" البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    شاطر
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الثلاثاء يناير 06, 2009 2:41 pm

    البحث عن امرأة مفقودة
    رواية للكاتب : عماد زكي
    سأعرضها على شكل حلقات
    كي نشعر بالتشويق ولسهولة القراءة
    أتمنى أن تعجبكم
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الثلاثاء يناير 06, 2009 2:42 pm

    تعريف بالكاتب
    د. عماد زكي
    الاسم: د. محمد عماد زكي الواوي
    مكان وتاريخ الولادة: دمشق 1957
    المهنة: رئيس تحرير مجلة طبيب العائلة
    مجالات الابداع: أدب الأطفال
    المؤهل العلمي: بكالوريوس طب الأسنان، جامعة دمشق
    الجوائز: الجائزة الأولى في مسابقة الابداع بين الشباب العربي
    في مجال الدراسات المستقبلية ـ القاهرة، سنة 1989
    المؤلفات المطبوعة:
    01 دموع على سفوح المجد / رواية
    02 البحث عن امرأة مفقودة / رواية
    3 ـ رحلات السندباد الصغير في الأردن وفلسطين 32 جزء
    4- قصة السلحفاة
    5- مسرحية الأميرة والببغاء
    6- مسرحية حكايات جحا العربي.
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الثلاثاء يناير 06, 2009 2:44 pm


    ۞ الإهداء ۞
    **************
    إلى أطفال الأمة
    الذين يتفتحون كالزهر
    و يتشكلون كالقدَر
    القادمين من وراء الليل
    و هم يحملون الفجر
    و أفراح المطر
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الثلاثاء يناير 06, 2009 2:46 pm

    ۞ الفصل الأول ۞
    ****************
    عندما رأيتها خفق قلبي بعنف ، وانبعثت الحياة في روحي دفعة واحدة ، وكأني طفل يولد الآن ..
    إنها هي!..
    إنها أحلام!..
    روحها التي تشعشع حولها أيقظت روحي ،
    وصوت خطواتها الواثقة التي تطرق الرصيف في وقار تنساب إلى سمعي كالإيقاع ..
    لقد عادت أحلام..
    عادت إلى المدينة التي هجرتها ، عادت إلى الناس الذين آمنوا بها ، وأحبوها ..
    كما يعود الصبح بعد ليل حالك..
    كما تشرق الشمس بعد خريف طويل..
    وانبثق الأمل في أعماقي كمارد خرج لتوه من قمقه الضيق ليعدني ببقية سعيدة لهذا العمر البائس
    الذي قضيته وأنا أعدو خلف أحلام..
    وتحركت في القلب أشواق ظمأى ، وجعلت ترفرف بأجنحة رشيقة من الفرح حتى كادت تحملني إلى فضاء بهيج..
    وانطلقتُ خلف أحلام بخطوات لهفى ، وأرسلت نحوها النداء تلو النداء..
    _ أحلام .. توقفي يا أحلام..
    لم تقف! لم تنتبه!..
    صوتي المبحوح لم يبلغ أذنيها ، ومضت بخطواتها الواثقة وجلالها القديم ، وتابعت طريقها دون أن تلتفت!..
    كررت النداء غير عابئ بالعيون التي حاصرتني متسائلة أو مستنكرة ،
    ودفعت خطواتي خلف النداء لتلحق بها ..
    أردت أن أمسك بها قبل أن تضيع مني كما ضاعت أول مرة ، قبل أن تنسل كالشعاع ،
    ناديتها بحرقة الملهوف ولوعة المشتاق ، لكن ندائي أخفق مرة أخرى في إيقافها..
    لا أصدق أنها لا تسمعني وخطواتها تطرق سمعي كصوت المطر عندما يدق أبواب الأرض؟!..
    تمهلتُ قليلا .. هل تتجاهلني ؟ أم أنها وارتني حلف جدران النسيان!..
    و لسعني خاطر كالعقرب .. لعلها تزوجت!.
    لعل قلبها قد اتصل بقلب رجل آخر ، فألغت كل إحساس بالغيرة!!..
    وألهبتُ خطواتي بسياط الذعر والقلق بجنون ، فاندفعت خلفها أصدم هذا وأتجنب تلك..
    -أحلام.. توقفي يا أحلام.. أنا صلاح.
    تجاهلتني!.. أو أنها لم تسمعني!..
    لعلها ساهمة ذاهلة عما حولها ، تنبش الذكريات القديمة ،
    وتبحث فيها عن قصص عاشتها في هذه المدينة ،
    وأطياف عايشتها عبر رحلة الحب والعذاب التي أرهقت قلبها المرهف الرقيق
    أو أنها تستخرج حبها الخالص من تحت أنقاض الماضي ، لتنفض عنه غبار السنين ،
    وتقدمه لي طاهرا متوهجا عميقا كما كان..
    وحثثتُ الخُطا خلفها حتى أدركتُها ، ناديتُها بنبرة تقطر لهفة وشوقا..
    التفتتْ إليَّ كالتي بُوغتتْ ،
    ورمقتْني بنظرات يعيث فيها التساؤل والإنكار!..
    شعرتُ فجأة وكأني أهوي من شاهق إلى هوة بلا قرار ،
    وانقبض قلبي فسحق بين جدران كل ما انبثق فيه من آمال ،
    واستحالت الفرحة الوشيكة دموعاً تزدحم في عينين زائعتين!..
    إنها ليست هي ، إنها ليست أحلام!!
    رفعت الفتاة التي كنت أسعى خلفها حاجبيها دهشة وحيرة ،
    وتحولت نظراتها من الإنكار إلى الرثاء ، وهي ترى لهفتي تتحول إلى كآبة عميقة ، همستْ في إشفاق:
    - سيدي هل تشكو من شيء؟..
    حاولت أن أعتذر ، أو أوضح لها سبب ما حصل ،
    لكن لساني المثقل بالخيبة خانني ، لكأنَّ المفاجأة المرَّة قد أصابته بالشلل!..
    وأدركتِ الفتاةُ أن في الأمر خطأ غير مقصود ، فهزت كتفيها بغير اكتراث ، ومضتْ في طريقها ،
    وتركتني ساهما غارقا في الحسرة والألم..
    ووقفتُ جامدا كتمثال ، أرمق الفراغ بعينين ذاهلتين ،
    فجعل المارة يعجبون لوقوفي وجمودي ، ويتنحون عني كما يتنحون عن جسم مهمل ملقى على قارعة الطريق!..
    واستيقظتُ من ذهلتي على صوت طفلة متسولة تشدني من يدي في إلحاح ،
    وهي تسألني أن أحسن لها بشيء..
    انتزعت نفسي من ثلاجة الذهول ، ودسست يدي في جيبي ، فأخرجت قطعة نقدية صغيرة ،
    وألقيتها في يد الطفلة فالتقطتها فَرِحةً ، وانطلقت تعدو..
    وركبني إحساس ثقيل بأني ضائع بلا غاية..
    متشرد بلا مأوى.. تائه بلا جذور..
    و هِمْتُ على وجهي في دروب المدينة ألوك خيبتي وحزني..
    وفردتْ خواطري أشرعةَ الذكرى ،
    فأبحرتُ في خضمِّ السنين لترسو على شاطئ بعيد ..
    ووجدتُني أغوص في الماضي ، وكأني أقرأ سطوره في كتاب مفتوح أمامي..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الثلاثاء يناير 06, 2009 2:47 pm

