دراسة نقدية عن الشاعر يوسف الحاج

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 68
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية عن الشاعر يوسف الحاج

    مُساهمة من طرف aliserafi في الخميس فبراير 26, 2009 5:26 pm

    دراسة نقدية عن الشاعريوسف الحاج
    علي الصيرفي



    امرأة ورجل

    عندما ينفلت الوجد من صمامات

    تؤكد جدية المسارات

    في حياة تضج بالحب والإنسانية

    الشاعر يوسف الحاج



    تتفتح الآفاق عندما ينعقد الأمل المتطلع إلى حياة تضج بالحب والإنسانية ،فيتحول الحلم والمشاعر بشكل كلي إلى الشعر ،حيث تهمس الأشياء كلها ببوح يدغدغ أحاسيس الشاعر وتتبرعم شتول قصائده ، وتدفع بصهوات فكره إلى القمة ، وتزخر بسيول الشعر الجارفة بحسها الإنساني العالي المكانة ،فتعبر كل مجازات اللغة وحدود بلاغتها وبيانها ، فالعقل الشعري المضمخ بنبض الوجدان يتلمس الشوق، ويتدرج في حصون العفة، والتصوف اللاهوتي يتنقل بين القلب وضلوع الصدر، وتنغرس الأنفاس أطواق ياسمين في تعاريج المسامع ، وانحباس العطر وفوحه وركوب الموج الهادئ ، بين ورود امرأة تهاوت سديماً من نور تماهى في حروف الشعر فتنطلق الرؤية من بين الكاف والنون لتكون المرأة والرجل ديواناً يقلب غروب نجمات بنت نعش وعروش الجنة بلون الوردة البيضاء فالإنسان هو الأول وهو الفاني أمام الروعة المطلقة بالروح المقدسة، التي هي الأبد ، وهذا الشعر هو الباقي مخلداً، والمرأة دخيلة الرجل في العمق الممتنع تناثره، فيوسف الحاج يندس بين الورد وطلع البرعم ،عاشق يتقدم مطوقاً هذا القلب المتعب بصدق العطرونورالحب .

    أليس الطل من فجري

    أتندهش وترتعش ؟ أنا الأنثى أنا الورده

    هدايا من ملوك الفرس

    قد سجدوا إلى نهدي

    ولي من مجدلي الحب ليال البان والرند ص9

    وترحل روح الشاعر مضطربة كوتر في ربابة أو كريشة لطائر هزته ريح الهجرة فغادره الحلم في وسط الدجى، وظل الإنسان الكائن في كل الأوقات ،هو الأذكى ، فالكون صدى لألحان البحر الهائج في شواطئ حملت حب الحياة، فأشعلت ليل عراقه، وجعلت من بلحه حلوى للقادم والنهر الحالم دجلة تقف عند شاطئه عشتار الربة تنتظر تموز الرائع في مغامرة العشق ونزيز النهد في لحظات الحب ،وهذا اللون الناهد لشهد العسل حيث الخمر يتلو رجوع العقل قبل نقش الرمز على دنان خبت فيها أسرار الفارس فالعاشقة تحرس كل العطر الشرقي والطلع المتركز في نهد الورد تفتح والبوح الشعري المفعم بنبض الوجد يتدرج في رحاب العفة ،والتصوف اللاهوتي يتنقل بين الصاعد من النفس وضلوع القلب وتندفع الأنفاس أطواق ياسمين في معارج السمع وينطلق العطر من بزوغ النهد لينفلت في أركان الفكرة وشعب القلب، وهذا اللغط يلخص الفكرة ويمهد المرمى لغناء الميجنا وألحان القصب الرهيف ويرى الشاعر المبدع أن الأنسان يتعبد لله وللجمال فمفاتيح المرأة رقتها ومواعيد نضجها كالرمان وزهر الجلنار وتفتح الورود ، فنحن أمام تنقل بين الشبه ووجوهه وبين المشبه ووجه الشبه فالنفي يؤكد القول .

