعل الروائي وهي حقيقة تمارس نفسها من أجل خلق رواية ، فالموضوعات التي تصيغها اللغة هي رواية ، ولها أشكال عدة تمثلها هذه اللغة ، حيث أنه يصور كل جزء من أجزاء الواقع و يطابقها بصورة من خياله الذي قرر إبداع عمل روائي يصمم فيه نهوضاً يتمناه ويعمل له، فالرواية يعمل من أجلها كحقيقة تكمن في القضايا التي يراها بل في الواقع ذاته ، والفعل يترك ما يتحدث عنه يظهر ويُرى على أنه موجود ، وتنجح الرواية في عملية الاتصال عندما تنير الضوء أمام شخوص أو مجتمع ، فعندما تجعل الرواية حلاً من الشخوص والمجتمع يرى مايراه الكاتب بوضوح يضفي أهمية كبيرة على النزاهة الشخصية لمن يستخدم العمل الروائي بقدر ما يضفي أهمية على الدقة المنطقية للحدث ذاته ، علماً أن الكثير من أشكال الرواية لا تحقق هذا التنوير والاتصال إلاّ أن نبيه الحسن يعمل على أن الإنسان يرقى بنفسه عن طريق الكلام والفعل الروائي وعليه ألاّ يهبط إلى مستوى الثرثرة، فالكتابة تميل عنده إلى روح المعاندة والبحث الدقيق كي نصغي لما يقول وبدلاً من أن نكتشف ثرثرة عن الأشياء نجد أمامنا تفتحاً وهروباً من التعتيم والإغلاق، وهكذا يتداول الكاتب الحسن الكلمة التي تتضمن فعلاً تفسيرياً مقبولاً لما يتحدث عنه .

    " وجد ماجد نفسه مصغياً إلى حديث الشاعر يستمع إليه بشغف ونظر في وجهه يرى مدى الجد في كلامه ،

    تبرعمت الظلمات على شفتي الشاعر حين سأله ماجـد

    - وكيف وقع اختيار اليهود على فلسطين ؟

    - أدرك بونابرت مقدار الاعتماد على اليهود ، حيث وقفوا إلى جانب الفرس ضد البابليين ، بغية التآمر على إسقاط الدولة البابلية " ص11 الفدية .

    وتساعد ظاهرة الرواية عند نبيه الحسن في تفسير الآراء التي أرادها ببساطة بسبب السلطة أو الحالات التي تنحرف عندها الحقيقة فإننا سنسمع أفعالاً تفتح أمامنا نوافذ لترينا الواقع الذي تعبر عنه الرواية ، لهذا نرى الكاتب يفضل العودة إلى منابع الحدث ومواجهة الطريقة التي توجد عليها الأشياء لا الطريقة التي يقال إنها توجد عليها، وهذا يعني أنه يعمل على حفظ المفاهيم والعمل من خلالها، وهو يذهب إلى أن هناك حدوداً معلومة لايمكن أن نتحدث عنها ونفكر فيها إلا إذا كان التحليل لهذه الأحداث يقدم حدوداً تجعل الرؤية موضوعية تخرج الحدث من نفسه إلى الغير ، ولاشك أن الفهم الروائي للأديب بوصفه يتجاوز به ذاته بصورة متواصلة على طول العمل الكتابي، يؤدي في جوانبه إلى رفض فكرة قبول حدود لما يمكن أن يقوله أو يفكر به بطريقة لامعنى لها ، ولا يزال الكاتب الحسن يعتقد أن التحديات التي تواجه وجود مجتمعه هو أنه يواجه فرصة اتخاذ القرار فيما ينبغي أن يفكر فيه وتلك هي وجهة نظره ، ولا شك أن رؤية الأديب تسمح بمزيد من استخدام الكلام المعتم والرمزية ، ارتبط عنده بالعلمية الموضوعية وجعل الصراع يتصاعد بين الإمكان والواقع ، فالحدث منفتح عنده وهو يسقط إمكاناته عن طريق الدفع الكمي للحدث فالفهم والفكر يفتحان أمامه مجال السيطرة على الفعل الروائي ، وخاصة عندما يعاني من التوتر الشديد فيظهر ذلك بشتى الطرق إذ أن الإرادة العاقلة توجه نفسها إلى غاية ذات قيمة ويتغلب عنده الإنسان بالطبع من خلال علاقته بالتاريخ وذلك من انطلاق الإيمان بالنجاح وتسخير قوى زادت من قوة فعله الروائي ، فهو يدرك الأشياء كلها دفعة واحدة ، ثم يدفعها إلى المتلقي ليدركها دفعة تلو الأخرى ، ويحيطها بوجهات نظر متعددة لانهاية لها وتظهر عنده أسئلة كيف يمكن للمرء أن يدرك العلاقات البشرية ككل ؟ وكيف له أن يخرج من مشكلاته إلى وجود جديد بحيث يكون في كل لحظة مكتمل لما يريد " تهلل وجه مطاوع بالفرح حين وقع على سمعه طلب الدحبيش ، هبط درجات السلم ، واتجه إلى المعمل ، وهبطت عليه فكرة الأمــوال الطـائلة التي سيغدقهـا عليه الدحبيش ثم انصرف إلى الندوة ، وتناول كمية كبيرة من الطعام على حساب الدحبيش " ص26 الفدية .