    ۞ الفصل الثاني ۞
    *****************
    كنا ثلاثة... أنا ، وهاني ، وأحلام.. وكان قدرنا أن نجتمع بعد التخرج في مستشفى ابن النفيس الذي كان يستقطب المتفوقين من الأطباء..
    كنا يومها مندفعين متحمسين للمهنة التي أحببناها وآمنا بها ، وكنا نقبل على العمل بمتعة بالغة ، فنقوم بما يطلب منا ، وما لا يطلب ، ونُقْدم على أصعب الحالات ، لنصقل خبراتنا ، ونحقق ذواتنا ، ونثبت قدراتنا كأطباء متميزين..
    وذات ليلة من ليالي الشتاء البارد ، كانت نوبتنا ـ نحن الثلاثة ـ في قسم الطوارئ ، وكان ليلة حافلة فلم نخلد إلى الراحة إلا في الساعة الخامسة صباحا ، فاتجهت أنا وهاني إلى غرفة الأطباء المقيمين ، وذهبت الدكتورة أحلام إلى غرفة الطبيبات المقيمات.
    كنت في حالة إرهاق شديد ، فمنيت النفس بساعة من النوم أتخفف خلالها من التعب والإجهاد ، لأسمح بعدها لهاني بقسط مماثل ، لكن هاني ـ كعادته ـ وضعني أمام الأمر الواقع ، وأسرع فألقى بنفسه فوق السرير ، وراح في نومه غير عابئ بمحاولاتي لإثنائه.
    وسمعت شخير هاني يتعالى ، فأدركت أنه لم يعد لي خيار ، وكان لابد أن أبقى مستيقظا ، استعداداً لكل طارئ.
    وغالبني النوم بقوة ، فهربت من النعاس إلى القراءة ، فلم تنجدني ، فلذت بالماء البارد ، وغسلت به وجهي.
    شعرت بشيء من النشاط ، لكن منظر هاني النائم بجواري ، كان يوهن عزيمتي ، ويحبط كل محاولاتي لمقاومة النعاس.
    "ليس أفضل من قهوة العم درويش".
    هكذا قلت في نفسي ، وأنا أفرك عينيَّ بشدة ، ثم حملت جهاز الإنذار الذي ينقل إلينا عادة نداءات الطوارئ ، ومضيت إلى العم درويش أنشد قهوته الساخنة اللذيذة.
    وصلت إلى بداية الممر الذي يقوم في نهايته مقصف المستشفى المتواضع ، فلمحت الدكتورة أحلام وهي تجلس شارة ساهمة ، وقد نزلت مثلي لتدفن أرقها عند العم درويش نادل المقصف..
    وارتحت لوجود أحلام ، لكني قررت بيني وبين نفسي ، ألا أترك ارتياحي يتمادى في الظهور ، لأكثر من سبب!..
    ألقيت عليها تحية الصباح ، وقلت لها وأنا أرقب خيوط الفجر وهي تسلل من نافذة قريبة :
    - لم أتوقع أن أجدك هنا ، لو كنت مكانك لخلدت إلى النوم بعد ليلة متعبة.
    تساءلتْ في مرح:
    - لماذا لم تنم إذا كنت متعبا إلى هذا الحد؟!
    - أنام ؟! وهل يترك هاني دورا لأحد؟
    ابتسمت وقالت:
    - علاقتك بهاني تثير دهشتي وإعجابي في آن واحد!
    - لم أفهم!
    - أنت وهاني نقيضان في الشخصية ، مختلفان تماما في الأفكار والطباع!
    قلت لها منكِرا:
    - لا. لا. ليس إلى هذا الحد ، أنت تبالغين بعض الشيء.
    علقت تدافع عن وجهة نظرها :
    - قد أكون مبالغة ، لكنكما تبدوان لي هكذا..
    - ومع هذا نثير إعجابك ؟!..
    - ما يثير إعجابي هو علاقة الود والصداقة التي تجمعكما ، فألمحها في أحاديثكما معا ، وفي دعابتكما الطريفة التي أستمتع بمتابعتها..
    - نحن نجمان مضحكان إذن!!.
    ضحكتْ وهي تُشيح بيدها معتذرة ، ثم قالت:
    - عفوا لم أقصد ، إنما أردت أن أقول إن علاقتكما من العلاقات اللطيفة التي أحبذها بين الأصدقاء..
    قلت وأنا أقاوم التثاؤب الذي داهمني فجأة:
    - أنا وهاني صديقان قديمان ، قضينا المرحلة الثانوية في مقعد واحد، ودخلنا كلية الطب معا ، وها نحن نعمل هنا معا ، جمعت بيننا الآمال والذكريات اللطيفة ، فتوطدت بيننا صحبة حميمة ، نحن مختلفان نعم ، لكن الود بيننا استطاع أن يطفو فوق كل خلاف..
    وداهمني التثاؤب..
    - لقد شغلنا الحديث ، ونسيت أن أطلب شيئا يساعدني على مقاومة النعاس.
    والتفتُّ إلى العم درويش:
    -أين قهوتك يا عم درويش؟ أدركني بفنجان من قهوتك السحرية اللذيذة..
    أفاق العم درويش من كبوة قد ألمت به ، وهتف وهو ينهض في نشاط:
    - تكرم عينك يا دكتور ، سوف أصنع لك فنجانا لن تنسى طعمه أبد الدهر.
    ثم تابع بلهجته المرحة الغنية بالطيبة:
    - قهوة عمك درويش ماركة عالمية لا تضاهى..
    قالت أحلام وهي ترنو إلى العم درويش في ود:
    - العم درويش فخور بقهوته!
    وأردفتْ :
    - هذا الرجل ، كم هو طيب ولطيف!
    كانت أحلام تحب العم درويش كثيرا ، لم تكن وحدها تحبه ، كلنا كنا نحبه ونرتاح إليه.. حتى الدكتور مأمون صاحب المستشفى وجراح القلب المشهور ، كان كثيرا ما يهرب من أعبائه إلى مقصف العم درويش ، ليجلس معه ، يبثه همومه ومشاكله ، ويستمتع بأحاديثه اللطيفة التي تنساب إلى النفس في رفق ، وتمسح آلامها كالبلسم .
    في شخصيته جانب مريح لطالما اختلفنا في تفسيره!.. البعض كان يقول: بساطته ، آخرون كانوا يقولون: طيبته..
    أحلام كانت تقول بأنه إنسان عاطفي يملك حسا مرهفا
    يستطيع به ان يلتقط مشاعرك دون أن تبوح بها و ان يقرأ خارطة وجدانك من خلال تعابير وجهك ، ونظرات عينيك!..
    هاني كان يقول مازحا : بأنه رجل يملك الحاسة العاشرة ويقصد الحاسة السادسة طبعا.
    أما أنا فأعتقد أن الجانب المريح في شخصية العم درويش ، جانب مركب.. إنه مزيج من الطيبة والبساطة والصراحة و الظرافة.. مزيج لطيف قد أضيف إليه ذكاء فطري حاد ، صقلته السنون ، وزادته تجاربها قدرة على فهم الناس والتقاط إحساساتهم الخفية ، ثمة شيء آخر كان يجعل العم درويش أشد إحساسا بالآخرين ، إنه المعاناة ، فالعم درويش يعاني من عدم الإنجاب ، تؤرقه الأبوة الجائعة إلى الأطفال ، كانوا يقولون: إن امرأته هي السبب ، وهكذا كانوا يقولون دائما عندما كان العقم يضرب أسرة ما!..
    قالت أحلام فجأة بصوت كالهمس:
    - ما رأيك بالعم درويش؟
    - إنسان طيب.
    - لو أنه أنجب ، لشعر أبناؤه بدفء وحنان لم يبذله أب لأبنائه!
    - الحرمان يبعث في النفس رقة فريده.
    صمتتْ مليّاً ثم قالت:
    - هل أبوح لك بشيء؟
    - تفضلي...
    ترددت قليلا ، ثم قالت:
    - أحيانا أتمنى لو كان العم درويش أبي!..
    أدهشتني كلماتها ، وحِرْت في تفسيرها ، ووجدتني أسألها لأول مرة:
    - أليس الوالد على .....
    - بلى .. إنه حي يرزق..
    - عذرا .. كلامك أوحى لي بالسؤال!..
    ابتسمت في سخرية وقالت:
    - لا يكفي للأب أن يكون أبا ، أن يكون على قيد الحياة!.
    كلامها غامض وحزين ، أحسست أنها تمر بأزمة!.
    قلت لها كالمتسائل :
    - تبدين متعبة!.
    - أبدا.
    - بإمكانكِ أن تنامي إذا أردتِ.
    - هل يضايقك وجودي؟
    لسعني سؤالها ، أجبت كمن يدافع عن نفسه :
    - أبدا.. أبدا.. كل ما في الأمر أني أريد راحتك.
    - ليت النوم يريح ، لنمت ليل نهار.
    - لستِ سعيدة فيما أرى!.
    - أنت على حق.
    - غريب!!.
    - فيم الغرابة؟
    - مبلغ علمي أنك تملكين أسباب السعادة.
    - تقصد المال والثروة؟
    - مثلا.
    صمتت وأطرقت ، وزحفت الكآبة إلى عينيها. قالت في مرارة :
    - عندما لا يملك الإنسان مالا ، يظن أن السعادة تكمن في المال والقصر والسيارة.. لكنه عندما يمتلك كل هذه الوسائل لا يجد السعادة فيها ، يشعر بالخيبة .. يشعر بالغربة .. يفقد ثقته بالحياة ، ولهذا ينتحر بعض الناس...
    حديثها عن الانتحار لم يرحني! ساورني القلق .. لأول مرة أراها بهذه الكآبة ، وهذا الحزن!.. وأردت أن أخفف عنها ، لكني لم أعرف ماذا أقول؟!!..
    وأقبل العم درويش بقهوته الشهية وهو يختال ، وما كاد يضعها أمامي حتى أطلق جهاز الإنذار إشارات متقطعة تدعونا للالتحاق بعيادات الطوارئ فهرعنا نلبي ، وكلٌّ غارق في أفكاره وأسراره!..
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 07, 2009 10:11 pm

