في الذكرى الأولى لرحيل شاعر البادية(محمد صادق حديد).

    شاطر

    حيدر محمود حيدر
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 26
    العمر : 75
    مكان الإقامة : سلمية
    تاريخ التسجيل : 05/01/2009

    في الذكرى الأولى لرحيل شاعر البادية(محمد صادق حديد).

    مُساهمة من طرف حيدر محمود حيدر في الأحد فبراير 08, 2009 11:23 pm

    الشاعرالراحل(محمد صادق حديد)

    ((في الذكرى السنوية الأولى،لرحيل شاعر البادية:محمد صادق حديد)) في الذكرى السنوية الأولى لرحيلك،نحييك أبا صادق،ونضع باقتين من الريحان والياسمين،على قبرك وقبر زوجتك،(أختي أم صادق) التي لم تتحمل قسوة فراقك، وصعب عليها العيش بعيداً عنك،فلحقت بك لتلقاك في ذكرى رحيلك.فتحيّة عطرة لك ولها،ولكما أقدّم هذه الكلمة التأبينيّة الصادقة،تعبيراً عن مشاعري ومشاعر كلّ الأهل والأحبّة والأصدقاء الذين غادرتموهم من دار البقاء إلى دار الفناء.

    ( مارحمكما الله،وطيّب ثراك
    على أطراف البلعاس،حيث الطبيعة العذراء،والخضرة والجمال،بسطت بلدة بري الشرقي جناحيها كحمامة بيضاء،فوق مرج أخضرمن أشجار الكرمة والزيتون،وفي طرفها الشمالي يقف أحد أوابدها الأثرية(تلّ بري الشامخ)شاهداً على عراقة وأصالة تراث هذه البلدة،التي شهدت ولادة الشاعر الراحل محمّد صادق حديد،وفي مرابعها الميمونة ،عاش الراحل طفولته،وبين ظهرانيها قضى ربيع شبابه،وخريف كهولته،وطوال مراحل حياته،ظل الابن البارلهذه البلدة،وعلى الرغم من كلّ المغريات التي قدّمت له،فقد رفض العيش في المدينة،وعاد ليقيم بها بعد تقاعده،وبأخلاقه السمحة الكريمة، وبتواضعه الذي عهد عنه،كان كلّ يومٍ ينطلق برحلته الصباحية والمسائية،من منزله الواقع في الجهة الغربية من القرية،نحوها،يذرع شوارعهاجيئةوذهاباً،يتفقّد الصديق والقريب،ويسأل عن الغائب،وكم يسعد بعيادة المريض، ومواساة المتألم،تراه كيفما توجّه بنظره،يمنة ويسرة،يوزع ويهدي تحيّته وابتسامته للصغير والكبير،لايعرف ثغره إلا الفرح والتفاؤل، على الرغم مما كان يكابده من آلام المرض وقسوة الحياة،وأذكر بل لاأنسى،ففي اللحظة التي دخل فيها إلى المشفى لإجراء العملية الجراحية التي أودت بحياته،نتيجة الإهمال،وقبل ولوجه باب المشفى الرئيسي،سلّمت عليه وصافحته ،كان ـرحمه الله ـ يبتسم ويضحك لي،ويقول،(قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا).

    كان ـ رحمه الله ـ مؤمناًبقضاء الله وقدره،لذلك رفض إجراء العملية بدمشق،وأصرّ على إجرائها في سلمية،شعوراً منه بدنو أجله،وإذا مات ،مات مستريحاًبين أهله وأصدقائه ،فيلقى موته بينهم،مثل حياته،كلّ تكريم وتعظيم ،وهذا ما حدث ،لقد كان رحيله فاجعة للجميع،وصدمة تعدّت القريب والصديق،إلى البعيد،الذي لم يصدّق النبأ المشئوم،عندما يتصل ويريد أن يتكلم معه شخصيّاً.