    وهناك اعتقاد عند الكاتب يؤثر في عمله الروائي مشكلة المصير النهائي لأفراده بمعنى يلزمه قبول شخوصه وبناءهم من خلال دلالة واضحة على أنهم يعطونه أملاً معقولاً في أنه يمكنه أن يستبدل واقعهم بغيره كي لا يكون مصيرهم الضياع الكامل فيعمل على إملاء الحيز المتسطح أمامه بكمية كبيرة من المفاهيم والأفكار، تواكبها رغبة في التحرر مما هو قائم و إطالة اللحظة الممتلئة بالتنوير لأنه لديه شعور عميق أن الحياة بهذه الكيفية لا يمكن أن تفنى حيث يتخلص من الشعور بأن العالم الموجود يشعل في قلبه الكثير من الحب وعليه أن يكافح ضد المصير الذي رسمه التسلط على الواقع في مجتمعه لذا يجد بأن عالم الظواهر الرديئة هذا زائل لامحال ويريد أن يجعلنا نلمح عالماً آخر يقهر فيه الصلف ويضع للحرية أسسها لتكون هي القانون ، وهذه الرغبة هي التي تسود عمل الكاتب و تجعله يضع نصيباً كبيراً من جهده في إدانة الفساد فتحليله يكشف ماهية منبثقة تتحقق داخل حدود علاقاته، وتشير إلى تحقق التغيير لمعنى اليأس الموجود في عالمه وهو في ذلك يقول أن لمعنى الأمل في العلاقات الإنسانية اعتماداً كبيراً على تفهم المتلقي لنوعية الفعل المرسوم أمامه وبالرغم من أنه يمكن للمرء أن يرد بالقول أن هذا الكون جائر فان ماهية الفعل الروائي تتحقق و تزهق بروح الإحباط التي ترتسم خلال عملية الفعل الروائي ليكون الامتلاء من جديد في خلق حياة تتضح فيها مشكلة المصير الفردي التي لايمكن أن تنفصل عن مشكلة الحقيقة "انهمكت في وضع خطط ومشاريع للعرس ، رغم أنها ستبقى قلقة حتى تزوج عقل من ابنة مناضل وفاء لوصية زوجها الذي قتل على يد الدحبيش ولم تهدأ أعصابها حتى أشرقت الشمس ، ومدت أصابعها تتسلق جدران المنازل " ص 76 وربما كان على الكاتب أن يضيف إلى تصوراته لروائية الأسباب التي تجعل المناقشات الحدثية مفتوحة النطاق حيث أنها في الأعم تدور حول الفرد ، فالعمل الروائي يؤكد على العلاقات بين الأشخاص مجتمعين خالقاً بينهم صراعات قوية حيث الموضوعات تشغل بال الكاتب فيلجأ إلى مشكلات الواقع في شيء من التفلت وإن كان يفاخر على أنه صرف النظر عنها لأنها مجرد موضوعات يمكن تجاوزها . فهو يعلم أن عواطف هؤلاء الشخوص متقلبة وتعمل بشكل مناسب لما يريده هو ولما يظهر في ذهنه بما يناسب المهام التي ينفذونها .

    " وقف الجد يشيعهما بنظراته ، كان رجلاً صادقاً في عاطفته ، واسع الخبرة بالحياة ، خليق باستيعاب ما يدور من خفايا ، طافت في رأسه ذكريات ، شعر برغبة جامحة لأن يضم الناس لاغيرهم إلى صدره تهدج صوته وقال :

    _ إنك طاعون مثل والدك الدحبيش !! ص80

    ويعتقد الكاتب أن الدافع الذي يسوق الفعل الروائي في اتجاه المجالات المسكونة والتي تتجلى فيها الخيالات تنتهي بأحلام تتناول الماضي وإبداعاته لأنها في موقع النهاية إذ أنها لا تعدو كونها علامات ورسوم على درب تتكرر ، فهو يرى أن العمل الروائي يتألق ويذوب في تأمل هذه الأفعال التي يميل بواسطتها كل الممكن إلى البروز دونما انقطاع فإن استطاعت الصدفة أن تبدو للوهلة الأولى بمثابة إحدى كبريات قوى تحرر الإنسان عند الكاتب لأنها الصورة التي تتجلى بها الحياة إلا أن لها وجهاً مخيفاً مرعباً وقوة قوامها الموت و الاستعباد ، فهذه الشبكة الواسعة من الذكريات والإنذارات وضعت الكاتب يستولي على سر الأشياء ، ويسير إلى مصيره الخاص بوضوح لامثيل له واقتدار بارز،مبعداً الشبكة المظلمة التي تخدع الإنسانية لتقيد مصيرها وتضيعه دونما سبب .






















      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 5:11 am