    ۞ الفصل الثالث ۞
    *****************


    عندما وصلنا إلى قسم الطوارئ ، صدم أسماعَنا صوتُ بكاء شديد لطفل ، وتعلقت نظراتنا بشرطي يحتضن طفلا ملفوفا بغطاء صوفي قد اتسخت بعض جوانبه بالطين!..
    تبادلت مع الدكتورة أحلام نظرة ، ثم بادرت الشرطي بالسؤال:
    ـ خيرا.
    تقدم الشرطي خطوات وقال:
    ـ لقد وجدنا هذه الطفلة ملقاة في حديقة مسجد الإخلاص ، وجدها أحد المصلين وهو خارج من صلاة الفجر ، وأحضرها إلى قسم الشرطة ، وقد أرسلت بها لتفحصوها وتعدوا تقريرا عن حالتها الصحية ، ثم تحولوها إلى ملجأ الحنان للأيتام..
    صدمني منظر الطفلة اللقيطة ، وثقب صوت بكائها الشديد فؤادي ، فشعرت بالحزن يتسرب إلى أقصى أعماقي ، أما أحلام ، فقد طغى عليها التأثر والانفعال ، فلم تملك دموعها التي انسابت في صمت..
    تناولت أحلام الطفلة ، فضمتها إلى صدرها ، وراحت تهدهدها حتى تسكت وتهدأ ، ثم أمرت إحدى الممرضات بتنظيفها ، وشرعت بإجراء الفحوصات اللازمة لها.
    ووقفت أرقب الطفلة اللقيطة في إشفاق.. كانت طفلة وديعة جميلة ، ورثت عن أبويها براعم جمال باهر بدت طلائعه في شعرها الذهبي ، وعينيها الزرقاوين ، ومحجريها الواسعين ، وبشرتها الناعمة البيضاء وقسماتها الدقيقة المنسقة..
    ولفت نظري شيء مهم ، فسألت الدكتورة أحلام:
    ـ كم تقدرين وزن الطفلة؟
    ـ إني أدرك ما تفكر فيه.. وزنها وملامحها يدلان على أن عمرها يبلغ بضعة أشهر.
    ـ هذا ما لاحظته فعلا ، إنها لم تولد للتو كما يبدو!..
    ـ لقد تأخروا بوأد الفضيحة!..
    قلت وأنا غارق في الشرود:
    ـ وراء هذه الطفلة سر غامض أتمنى لو أكتشفه!..
    ـ العالم مليء بالأسرار..
    ـ لو كنت حاكما يملك ناصية الأمور ، لأمرت بإعدام أبويها فورا..
    تمتمت أحلام وهي تضع الطفلة في الميزان:
    ـ لم يعد الناس يفكرون إلا بجيوبهم وغرائزهم!..
    وأحضرت إحدى الممرضات طعام الطفلة ، فجعلت أحلام تطعمها ، بينما كنت موغلا في التأمل ، أفكر في مستقبل طفلة فقدت جذورها ، لتنمو وحيدة وسط رياح الحياة العاتية ، عرضة للشقاء والضياع ، ولمعت في خاطري مقارنة طريفة بين أطفال ربتهم الوحوش في الغابة ، وبين بشر يتخلون عن أطفالهم بهذه السهولة والبشاعة التي تترفع عنها الوحوش..
    وأثارني الحادث إلى حد الكآبة ، فغلى الغضب في عروقي ، وشعرت أمام ضميري بأني مطالب بشيء أقوم به من أجل هذه الطفلة البريئة.. مكلف بمهمة خاصة تخولني ملاحقة الجناة ، وبدأت أسعى وراء التفاصيل..

    كان الشرطي الذي أحضر الطفلة ما زال ينتظر ، فتقدمت منه ، وسألته بعض الأسئلة ، فشرح لي كل الظروف التي أحاطت بالعثور على الطفلة اللقيطة ، وأضاف إليَّ معلومة مهمة زادت القصة إثارة!..
    قال الشرطي :
    لقد وجدنا مع الطفلة مبلغا من المال ، وضعه الذين تخلَّوا عنها في كيس من القماش ، وعلقوه في رقبتها!..
    مبلغ من المال؟!.. وهل تحركت في قلب الذين تخلوا عن الطفلة بقية من عاطفة أو ضمير ، فتركوا للطفلة ما يساعد من يعثر عليها على الاعتناء بها؟!..
    أم أن وراء هذه الطفلة قصة أعمق من حادثة تقليدية لوليدة لقيطة تخلى عنها الجناة خوفا من الفضيحة؟!..
    واقتحمت إحدى الممرضات أفكاري فجأة ، لتنبهني إلى حالة جديدة فد وردت إلى قسم الطوارئ ، وهي تشير إلى امرأة شابة تقف لدى الباب ، وتتلفت حولها وكأنها تبحث عن شيء!..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 07, 2009 10:28 pm

    ۞ الفصل الرابع ۞
    *****************

    ـ تفضلي..
    ـ يدي يا دكتور..
    ـ ما بالها؟..
    ـ مجروحة..
    ـ أريني ..
    بسطت المرأة راحة كفها الأيسر أمامي ، فوجدتها قد أصيبت بجرح بسيط ، سألتها في حيرة:
    ـ هل جئت من أجل هذا الجرح؟!..
    أجابت في تلعثم ، وعيناها تجوبان أرجاء المكان:
    ـ أجل ، لقد خشيت أن يؤثر النزيف على صحتي ، فأنا مريضة..
    ـ مريضة؟!.. بماذا؟!
    ـ أقصد صحتي سيئة..
    تأملتها جيدا ، كانت امرأة في العشرينات من العمر ، وصحتها الظاهرة جيدة ، بل إن جسمها يميل إلى الامتلاء ، فأي سوء في الصحة تقصد؟
    وخطر لي أنها مريضة نفسية مصابة بالوهم والوسوسة ، وقد هرعت إلى المستشفى مذعورة ، عندما رأت بضع قطرات من الدم تسيل من يدها الجريحة ، وخطر لي أيضاً أنها قد تكون مصابة بمرض دموي يعيق التئام الجرح فخشيت من استمرار النزيف ، فجاءت إلى المستشفى تنشد المساعدة..
    سألتها وأنا أبلل قطعة من القطن المعقم بالكحول:
    ـ هل سبق أن أصبت بمرض دموي.
    ـ لا.
    ـ مرض نفسي؟
    ـ أبدا.
    ـ يبدو أنك كثيرة الوهم!..
    لم تكترث بملاحظتي ، تركت يدها في يدي لأعالج جرحها ، وراحت ترنو إلى الطفلة اللقيطة بنظرات لاح فيها الإشفاق ، لم أحفل بنظراتها ، فالذي يمارس مهنة الطب ، يستطيع أن يدرك معنى الفضول الذي يطل من عيون الناس عندما يزورون عيادات الطوارئ..
    ولفتت نظري ملاحظة طريفة!.. سألتها وأنا أتأمل الجرح الذي يمتد عبر راحة كفها الأيسر:
    ـ بأي شيء جرحت يدك.
    كانت ذاهلة عني غارقة في الشرود ، ونظراتها مازالت معلقة بالطفلة..
    أعدت عليها السؤال فانتبهت وأجابت في ارتباك واضح:
    ـ آه ، جرحتها ... جرحتها بسكين..
    تعجبت لهذه السكين الكليلة التي يمكن أن تحدث مثل هذا الجرح ، فالمعروف أن الأدوات الحادة مثل الشفرات والسكاكين تحدث جرحا مستقيما منتظم الحوافّ ، أما جرح يدها فكان مشرشرا ، وكأنه قد أحدث بأداة كليلة ، كرأس مسمار أو...
    سألتها ثانية وقد استولى عليَّ الفضول:
    ـ ماذا كنت تعملين في هذا الوقت المبكر.
    أجابت بلهجة أكثر تماسكا:
    ـ كنت أعمل في المطبخ..
    ـ في المطبخ؟!..
    ـ أجل.
    ـ هل أنت عاملة في فندق؟..
    ـ بل ربة منزل.
    تساءلت في سري عن السبب الذي يدعوها للعمل في المطبخ بعيد الفجر بقليل!.. خمنت أنها زوجة عامل من الذين ينطلقون إلى أعمالهم مبكرين..
    في الحقيقة لولا مظهرها القلق ، لما تماديت في الأسئلة ، ذلك القلق أثار فضولي ، ليس القلق وحده ، كانت حزينة أيضا..
    وفاجأتني بسؤال أثار انتباهي ، قالت بينما كنت أحكم ربط الضماد حول يدهشة:
    ـ ما هو مرض تلك الطفة؟..
    تساءلت في دهشة:
    ـ طفلة؟! ما أدراك أنها طفلة!..
    بوغتت بالسؤال ، ابتسمت وقالت:
    ـ مجرد تعبير عفوي ، هل هي طفلة حقا؟!..
    ـ هي طفلة فعلا ، لكن ما الذي دفعك للاعتقاد بأنها طفلة؟!..
    ـ قلت لك لم أقصد ، كل ما في الأمر أن النساء عادة يميلون لتأنيث الأشياء ، مثلما يميل الرجال لتذكيرها..
    ـ هل أنت جامعية؟..
    كنت طالبة في كلية الآداب ، لكني لم أتم تعليمي..
    قلت لها بعد أن انتهيت من تضميد جرحها:
    ـ سأكتب لك بعض المضادات الحيوية لوقاية الجرح من الالتهاب.
    قالت وكأنها تريد أن تتخلص مني:
    ـ لا. لا داعي ، أنا بخير الآن..
    نظرت إليها في دهشة..
    ـ لا داعي!..
    وانتبهت لنفسها:
    ـ اكتب ما تراه مناسبا.
    وانتظرتني ريثما كتبت الوصفة ، ثم تناولتها ، ومضت مسرعة!..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 07, 2009 10:33 pm