    لقد ودعناك يا أبا صادق إلى مثواك الأخير ،ودعنا فيك الصديق والحبيب،والسماحة والندى،لقد بكاك الصديق والخليل،قبل القريب،لقد كان يوم مأتمك يوم حزن وجزعٍ للجميع،وكان لسان حالهم يقول:إنّ يد المنون قد حرمتنا من رؤية هذا الوجه الضاحك والقلب الكبير. وكأنهم غير مصدقين بأنّ القدر قد خطف منهم حبيبهم الغالي، ولكنّه الموت، غالباً إن لم يكن دائماً يصطفي ويختار الكرام والعظام من النّاس حتى نحسّ بمكانتهم وعظمتهم بعد فقدهم ، ولم يخطئ الشّاعر العربي بل أصاب عندما قال :
    أرى العيش كنزاً ناقصاً كلّ ليلة=== وما تنقص الأيّام والدّهرينفد
    أرى الموت يعتام الكبار ويصطفي===عقيلة مال الفاحش المتشدّد
    لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى==== لكا الطّول المرخى وثنياه باليد
    حقّاً إنّ الموت يصطفي ويختار من نحبّهم ونثمّن عالياً خلالهم وصفاتهم الحميدة من سماحةٍ وكرم ونجدة ٍ وحـزم وهذا ما اتصف به فقيدنا أبو صادق(رحـمه الله) لذلك يحق لنا أن نجزع عليـهٍ