    لم ينس مجد الجلنار

    والورد في أيار لم ينس الخدود

    سمراء لم أخلف وعود

    أسري ويدعوني الغسق

    ليلي يرافقني إلى ليل الحبق

    ظلي المحايد قد رأى شفة الشفق ص17

    ومن عدمية اللا رجعة نحو التمنع والتردد يدخل الشاعر هيبة الغسق فاللون السحري لا ظل له في متاهات الصحراء الواسعة وكلام الجن لا صوت له في شعاب الجبال وتشابك الغابات ، وتدفق الألحان المنبثقة من نايات الليل ودنان الحب تروي عقول المبهورين بلحن الوتر الخامس في عود الفارابي ومقامات اللحن المتوجع بين شط البصرة ونخيل الواحات البابلية في سماءات الأفق الممتد

    أمام غزالات شاردة بين روابي نينوى وشطآن رأس شمرة ، والزمن المنبعث لطائر الفينيق وشموس عشتار ، وفتنة ميسالينا الأمبرطورة الرومانية العاشقة ، والكلمة الهامسة لحناً شعرياً تتعانق مع أمواج البحر القادمة على أجنحة الفراشات الناعمة في زمن اللون الفاقع، والنغمة صوت يفهمه الراكب صهوة المدرج الخامس لمفتاح السيكاه في ديوان الشاعر المبدع يوسف الحاج

    ( رجل وامرأة) وهما الركنان القائمان في كل الأزمنة والدهور والمخترعان عناقيد الحياة ونزوات الصباحات الحاملة لكل أنواع العطور، ويرى الشاعر الحاج المرأة والرجل عنواناً لكل جمال الحياة بمساحاتها الساحرة والمدمرة ،إنه البناء الذي يتولد منه الزمن القادم من عمق الماء المنسكب في رحم الأرض الخصبة، وأحضان المرأة التي تعكس التواريخ والمتغيرات ، ويوسف الحاج البارع في عبوره أقبية الأنثى المرأة ،ويتدرج في عمق الرؤية مجسداً هذا الكائن الإلهي في سطور كلماته ويجهد عقله في أن يخلق من الطين الفج تماثيل لألهات الجمال ، ومن الألحان المارقة أغنيات تنهمر منها طيوب الشهد المتقطر على حلمة امرأة في الزمن الأنثوي وعل امرأة تكاد أطراف أصابعه تلامس خصلات شعرها وتتحسس نعومة روحها وجمال جسدها .

    يا جهل من قرأ الفصول

    حرث الحقول وما درى

    نثر البذار وثرثر

    الحيوان يفعل فعله

    لكن على عطش البتول

    قد غيبوا أحلى الكلام

    هل كانت العذراء تقشر فستقاً عن

    جلده كي يتكسر

    هل حضت النهدين تجلو المرمر ؟

    هل ذاقت الشفتان معسول الرسول ؟

    هل ضمخ الشعر السديل بعطره ص20

    2-

    يتداخل الشوق والوجدان والبوح ،ويلتقي الجسد الفاتن وسحر التجاذب في صوفية تجعل الأنثى تغيب في فيض من الأنوار والإنعتاق ،فالكائنات تتناثر في أزمنة البتول سحراً شرقياً ندياً تتعطش له روح الشاعر في الحضرة المقدسة ، حيث يخرج الدفق قبل الطمس النهائي، وفي غياب الملكوت الأسمر المرتسم على ساعد ناسك ، يتدرج في مقامات العشق ، فتندفع السهام الحارقة وتنغرس في الأجساد الطرية أنغاماً سحرية يدوزنها عود الشاعر في مقام النهوند مترنماً بين العجم وأقبية المعاصر ومندفعاً خلف الأشرعة ،التي رسمت هيكلاً ،ظلاله من عيون تحترق فيها روح المرأة الناهدة عصراً والراقدة في سرير العشق مساءً ،ويتجول عبر ثنايا الجسد الرخام ،وأعمدة المعبد تتحول إلى صور يزدحم فيها وجه واحد لامرأة تتغير في عين المتعبد قبل الصلاة ، وعند التأمل وفي غروب الشمس وهجوم الليل

    أينسى البدر أنثاه ؟

    أعاقبك محاقاً كان تحياه مع الدمعة

    وأرجعك هلالاً لاح كالحاجب

    لأنت أول الشهر

    وأنتظر تمام البدر

    أجلوك لزفتها وتحفتها

    وتأتي ليلة القدر

    بفاتحة على العرب!