    ۞ الفصل الخامس ۞
    *****************
    انتهت الدكتورة أحلام من معالجة الطفلة ، وكتبت تقريرا مفصلا حول حالتها الصحية ، و أبلغت الشرطي الذي حمَّلته التقرير ، بأن الطفلة بحاجة إلى بعض الرعاية قبل تحويلها إلى الملجأ..
    كانت آثار الحزن والإرهاق بادية عليها ، جلست كالمنهكة ، وأطرقت في كآبة ، ثم راحت في تأمل عميق..
    قلت لها:
    ـ بإمكانك أن ترتاحي إذا أردتِ..
    همست بنبرة واهنة:
    ـ اذهب أنت ، سأبقى هنا حتى نهاية الدوام.
    ـ كيف حال الطفلة؟
    ـ تشكو من بعض المغص ، البرد أثر فيها..
    ـ الجاني ترك مع الطفلة مبلغا من المال!..
    ـ كيف عرفت؟
    ـ سألت الشرطي.
    ـ ابتسمت أحلام ابتسامة ساخرة ، ثم قالت:
    ـ ما زال بعض الأغبياء يظنون أن المال يمكن أن يكون بديلا للحنان..
    قلت وأنا أمضي:
    ـ إذا احتجتِ لشيء ، فأنا فوق.
    كان النوم قد طار من أجفاني ، لكني شعرت بحاجة ماسة لأن أكون وحدي ، توجهت إلى غرفتي فوجدت هاني ما زال نائما ، ألقيت نفسي على السرير ، ورحت أفكر في هذه الطفلة المسكينة التي كانت والشقاء توأمين في رحم واحد..
    وانتبهت لهاني وهو يتقلب على فراشه ، ثم ما لبث أن أفاق وقال وهو يفرك عينيه بظاهر سبابتيه:
    ـ نمتُ كثيرا؟..
    ـ اسأل نفسك..
    ـ هل من جديد؟
    ـ طفلة لقيطة.
    سأل وقد توقفت أصابعه عن العبث بشعره:
    ـ ماذا؟..
    ـ طفلة لقيطة وجدت عند الفجر ملقاة في حديقة جامع الإخلاص القريب من هنا..
    قال وهو يعاود الاستلقاء:
    ـ يبدو أن أمها غير مدربة!..
    ـ مدربة؟!..
    ـ أقصد أنها لا تتقن فنون منع الحمل..
    ـ ما الذي أودى بنا إلى هذا الانحدار؟..
    ـ ما أدراني.. أنا لا أفكر في الأسباب مثلك ، أكتفي بالسماع..
    خالي محام ، وأنا مغرم بحكاياته البوليسية..
    قلت وقد غاظني البرود الذي استقبل به هاني الخبر:
    ـ هل يكفي أن نستمتع بما يحدث؟..
    ـ ماذا نفعل؟
    ـ هذا يحيرني!
    قال وهو ينفض عنه الغطاء:
    ـ يبدو عليك التعب ، خذ قسطا من النوم..
    ـ لا أشعر بالنعاس..
    ـ لماذا أنت مهموم هكذا؟..
    ـ منظر الطفلة اللقيطة يعذبني..
    ـ تبدو رومانسيا هذا الصباح!..
    ـ أنت لم ترها يا هاني..
    ـ ولا أريد أن أراها ، هذه الحوادث تبعث في نفسي القرف..
    ـ ما يحيرني أن عمر الطفلة يبلغ بضعة شهور ، يزيد عن أربعة شهور..
    ـ أربعة شهور؟! الحكاية فيها (إنَّ)!..
    ـ أريد أن أعرف هذا الـ (إنَّ)؟..
    قال هاني وهو يبتسم:
    ـ فضولك الجارف يدهشني ، دائما تريد أن تعرف كل شيء..
    ـ وأنت؟.. ألا تريد أن تعرف؟!..
    ـ أنا يا صديقي أحب المعلومات الجاهزة ، قصة في رواية ، تحقيق في صحيفة ، دراسة في مجلة ، أمي تقدم لي الفواكه دائما مقشرة ، والجامعة لم تكلفنا يوما بإجراء بحث أو دراسة ، دائما تطالبنا بحفظ المعلومات..
    لا أدري من تسربت إليك لوثة البحث والتنقيب؟ ، لعلك من أحفاد الرازي أو ابن سينا!..
    ضحكت رغما عني ، كلام هاني فيه ظرافة وعمق ، وسمعته يقول:
    ـ حاول أن تنسى يا صديقي ، فلا شيء في هذه الحياة يهم..
    أجبته وأنا ساهم:
    ـ لا أصدق أنك تعني ما تقول!..
    ********
    يتبع...

    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:02 pm


    ۞ الفصل السادس ۞
    *****************
    جاءت الساعة الثامنة صباحا ، وانتهى وقت نوبتنا ، فارتديت ملابسي استعداد لمغادرة المستشفى بصحبة هاني.
    قال هاني مداعبا:
    ـ أما زالت سيارتك في التصليح؟
    ـ لم تبرأ من أمراضها بعد..
    ـ سأحملك معي لليوم الثاني على التوالي ، ليت معروفي ينفع معك..
    ـ لا تمن عليَّ بالمساعدة ، سيارات الأجرة تملأ البلد..
    مد هاني كفه كالمتسول ، وقال:
    ـ اعتبرني سائق أجرة يومين..
    قلت ، دون أن أستجيب لدعابته:
    ـ انتظرني في السيارة ، سألحق بك بعد قليل..
    ـ إلى أين ستذهب؟
    ـ سأطمئن على الطفلة..
    استوقفني هاني وقال في ضيق:
    ـ لن أنتظر..
    ـ سأغيب دقائق فقط..
    ـ مالك ولهذه الطفلة؟
    ـ قلت لك لن أتأخر..
    تأفف هاني وقال:
    أنت تضخم الأمور دائما ، آلاف الأطفال يقذفون في العراء كل يوم ، الملايين منهم يتضورون جوعا في أفريقية هذه الطفلة ليست أفضلهم!..
    قلت محاولا إقناعه:
    ـ ليست أفضلهم طبعا ، لكنها واحدة منهم ، وعلى كل من يصادف هذه المخلوقات البريئة أن يقوم بواجبه نحوها ، ويهتم بها ، ليعوضها بعض العطف والرعاية التي حرمت منها..
    قال هاني وهو يطامن من لهجته الحادة:
    ـ أنا يا عزيزي ليت ضد اهتمامك بالطفلة ، لكنك متعب الآن ، ويمكنك أن تراها فيما بعد..
    قلت ، وأنا أسبقه بخطوات حاسمة:
    ـ قلت لك : لن أتأخر..
    ثم توقفت والتفت إليه مستدركا:
    ـ تعال معي لو أردت..
    هز رأسه في يأس وهتف وهو يصر على أسنانه:
    ـ أنت عنيد كالمتنبي ، سيقتلك أحدهم ذات يوم من شدة الغيظ ، وسيجتث رأسك بسيف مأجور..
    ـ هل ستأتي؟
    ـ سآتي .. سآتي وأمري لله..
    وصلنا إلى جناح الأطفال ، فوجدنا الدكتورة أحلام عند الطفلة تقدم لها وجبتها الصباحية ، خفق قلبي وأنا أرى أحلام وهي تحتضن الطفلة كأم رؤوم ، وقد أمسكت زجاجة الحليب بيدها ، ومالت برأسها الجميل ذات اليمين وتركت نظراتها الوادعة تدثر الطفلة بحنان سابغ ، وعطف يتوهج من عينيها كأشعة الشمس الدافئة..
    قلت لهاني وأنا ألكزه بكوعي:
    ـ انظر كيف تهتم أحلام بالطفلة؟
    والتفت إلى هاني في نظرة خاطفة ، فلمحت في وجهه تعبيرا غامضا ، وظننت أنه مازال غاضبا لأني أخرته ، فقلت له مازحا:
    ـ ابتسم ، ولاتكن نكدا إلى هذا الحد..
    قال هاني بلهجة تطفح بالضيق:
    ـ صلاح أرجوك .. ألق نظرة على طفلتك ودعنا نمضي..
    تقدمت من أحلام وجعلت أنظر إلى الطفلة من خلف كتفها الأيسر..
    كانت الطفلة تمتص حلمة الرضاعة في شهية ، وتنظر إلى أحلام نظرة بريئة ، وكأنها تقدم لها الشكر على ما تبديه نحوها من رعاية!..
    ووجدتني أقول لها دون أن تشعر بوجودي:
    ـ من لا يعرف أنك طبيبة ، يظنك أم الطفلة..
    التفتت أحلام ، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة ، لكنها ما إن رأت هاني يقف عند الباب حتى طوت ابتسامتها العذبة ، وقالت وهي تتكلف الجد:
    ـ حالة الطفلة مرضية الآن!..
    التفت نحو هاني وقد مر بخاطري شيء فوجدته يتململ في مكانه ، ولم يلبث أن قال وهو يهم بالمضي:
    ـ أنا بانتظارك في السيارة..
    ثم مضى بعصبية ظاهرة!..
    هذا الفتور بين هاني وأحلام يقلقني منذ أيام!.. ثمة شيء لا أدريه قد حدث ، وخلف في نفسيهما جمودا ونفورا بدأ يتمادى بالظهور..
    شيء غامض لا يسر استطاع أن يمتص روح البساطة والمرح التي كانت تخيم على علاقة الزمالة التي جمعتنا في مهنة واحدة ومستشفى واحدة!..
    واستأذنت أحلام مودعا ، ثم مضيت خلف هاني..
    ماذا وراءك يا هاني من أسرار؟!..