    كما قال الشّاعر العربي في مرثيته:
    أيتّها النّفس أجملي جزعاً=== إنّ الذي تحذرين قد وقعا
    إنّ الذي جمع السّماحة والنـّ ..................... ـجدة والحزم والقوى جمعا
    أودى وهل تنفع الإشاحة من شيءٍ=== لمن قد يحاول البدعا
    أيها الفقيد الغالي : نحن وإياك قلب واحد ، فإن توقف قلبك عن الخفقان ، فقلوبنا جميعاً تخفق وتنبض بحبك ، ولا يمكن أن تنسى أبا صادق ، عاش محفوفاً بمحبة الناس ، ومات وقلوب المشيّعين تودعه إلى مثواه الأخير ، وتنثر على جثمانه الورود والرياحين ، وتذرف الدموع الغزيرة أسى وحزناً عليه ، ووفاءً وإخلاصاً له ، ولسان حالها ينطق بما قالته الشاعرة الخنساء في رثاء أخيها صخر :
    قذىً بعينك أم بالعين عوّار=== أم ذرّفت أن خلت من أهلها الدّار
    كأنّ عيني لذكراه إذا خطرت=== فيضٌ يسيل على الخدّين مدرار
    فالعين تبكي على (أبي صادق) وحقّ لها=== ودونه من جديد الأرض أستار
    تبكي (زينبُ) وما تنفكّ ما عمرت=== لها عليه رنينٌ وهي مقتار
    بكاء والهةٍ ضـلّت ألـيفــتها لها حنيان: إصغارٌ وإكـــبــــار
    ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت=== فإنّما هي إقبالُ وإدبار
    وإنّ (أبا صادق ) لتأتم الهداة به=== كأنّه علمٌ في رأسه نار
    واليوم، وبعد مرور عام على رحيلك،فقلوبنا ما تزال عامرة بحبك ،لن تنساك ،لن تنسى الصدق والوفاء والكرم والعطاء،والصوت الشجي الذي ما يزال يغرد في كلّ البلدان ،وفي كلّ حي وقرية،بل في كلّ شارع وزقاق. وأنت يا فقيدنا الغالي والحمد لله كنت خير من يتحلّى بهذه الصّفات الكريمة والذّكرى العطرة ،التـي تدور على كلّ لسانٍ، الغريب قبل القريب ،والصّديق قبل الرّفيق،لذلك كانت كلمات المعزّين بك،من شيبٍ وشبابٍ،إنّما نعزّي أنفسنا بأبي صادق قبل إن نعزّي أهله لأنّ في فقده خسارة لنا جميعاً،ولبلده سلمية .نظراً لمزاياه الاجتماعية والأخلاقية، لقد كان (رحمه الله) رجلاً اجتماعياً،يحبه الكبير والصّغير ،لما في نفسه من تواضعٍ واحترامٍ للآخرين ،وكان كريماً في خلقه صدوقاً مخلصاً لأهله وأصدقائه، وفيّاً في زمنٍ قلّ الوفاء هبه ،ونبيلاً والنّبل من صفات الرجال، زاهداً قنوعاً من دنياه لا يتكسّب بغنائه أحداً، مع أنّه يستطيع ذلك ، غير أنّ جلسة شعبيّة مع صديقٍ حميمٍ له،تساوي عنده مال الدّنيا كلّها.كان (رحمه الله)إذا عزف على الرّباب ،أشجى الأنام بعزفه ،وإذا غنّى بصوته الرّخيم ،أطرب الحضر والبادية بغنائه ، حافظ مع والده الرّاحل أبي محمد صادق حديد على الأصالة و التّراث الشّعبي بأغانيهما الشّعبية ،التي يردّدها الكبار والصّغار الكهول والشباب، ومن منّا لايحفظ أغنيته الشّعبيّة (سلمية يا ست البلادي )وحافظا على اللغة العربيّة،من خلال غنائهما الشّرقي الأصيل الذي أغنى اللغة بمفرداتٍ عربيّة ٍفصيحةٍ،يرددها الكثير من عامّة النّاس لأنّها كانت تشجيهم بموسيقاها العذبة ،وكانت أبياتها موزونة ومقفاة ،ومعظمها يبدأ بالتّصريع ،وتزينها المحسّنات البديعيّةمن جناسٍ وطباقٍ وتوريةٍ،بالإضافة إلى الصّور الجميلة من استعارة وتشبيه،و المستمدّة من بيئتنا وثقافتنا ،مع ربط معانيها بكلّ قديمٍ وتليدٍ .لقد أرسى الرّاحل صادق حديد،قواعد الأساس لمدرسة في الغناء،ومن ثم ّجاء بعده الرّاحل أبو صادق ليكمل بنيان هذه المدرسة،وليعزّز دعائمها بقواعد غنائيّة وفنيّة ثابتة،لكي يقال لكلّ مطربٍ سار على نهجهما،هذا المطرب من مدرسة آل حديد،فنعمّا المدرسة،وحبّذا خلقاً وصوتاً أصحابها. أيّها الفقيد الغالي: لقد كان مأتمك مهرجاناً شعبيّاً عفويّاً ضخماً،عبّر فيه النّاس عن حبّهم وإخلاصهم لك ،وأكدّت أنّك في مراحل حياتك التي عشتها بينهم،حبّك وإخلاصك لهم فكنت بالنّسبة للناس الذين أمّوا للعزاء بك كالماء الزّلال البارد كلّما ذقته طلبت المزيد،أو كالوردة العطرة التي تريد أن تستنشق أريجها,ولا تريد لها أن تذبل وتموت. أيّها الفقيد الغالي ، الذي فقدناه فجأةً، إنّنا لن ننساك ، فصوتك الشجي الذي يوقع في النّفس الأسى والحزن ، والفرح والغبطة في آنٍ واحدٍ،وهذا برأيي منتهى الإبداع ،وهذا هو سرّ إعجاب النّاس بك وطربك الأصيل باقٍ فينا مادامت الرّوح تنبض بالحياة .