    عروس البدر في الخلوة

    ومنديلي من القطن

    فهل تبني بها وطني ص46

    وينتقل الشاعر مسافراً وجائعاً في دروب الحب ، متعثراً في رمال صحراء أنثاه يطلب الماء الزلال ويحلب الخمر من عناقيد الكروم الليلية عند المرأة المشتهاة وينغلق عليه الفيض في عتم الهيكل محولاً زبد النهد أغنية تلهو راقصة على نغماتها مع عذارى الليل في مخبأ الآلهة والأصوات السحرية تهز جسد أوليس بعنف فوق سفينته المارقة عبر أرخبيل الساحرات وهن يدندن ألحان جنيات البحر مرتلات ترانيم السفر الطويل ويدور في فلك( أبسيدون ) جرماً صغيراً يعلوه نور من الأرج المندفع من نتوء النهد وارتحالاته حيث العشق أوقف غزالات عند أعمدة إسبارطة فنفضت أفروديت رداءها الناعم ليشف عن جسد إلهي يختصر فيه الجمال الصارخ ناموساً نازلاً من جبل الأولمب حيث تاهت سفن قدموس بحثاً عن أخته أوروبا وهو محمل بالأرجوان الفينيقي ، فالأزمنة تتفرد في البوابات المغلقة ،فتنفر منها أضواء تشع من عيون مجدلية تلتحف برداء يحمل إشارات العفة وقدسية المعبد وبين الأقواس النافرة تصدح تراتيل الرهبان ،وبياض الساقين ينز منهما العرق الأبيض فيسكر قلب القصيدة وتنغمس كلمات العشق في كؤوس السهر ، فالشاعر يهرب من العيون الفاتكة والنهود العامرة الرائعة البياض والتكور

    وأمليت جديد اللون شفافاً

    كأن الجبهة الشماء قد سبحت مع العرق

    وأمليت وأغرزت من الحبق

    بكى المنثور في كفين من غرب

    فقط دمعة حرفي

    وأمليت شموس الكون تذهلني

    لأشعر بالشعاع السهم مخترقاً صميم القلب فجره

    ليسقى بيض أوراقي من القاني

    فأدركت بدايته

    وأنت تتمة العقد لقنطرة هي المرأة! ص 62 -63

    4 –

    وتنسكب رؤية الشاعر هادرة في سيل من القلق المتمرد ، مرتسمةً بحروف من التحرق والترمد ،فالأصل المتجذر في أعماق الكون الشعري ، يمزق كل الأقنعة الزائفة ليطلق كلمات من البوح تتماوج مع أناشيد العشاق في كل الأيام والتواريخ ، مبدداً هذا الخوف الوهمي من أقاويل الأفاقين والمخادعين ،فهو عاشق حتى الحرف الأخير من القصيدة وهو يعرف نيران العشق ونتائج معاركه .

    قلقي الوجودي الجذور وقاتلي

    جففت ماء مناهلي

    حملتني صخر الوعور

    أدميت لحم كواهلي

    أحببتك ورضيت طعن عواذلي

    فإذا بك خلف القناع خبيئة

    أقصصت ريش زواجلي ؟! ص( صفحة الغلاف)

    لقد تجلت رؤية الشاعر على مساحات الهم الإنساني بكامله مستخدماً كل ما وصلت إ ليها ثقافته التاريخية من ملاحم وأساطير حتى أنه عكس الواقع بمجمله بقوة تحمل اللباقة والقدرة على استمرار النغم المتميز على مساحة الديوان الشعري

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 5:49 pm