    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:05 pm


    ۞ الفصل السابع ۞
    *****************
    قال هاني متذمرا وهو يدير المفتاح في المحرك:
    ـ لقد تأخرت ، يبدو أن أحاديثكما كثيرة هذه الأيام..
    ـ أحاديثنا؟!.. من تقصد؟!..
    ـ أنت تعرف من أقصد..
    ـ الدكتورة أحلام؟
    ـ أجل.. إنها مهتمة بك!..
    ـ حقا؟!..
    نظر إليَّ نظرة خاطفة ثم تابع قائلا ، وهو يرقب الطريق أمامه:
    ـ يعني لم تلاحظ!..
    ـ الدكتورة أحلام مهذبة ولطيفة مع الجميع..
    قال هاني وهو يمسك بطرف شاربه الكثيف الذي يهتم به كثيرا:
    ـ أحلق شاربي هذا إن لم تكن قد لاحظت..
    ـ ماذا تريد أن تقول؟..
    ـ أريد أن أقول مبروك..
    ـ على ماذا؟..
    ـ لقد أحسنت الاختيار..
    ـ هاني .. أنت تتسرع في فهم الأمور.
    تنهد هاني متحسرا ، وقال بنبرة باردة:
    ـ ستكون غبيا إذا خسرتها..
    ـ من هي حتى أخسرها؟..
    ضحك هاني ضحكة غريبة ، وهو يحملق بالأفق الممتد أمامه ، عبر نافذة السيارة الأمامية ، ثم قال وهو يفخم الكلمات كالساخر ، مستعينا بحركة يده وتعابير وجهه الممتعض:
    ـ إنها الدكتورة أحلام ابنة الملياردير عبد الغني الذهبي.. شركات وصفقات وعقارات وأرصدة هائلة في البنوك.. مال وجاه وقوة ونفوذ..
    حاكم بلا حكومة ، وملك بلا تاج.. أو كما يسمي نفسه الإمبراطور!..
    ثم التفت هاني إليَّ متهكما وقال:
    ـ ألم تسمع بالإمبراطورية الذهبية؟
    ابتسمت وقلت:
    ـ معلومات مهمة!.. من أين حصلت عليها؟
    ـ تحريات خاصة..
    ـ لعلك فكرت بالزواج منها..
    ـ و رُفضت..
    ـ رفضت!.. هل تقدمت إليها ورفضت؟!..
    ـ أجل ، فأنا لا أليق ببنت السلطان..
    ـ هذه الأسرار تنشر لأول مرة.!..
    ـ لا تقل بأنك لا تعلم ، لابد أنها قد أخبرتك..
    خرجت عن طوري قليلا ، وقلت معاتبا:
    ـ هاني أنت تتصور أمورا غريبة لا وجود لها إلا في خيالك ، أنت تعلم أني شديد التحفظ في تعاملي مع الجنس الآخر ، أرجوك أن تنظر إلى الأمور بمنظار آخر..
    إذا كنت قد سمعت منى تحوها بعض الثناء والإطراء فهذا لأنها تستحقه ، وليس مناورة لأحيطها بشباكي ، الدكتورة أحلام بالذات لا أستطيع إلا أن أكون لطيفا معها ، لأنها تعاملني معاملة طيبة ، وتبدي نحوي كل احترام..
    هتف هاني وكأنه أمسك دليلا على أوهامه:
    ـ ها أنت تعترف ، في علاقتكما شيء أكثر من الزمالة ، هناك خيط من الود والتفاهم المستور بالاحترام..
    قلت وقد نفد صبري على اتهاماته:
    ـ هاني أرجوك ، لقد ضقت ذرعا بهذا النقاش ، أنت متوتر بعض الشيء لظروف قد لا أعرف تفاصيلها ، حاول أن تتخلص من أوهامك حتى لا تعكر صفو ما بيننا..
    مال هاني بسيارته إلى جانب الطريق ، فأوقفها ، ثم ألقى برأسه على المقود في هدوء حزين ، واستمر كذلك برهة ، ثم التفت إليَّ وقال في ندم:
    ـ صلاح إني أعتذر ، هل تقبل اعتذاري؟
    قلت وأنا أشد بكفي على كتفه مواسيا:
    ـ لست مضطرا للاعتذار ، أستطيع أن أتفهم موقفك..
    استرخى هاني على كرسيه ، واستسلم لتيار من الكآبة ، ثم همس بنبرة حزينة:
    ـ نعم ، من الصعب أن تجد نفسك مرفوضا من فتاة أحلامك التي اخترتها لتكون شريكة لك في الحياة ، لا أخفيك ، لقد زلزلتني الصدمة ، وقوضت أحلامي ، لشد ما أنا حزين..
    قلت في محاولة للتخفيف عنه:
    ـ هاني تماسك ، أحلام ليست الفتاة الأخيرة في العالم..
    ـ تصورت أن فتاة غنية مثلها لابد أنها تبحث عن شاب ثري مثلي ، ولاسيما أننا زميلان في اختصاص واحد!..
    ـ العواطف لا تخضع لحسابات العقل..
    ـ ما آلمني أنها هي التي رفضتني!..
    ـ ووافق أبوها؟..
    ـ قالت : إني أحترمه كأخ وزميل ، لكني أعتذر عن الزواج منه.
    ـ حاول أن تنساها..
    ـ أحاول..
    ـ ابتسم الآن..
    أضاءت ملامحه نصف ابتسامة ، وغاب برهة في صمته ، ثم التفت إليَّ قائلا:
    ـ سأكون سعيدا لو فزت بها أنت..
    ـ هاني ، دعنا من هذه الحديث..
    تابع هاني وكأنه لم يسمع رجائي:
    ـ أنا أعلم أن أحلام ستذهب إلى غيري ، وأنت الإنسان الوحيد الذي أرضى أن تفضله عليَّ..
    لأنك أفضل مني فعلا..
    شعرت بالخجل أمام بوح هاني وتواضعه الفريد ، وهزني إخلاصه من الأعماق ، همست في حياء:
    ـ هاني أرجوك ، لا تكرر هذا الكلام على سمعي بعد الآن..
    ربت هاني على كتفي ، ثم أدار المفتاح ، وانطلق بسيارته في هدوء ، وقد ران علينا صمت مفعم بالمشاعر الرقيقة..
    ما حيرني فعلا هو كتمان هاني لميله إلى أحلام عني ، وهو الذي لا يخفي عني سرا من أسراره!..
    هاني كان يحبها منذ زمن بعيد؟ أم أن قرار مرتجلا دفعه إلى خطبتها فجأة؟..
    أحيانا لا أستطيع أن أفهمه!.. إنه شاب مزاجي ، لكنه طيب جدا ، أطيب شاب عرفته في حياتي..
    وداهمني سؤال..
    هل أصبح اهتمامي بأحلام ، واهتمامها بي واضحا إلى الحد الذي جعل هاني يفصح عن غيرته مني..
    وأنا أعز أصدقائه وأقربهم إلى نفسه؟..
    الأشياء الكبيرة دائما تبدأ بسؤال!..