فطوبى لذلك الصّوت الخالد ،وطوبى لذلك الغناء الذي لايمحو ذكرى موسيقاه وألحانه العذبة مرور الأيّام والسّنين .وكذلك فإنّ ذكرياتي معك خالدة على مدى الدّهر، والعلاقة التي كانت تربط بيننا،مبنيّة على الاحترام المتبادل،والإلفة والمحبّة، لقد كانت تحمل جميع المعاني: القرابة والصداقة والإخوّة مجتمعة،وشريط ذكرياتنا مليء بالصّور الجميلة والسّعيدة التي قضيناها معاً، وقطار هذه الذّكريات مرّ بمحطاتٍ هامّةٍ في حياتنا، منذ أن كنّا شباباً، إلى اليوم الذي أصبحت فيه في ذمّة الله . وسأقف في محطتين من هذه المحطّات ، لأنّهما برأيي، تعبران عن موقفي الوداع الأخير بيننا ، الموقف الأول ، عندما غنيّت في عيد ميلاد حفيدتيك ، وسمعتك لقد ذكرتني بالاسم ورحبت بحضوري هذه الحفلة ، لقد كان الجوّ عائليّاً ، وكانت الجوقة التي تردّد وراءك هم أفراد عائلتك ، ولم نكن نعلم أنّ شريط هذه الحفلة سيكون شريط الوداع ، لقد غنيّت فيه غناء خاصاً بكلّ مشاعرك وأحاسيسك، والآن وبعد رحيلك عنّا سوف يصبح هذا الشريط الخاص ملكاً لكلّ النّاس من أحبائك وعشّاق غنائك وما أكثرهم!! أمّا الموقف الثّاني فهو قبل رحيلك بيوم واحدٍ، وبعد إجرائك العمليّة، كنت جالساً على السّرير، وشبه ممنوعٍ من الكلام، لقد قلت لك بحضور الأهل والأصدقاء : لا تتكلّم، سوف أتكلّم أنا فقط وأنت تسمعني ،قلت: إنّ جمعيّة العاديّات أرادت أن تكرّمك وحاولنا الاتصال بك في الموعد ولكن وفاة أحد أقربائك حالت دون ذلك . ثمّ إنّني كنت قد ذكرت لك أنّه لم يكن غير صوت أبي صادق يسمع من مكبرات الصّوت في شاليهات الشّراع ، وقتها قلت لي(رحمك الله)
    ( الحمد لله في من يسمعنا) . وكان هذا هو الموقف الثّاني الذي ودعتك فيه وأنا أكلّمك فيه وجهاً لوجه . أيّها الفقيد الغالي ستظلّ هذه اللحظة محفورةً في ذاكرتي ما دمت حيّاً . رحمك الله وأسكنك فسيح جنّاته. أيّها الرّاحل العظيم : لقد غنيّت كثيراً للحياة والموت ، غنيّت للحبّ والوفاء ، للهجر والوصال ، غنيّت للغدر والخيانة ، لم تترك موقفاً من المواقف الإنسانيّة إلاّ وغنيّت له , لقد أحبّك النّاس لصدقك في غنائك ، أحبّوك حتى ارتقيت بنظرهم من كونك فنّاناً عايشوك وأعجبوا بفنّك ، إلى كونك إنساناً ،أحبّوا فيه إنسانيّته وصدقه. أيّها الفقيد الغالي ،لاأظنّ أنّ العظماء يموتون،فتراثهم يبقيهم في ذاكرة الأجيال خالدين،وأنت يا أبا صادق ستبقى في قلوبنا خالداً،ويبقى شريط عزفك على الرّباب ،وشريط غنائك الشجي،محفورين في ذاكرة كل ّمن غنى غناءك،ليداوي جراح المحبين،وليكون بلسماً وسلسلاً عذباً للعاشقين وداعاً يا أبا صادق،فأنت المنهل الثرّ الذي يروي دوما ظمأ كلّ المحبّين!! وداعاً يا أمّ صادق،فأنت كنت الأمّ الحنون،والشجرة التي يأوي إلى فيئها كلّ عشاق أبي صادق. و أختم كلمتي بهذه(القرينة)أو البيت للمرحوم أبي صادق الذي طالما ردّده وغنّاه:
    ياريت ما شيّلوا==== من يمّنا وراحوا
    خلّوا وراهم قلب==== متنوعة جراحو


    سلمية في/ 4 / 7 /2008

    حيدرمحمود حيدر
    avatar
    زاركافا
    عضو بلاتيني
    عضو بلاتيني

    ذكر عدد الرسائل : 309
    العمر : 41
    مكان الإقامة : سلمية
    تاريخ التسجيل : 12/12/2008

    رد: في الذكرى الأولى لرحيل شاعر البادية(محمد صادق حديد).

    مُساهمة من طرف زاركافا في الإثنين فبراير 09, 2009 10:06 pm

    على الاقل بالنسبة لنا
    محمد صادق حديد لايمكن للموت الا ان يجعلنا اكثر شوقا وعشقا له

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 2:57 am