    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:13 pm


    ۞ الفصل الثامن ۞
    *****************

    قلت : ـ ما الذي دفع الجناة لأن يلقوا بالطفلة في العراء؟
    قال هاني وهو يرتدي رداءه الأبيض:
    ـ أما زلت نفكر في تلك الطفلة؟
    ـ لغزها يتحدى كل طاقاتي العقلية..
    ـ آرسين لوبين في ثياب طبيب!..
    ـ يقولون : إن آرسين لوبين خرافة لا وجود لها إلا في خيال المؤلف الذي اخترعها..
    ابتسم هاني وقال في دعابة:
    ـ وأنت خرافة لا تصدق ، أريد أن أسألك سؤالا ، وأرجو أن تجبني عنه بصراحة!..
    ـ أسأل؟
    ـ من الذي نصبك مسؤولا عن هذا العالم؟
    ـ هل أبدو هكذا حقا؟..
    ـ ماذا تقول إذن في طبيب يحقق في جريمة التقى صدفة بأحد عناصرها؟..
    ـ سَمِّ ذلك فضولا..
    ـ فضولك يتعبني ، يرهقني بالتساؤلات ، تسألني وكأني أنا الذي أنجبت تلك الطفلة وألقيتها فريسة للمجهول..
    قلت أستفزه:
    ـ كيف لم يخطر هذا ببالي؟..
    لماذا لا تكون أنت والد الطفلة؟
    هتف في إنكار:
    ـ أنا؟!..
    ثم ابتسم ساخرا وأردف:
    ـ أنا كثير الأخطاء ، نعم ، ولكني أتحمل مسؤولية أخطائي..
    أعدت عليه السؤال:
    ـ ما الذي دفع بالجناة لأن يتخلصوا من الطفلة؟
    ـ ها أنت تعود إلى السؤال نفسه!.. ، حسنا ، سأجيبك..
    ثم تابع وهو يجلس على حافة السرير:
    ـ الاحتمال الأول هو الخوف من الفضيحة.
    ـ هذا الاحتمال ضعيف ، لأن عمر الطفلة يزيد عن أربعة أشهر..
    ـ مهما يكن ، يظل الخوف من الفضيحة دافعا واردا..
    ـ فكر بدافع آخر..
    ـ الفقر والجوع إذن!..
    ـ لا أعتقد أن في مجتمعنا فقرا يجعل الأسرة تلفظ أطفالها وتلقيهم فريسة للشقاء بهذه الوحشية..
    ـ لا تكن متفائلا ، الفقر والجوع في لبنان دفع بعض العائلات يوما لأن تعلن عن حاجتها لبيع أبنائها من أجل ثمن الخبز..
    ـ هذه حالات خاصة ومحدودة!..
    ـ ما أدراك أنها تتسع؟
    نظرت إلى هاني في قلق ، هل عاد الفقر ليضرب مجتمعاتنا من جديد؟
    أفي عصر الثروات العربية يوجد من يجوع ويعرى ويضطر لبيع أطفاله من أجل لقمة طعام؟..
    وقلت بعد صمت وتأمل:
    ـ لا أعتقد أن الجوع أو الفقر يمكن أن يكون دافعا للتخلي عن هذه الطفلة بالذات ، لا تنس المبلغ الذي وجد بحوزتها ، إنه مبلغ لا يتوافر لفقير يضطره الجوع لأن يتخلى عن أطفاله..
    قال هاني كالحائر:
    ـ أنت على حق..
    ثم أردف كمن يريد التخلص:
    ـ هذا كل ما عندي ، فلا تسألني بعد الآن..
    ضحكت ثم قلت:
    ـ هاني ، أنا لا أريد أن أشغلك بقضية لا تهمك ، لكني أحاول التفكير بصوت مسموع..
    ثم أردفت بعد صمت قصير:
    ـ ألا يعقل أن يكون وراء هذه اللقيطة قصة إرث كبير ضن به الطامعون عليها حتى لا تشاركهم الميراث؟
    هتف هاني ، وقد راقت له الفكرة:
    ـ آه .. هذا هو ، بدأت أعتنق أفكارك كمحقق ذكي ، القصة أصبحت واضحة الآن..
    رجل ثري عجوز تزوج من صبية جميلة طمعا بالإنجاب ، بعد أن يئس من إنجاب زوجته الأولى ، وعندما أنجبت الزوجة الثانية طار صواب الزوجة الأولى وقررت أن تتخلص من ابنة ضرتها التي جاءت تزاحمها على التركة الثمينة ، فتسللت تحت جنح الظلام وخطفت الطفلة ثم ألقتها في حديقة المسجد بعد أن تركت قربه مبلغا من المال..
    لقد تابعت مسلسلا عربيا حول قصة كهذه..
    فكرت قليلا ، ثم قلت:
    ـ قد لا يكون الأمر بهذه الصورة تماما ، لكن قضية الصراع على الميراث ، قد تدفع بعض من أعمى بريق المال بصائرهم ، لأن يلغوا إنسانيتهم ويقترفوا إثما كهذا..
    ثم استدركت وقد لمعت في بالي فكرة:
    ـ لكن الأم الحقيقة في هذه الحالة ستسأل عن طفلتها بكل وسيلة ، ستطرق أبواب المستشفيات وأقسام الشرطة وملاجئ الأيتام ، ستقلب الدنيا بحثا عن طفلتها..
    الأم عندما تفقد أحد أطفالها تصبح كاللبؤة الجريحة التي لا يقف في وجه ثورتها شيء..
    فكر هاني وقال:
    ـ هل تريد أن تقول...
    ـ نعم ، إن الأم تبحث الآن عن أي خيط يقودها إلى طفلتها المفقودة..
    جلس هاني قربي ، وقال في حماس:
    ـ لقد بدأت أستمتع بلعبتك البوليسية!..
    ـ هاني أنا لا ألعب..
    ـ حسنا حسنا ، ماذا تريد أن تفعل الآن؟..
    ـ يجب أن نعمم خبر وجود الطفلة عندنا في المستشفى بأية وسيلة..
    ـ من خلال الصحافة مثلا..
    ـ هل تعرف أحد يعمل في الصحافة؟..
    ـ أعرف صحفيا مشهورا لا يشق له غبار..
    ـ من هو؟
    ـ الأستاذ سعيد الناشف ، صاحب جريدة الأيام..
    ـ أمعرفتك به قوية؟..
    ـ إنه صديق قديم لوالدي ، وهو يزورنا باستمرار..
    وقفت وقلت بنبرة متفائلة:
    ـ سنزوره بعد انتهاء الدوام..
    ـ ولكن على شرط..
    ـ ما هو؟
    قال هاني في مكر:
    ـ تملأ لي خزان سيارتي بالبنزين..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:17 pm


    ۞ الفصل التاسع ۞

    *****************
    ضحك الأستاذ سعيد وقال وهو يسترخي بجسده فوق كرسيه الجلدي الدوار:

    ـ هل تقومان حقا بحل لغز هذه الطفلة؟

    حاول هاني أن يبرئ نفسه وقد أحس في كلام الأستاذ سعيد سخرية من خطوة كهذه ، قال وهو يشير إليَّ:
    ـ إنه الدكتور صلاح ، هو صاحب الفكرة..
    كرر الأستاذ سعيد سؤاله لي كمن فوجئ بمعرفة شيء لا يتوقع:
    ـ هل أنت مهتم فعلا بحل لغز الطفلة إلى هذا الحد يا دكتور صلاح؟
    قلت وأنا مندهش للسؤال:
    ـ نعم هل في ذلك خطأ؟
    فرقعت ضحكة الأستاذ سعيد في أرجاء الغرفة الأنيقة ، ثم قال وهو يعبث بيده في جيوبه باحثا عن شيء:
    ـ لا أصدق..
    ـ ما الذي لا تصدقه؟
    لا أصدق أن في شباب اليوم من يفكر مثلك ، كنت أظن أن زماننا قد انتهى ، ولكن..
    ها أنت تذكرني بشبابي..
    همست في حيرة:
    ـ أستاذي الكريم ، أنا لا أفهمك!..
    عثر الأستاذ سعيد عما كان يبحث عنه ، فأخرج غليونه الأسود الفاخر وقال ، وقال وهو يحشوه بالتبغ الذي فاحت رائحته في أرجاء المكان:
    ـ قصدت أن أقول بأن موقفك هذا ينسجم تماما مع روح الشباب المتوثبة المشبعة بالفضول ، الشباب المسؤول المتحمس لكل قضية نبيلة..
    شبابنا اليوم للأسف مصاب بالإحباط المزمن ، ومن أخطر أعراض هذا المرض اللامبالاة التي ينظر بها شبابنا إلى الأمور والأحداث التي تجري حولنا ، وأنت يا دكتور صلاح ظاهرة صحية مبشرة..
    عندما كنت في سنك كنت هكذا مثلك ، تثيرني الأحداث ، وتدفعني للمبادرة ، كنت أحب أن يكون لي موقف من كل حدث مهما كان صغيرا ، وكنت أحب دائما أن أترجم الموقف إلى فعل..
    قال هاني ، وقد أحب أن يشمله الأستاذ سعيد بمدحه:
    ـ في الحقيقة ، لقد أثارنا لغز الطفلة اللقيطة ، وأثرت فينا قصتها المحزنة ، فأتينا نطلب مساعدتك في معرفة الأشخاص الذين يقفون وراء هذه الجريمة..
    قال الأستاذ سعيد في صراحة تشف عن مدى العلاقة الحميمة التي تربطه بوالد هاني:
    ـ اسكت أنت ، أنت انتهازي كأبيك ، منذ قليل كنت تتبرأ من اهتمامك بالطفلة ، وها أنت تدعي الآن أن لغز الطفلة قد أثارك وحدا بك لأن تحضر إلى هنا!..
    أقطع ذراعي إن لم يكن الدكتور صلاح هو الذي قادك إلى هنا..
    ابتسمت لكلمات الأستاذ سعيد التي لا تخلو من الدعابة ، وأدركت أنه إنسان ذكي قد عركته التجارب وحدت نظرته للناس..
    سأل الأستاذ سعيد هاني وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة:
    ـ أما زال أبوك صديقا لوزير التموين والتجارة؟
    ـ نعم ، علاقتهما طيبة كما تعرف!..
    ـ قل لأبيك ألا يسرف في الولائم ، فمعالي الوزير على وشك الإقالة ، هناك تعديل وزاري سوف يشمله عما قريب..
    ابتسم هاني في خبث ولاذ بالصمت ، إنه يدرك ما رمى إليه الأستاذ سعيد ، فقد حدثني كثيرا فيما مضى عن التكتيكات الوصولية التي يتبعها أبوه من أجل تطوير أعماله التجارية ، والعلاقات الحميمة التي يسعى لإقامتها مع المسؤولين طمعا بمساعدتهم..
    قال الأستاذ سعيد بعد أن أرسل تنهيدة طويلة:
    ـ هذا زمان مختلف ، زمان عجيب ينطوي على تناقضات صارخة مثيرة ، في هذا العصر الذي نعيشه ليس هناك مكان للحقيقة ، لا قيمة للمبادئ والمثل ، لا معنى لأن تكون إنسانا..
    ثم بعد ابتسامة ساخرة:
    ـ لأنك إذا أردت أن تكون إنسانا فستكون الإنسان الوحيد وسط مجتمع من الذئاب..
    لكنه استدرك فجأة وقال:
    ـ لا أقصد أنك الإنسان الوحيد ، أبدا.. فمجتمعنا لا يخلو من النماذج الخيّرة الرفيعة ، بل عنيت إنك إذا أردت أن تكون إنسانا نبيلا ، فسوف تبدو غريبا ، سينظر إليك المجتمع وكأنك كائن عجيب قادم من عالم منقرض ، ستكون منبوذا لا يكاد يلتفت إليك أحد ، وستعيش غربة قاتلة..
    وليت الأمر يقف عند هذا الحد!.. إذن لهان الأمر ، لكن المصيبة أن الناس لن يتركوك في وحدتك تمارس النظافة التي ترتاح إليها ، بل سيلومونك ويثبطونك ويحذرونك من مسلكك النبيل ، لأن قدرتك على السمو ستعريهم وتكشف ضعفهم ، سيتهمونك بالسذاجة والمثالية الفارغة..
    هكذا نحن اليوم ، نسمي النبل والتطوع والإحساس بالآخرين والالتزام بالقيم مثالية فارغة ، وتطلق على هذا النوع من السلوك "التعامل الرومانسي مع الواقع"..
    أنا صرت أكره كلمة الواقع هذه ، لقد أصبحت تعني الهزيمة ، تعني الاستسلام لهذا الفساد الذي يجتاحنا كالطوفان..
    التفكير الواقعي في قاموسنا الملوث أصبح يعني الانصياع للواقع المريض ، واتخاذه مقياسا للسلوك والتصرف ، صار يعني أن تكون كما يريد هذا الواقع لا أن يكون الواقع كما تريد..
    حتى تكون واقعيا في هذه الأيام يجب أن تكون (شاطرا)..(ملحلحا)..(فهلويا).. يجب أن تكون ذئبا.. نعم ، فهذا العصر عصر الذئاب!..
    كان الأستاذ سعيد يتحدث بمرارة ، وصمت لحظة ثم تابع ، وهو يهز غليونه الذي كان يحتضنه داخل قبضة يده اليسرى:
    ـ صار لي في هذه المهنة أكثر من أربعين عاما ، أربعين عاما وأنا أراقب المجتمع ، وأسجل ملاحظاتي عليه ، كنت ألاحظ بداية الانهيار وأقاومها بقلمي ، عاصرت الانهيارات والهزائم الكبرى التي تعرضت لها الأمة ، فوقفت أعري أسبابها وأحذر من آثارها ، كنت أؤمن أن الحياة موقف ، وكانت مواقفي واضحة صريحة..
    ثم ماذا كانت النتيجة؟ حاربتني الدنيا.. حاصرني الجوع.. خنقتني الغربة وذات يوم تقهقرت ، وقعت أسيرا لليأس ، فكسرت سيفي وركعت.. وأجّرت قلمي ، وصرت أكتب ما أريد وما لا أريد ، وأصفق للجميع..
    كان في كلام الأستاذ سعيد نوع من البوح.. شيء من كالاعتراف ، وتأملت الشيب الذي توج رأسه ، فأدركت أن تحت كل شعرة بيضاء قصة حزينة ، أو تجربة مريرة ، وشعرت بالرثاء لرجل يروي قصة سقوطه أمام التحديات..
    "هل يمكن أن تكون هذه نهاية المخلصين؟!"..
    شعرت بالفزع من أمام هذا التساؤل الذي داهمني فجأة ، وأنا أنصت للأستاذ سعيد وهو يتابع بوحه المثير:
    ـ لقد انتهى عصر المثل والمبادئ والقيم العظيمة ، وبدأ عصر مختلف ، عصر يحكمه قائد واحد اسمه الدولار..
    كلنا نلهث وراءه ونصفق له بإعجاب ، إنه الوثنية الجديدة التي استعبدتنا وألغت عواطفنا وجردتنا من القيم..
    أنا لو كنت الآن مكانك لما هزتني حادثة هذه الطفلة!.. عفوا.. أنا لست متبلد الحس ، أرجو ألا تفهمني خطأ..
    لكن ، ما أردت قوله أن أطفالنا اليوم يدمَّرون بألف طريقة ، وهذه الطفلة ليست أسوأهم حظا..
    ماذا تقول مثلا في أطفال يموتون جوعا في الصومال أو العراق؟..
    ماذا تقول في أطفال تزهق أرواحهم في الأرحام بعمليات الإجهاض الظالمة التي يجريها أطباء أقسموا اليمين الطبي المغلظ؟..
    ماذا تقول في جيل كامل تدمره الأفلام والمسلسلات الهابطة ، ويستهلك فكره وإبداعه الفن الرخيص؟..
    ماذا تقول في آباء وأمهات يتركون أطفالهم للخادمة الغربية من هنا وهناك ، من أجل أن يستمتعوا بأوقاتهم في حفلات اللهو والثرثرة والمتعة الزائفة؟..
    أطفالنا اليوم يا دكتور يربيهم جهلة سريلانكا والفلبين..
    ثم أرسل تنهيدة ساخرة وقال:
    ـ ماذا تقول في أم تحرم طفلها من حليب ثدييها الطبيعي خوفا على نهديها من الذبول؟.. إنهن يبعن الطفولة من أجل لحظة إغراء.. من أجل كلمة إطراء.. هذا هو البغاء الجديد الذي نمارسه اليوم بعد أن أصبح جمال الجسد عندنا قبل سلامة الروح..
    وأنت تعرف أكثر مني يا دكتور عن أهمية حليب الأم لأرواح الأطفال وأجسادهم..
    ومرت هنيهة صمت ، غاب الأستاذ سعيد خلالها في شرود عميق ، ولم يلبث أن قال:
    ـ لقد ضاق بنا هذا العالم على رحابته!.. ضاق بنا ولم يعد يتسع لزفراتنا الأليمة..
    وأردف بنبرة ألم:
    ـ أحيانا أتمنى أن أصرخ ، أن أنزل إلى الشارع وأهتف كالمجانين ، لألفت العالم إلى تناقضاتنا الصارخة الغبية..
    ثم التفت إليَّ وقال كالمستدرك:
    ـ أنت يا عزيزي حزين من أجل طفلة تخلى عنها أبواها ، وتبنتها الهيئة الاجتماعية ، حسنا ، لنقل إن هذه الطفلة ستعيش يتيمة وتشق طريق حياتها متأقلمة مع هذه الحقيقة ، لكن..
    ماذا عن أطفال ينضجون وسط جحيم الأسرة ، عندما تفقد الأسرة إلى روح الحب والتفاهم التي تبعث فيها الحياة؟.. ينامون على صراخ آبائهم وأمهاتهم ، ويستيقظون على صوتهم الهادر بالشتائم واللعنات..
    ماذا عن أطفال يربيهم آباء وأمهات لا يعرفون معنى التربية السليمة ولا طرائقها؟ لا يعرفون من التربية إلا القمع المرهق أو الدلال المفسد..يتبوؤن مقاعد الأبوة والأمومة وهم لا يعرفون عن الزواج سوى أنه إطار المتعة الحلال ، ووسيلة للتناسل والإنجاب..
    ووسائل إعلامنا غافلة عن هذه الأمراض المدمرة.. لا تكاد تجد فيها برنامجا أو حتى توجّهاً لتثقيف الآباء ، أو تربية الأبناء..
    وأطلق الأستاذ سعيد آهة عميقة وشت بالكرب ، وقال كمن يخاطب نفسه:
    ـ لكم ترهقني الحقائق!.. تجثم على صدري كالكابوس ، تنشب أظافرها في نفسي ، وكأني أنا الجاني الوحيد..
    أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟!..
    ثم صمت الأستاذ سعيد ، وقد اعترته كآبة واضحة.. تبادلت أنا وهاني نظرة حائرة ، ثم عدنا بأعيننا إليه ، تبوح نظراتنا بلهفتنا لسماع بقية الحديث.. تستحثه أن يتابع سرد خلاصة تجاربه العميقة ، لكن الأستاذ سعيد أوغل في الصمت ، واغتسلت نظراته الشاردة بأنداء من الدمع..
    تساءلت في سري عن المعنى الذي يختفي وراء هذا الصمت الحزين.. لكن الأستاذ سعيد خرج عن صمته فجأة ليروي لنا قصة مؤلمة من القصص التي عاصرها أثناء حياته الصحفية الحافلة..
    قال الأستاذ سعيد وهو يعيد إشعال النار في غليونه الأنيق:
    منذ سنوات ، أبلغني محرر صفحة الحوادث بأن طفلة صغيرة قد وُجدت مغتصَبة ومقتولة في بناء مهجور..
    صعقني يومها النبأ..
    مَنْ هذا الوحش الذي يجرؤ على قتل طفلة؟!!.. قلت له: "أعطني العنوان.. سأغطي هذا الحادث بنفسي"..
    أردت أن أعرف ملابسات هذه الجريمة الغريبة!.. وصلت إلى مكان الحادث ، وعرَّفت المحقق بنفسي ، وسألته أن يريني الجثة..
    رفع الضابط الغطاء عن جثة الطفلة ، فصدمني منظر فظيع لا أنساه!.. هل رأيت الورد عندما يداس؟..
    كانت طفلة وديعة.. جميلة كالزهر.. بريئة كالطيف.. رقيقة كالنسمة.. طاهرة كالندى.. على شفتيها أشلاء ابتسامة..
    تجمدت نظراتي الثائرة على الجسد الغض الذي سحقه المجرم تحت جسده القذر ، وأججت ثورتي تلك الدماء الطاهرة التي كانت تغرق الطفلة ، وشعرت بالغثيان وأنا أرى أبشع صورة للانحطاط البشري..
    كان الغضب يغلي في عروقي كالبركان.. نظرت إلى المحقق فلم أجده أحسن مني حالا ، قال لي وكأنه يجيب عن سؤال نطقت به ملامحي الشاحبة: لقد تم اغتصابها بوحشية ، والتقديرات الأولى تشير إلى أنها ماتت بسبب النزيف المهبلي الحاد الذي خلفه الاغتصاب الغادر..
    سألته : والجاني؟ هل عرفتم الجاني؟!..
    أجاب وهو يهز رأسه في أسف: مازال مجهولا ، لكننا نأمل أن يتم اكتشافه عما قريب حتى ينال العقاب المناسب..
    قلت له : تقصد الإعدام!..
    أجاب: هذا شيء تقرره المحكمة..
    قلت له وأنا في ذروة الغضب: إذا لم تعدموه أنتم ، فسأقتله بنفسي مع سبق الإصرار والترصد ، كن شاهدا على هذا الكلام..
    ابتسم المحقق يومها ، وأشفق عليَّ من ثورة الغضب والحزن ، وظن أن كلامي عن انفعال طارئ ولَّده منطر الطفلة القتيلة ، لكني أؤكد لكما أني لم أكن جادا في حياتي مثلما كنت جادا في تلك اللحظة..
    ثم دار الأستاذ بكرسيه ربع دورة ، وقال:
    ـ بعد أيام اكتشفوا الجاني ، كان واحدا من شباب الحي ، شاب عاطل عن العمل ، يقضي وقته متسكعا في الطرقات ، يتردد على دور السينما الهابطة ليأخذ جرعات عالية من الإثارة وحمى الجنس ، ثم يخرج منها كالكلب المسعور ليلاحق هذه ويعتدي على تلك..
    ذات يوم كان هذا الشاب يتجول في أزقة الحي كعادته ، فداهمه المطر فجأة ، فلجأ إلى عمارة قريبة قيد الإنشاء ليحتمي من الأمطار الغزيرة التي انهمرت بشدة..
    راح يتسلى بتدخين سيكارة حشيش ، فلعب المخدِّر برأسه ، فانفصل عن عالم الوعي ، وغاص في الوهم والزيف ، فماعت في خياله الأفكار والمدرَكات ، واختلطت ، وتحولت إلى هلام , وتربع على عرش النشوة الكاذبة ، فتراءى له الكون وهو يركع عند قدميه..
    ورأى هذا المأفون الطفلةَ البريئة وهي تركض تحت المطر باحثة عن ملجأ ، وقد التصقت ثيابها المبللة بجسدها الغض ، فبدت له غانية حسناء كاللواتي أدمن على مشاهدتهن في الأفلام الرخيصة المسمومة ، فبدد الدخان الأزرق إرادته ، وحرك غرائزه الكامنة ، فعربدت في أعماقه رغبة بهيمية مجنونة ، وسولت له نفسه السوء ، فدعا الطفلة لتلوذ بالمكان الذي يحتمي به من المطر ، فاستجابت الطفلة المسكينة لدعوته ، دون أن تفهم ما يراد بها..
    كان وعيها ما زال غضا لم ينضج بعد ، كانت تنظر إلى العالم ببراءة ، خيالها الصغير ما زالت أجنحته ضعيفة لا تقوى على الطيران بعيدا في فهم نوايا الناس ونزعاتهم ، خيالها الطاهر لم يتخطَّ بعد أسوار الخير ، وحدود الفرح ، ليحلق فوق مساحات الشر التي تتسع في النفوس المريضة عندما تفقد إنسانيتها وأصالتها..
    وانقض الوغد عليها كالوحش ، وافترسها ببهيمية منقطعة النظير..
    كانت الفتاة تصرخ وتستغيث ، وهي ترى الإنسان الوديع الذي يشبه أباها وأخاها يتحول إلى ذئب مفترس ، وضاعت صرخاتها بين هدير الرعد وطرقات المطر ، وبدأت أفراحها تنزف رويدا... رويدا ، حتى ذوت منها الروح ، وخبت ، وفارقت الحياة..
    وعاد الأستاذ سعيد إلى صمته يحملق في المجهول ، وترك العنان لدموعه الصامتة لتغسل نظراته الزائعة الكئيبة..
    كان في نظراته حزن وثورة ، وغضب متوقد كالنار ، واجتاحتنا كآبة فظيعة ونحن نصغي لأبشع قصة يمكن أن تدنس الأسماع..
    سألت الأستاذ سعيد وأنا في لهفة لمعرفة نهاية هذا المجرم:
    ـ هل أعدموه؟
    أجاب الأستاذ سعيد وهو ذاهل:
    ـ نعم ، كانت جريمة بشعة هزت الرأي العام ، وكانت الظروف المحيطة بالقضية تحكم حبل المشنقة حول رقبته ، فأعدم في ميدان عام ليكون عبرة لغيره من الشاذين والمنحرفين..
    ثم ارتسمت على شفتي الأستاذ سعيد ابتسامة ساخرة ، قال وهو يتذكر:
    ـ حرصت على حضور كل جلسات المحكمة التي مثل أمامها ذلك المجرم ، كنت أحاول دراسة هذه الشخصية المنحرفة ، ورصد المدى الذي وصلت إليه الجريمة في بلادنا ، وكان مما أثار غيظي في هذه المحاكمة ذلك المحامي الذي وقف ليدافع عن المتهم ، ويطالب المحكمة أن ترأف بحاله ، وتقدر دور الفراغ والبطالة في الجريمة ، واتكأ على سيجارة الحشيش ليخفف الحكم على المتهم ، مدعيا أنه كان مدفوعا إلى جريمته تحت تأثير المخدر الذي لعب بعقله وشل عنده القدرة على التمييز..
    وعندما انتهت المحاكمة وصدر الحكم بالإعدام على المجرم ، سألتُ ذلك المحامي : "كيف سمح لك ضميرك بأن تدافع عن هذا الوغد؟" استغرب المحامي سؤالي وسألني عن اسمي وصفتي ، فعرفته بنفسي..
    فضحك ساخرا وقال : "أنت؟" قلت له :"نعم ، هل يبدو اسمي مضحكا إلى هذا الحد؟" قال:"لا ، أبدا ، فقط فاجأني سؤالك!." نظرت إليه مشدوها ، وقد أثارني تصرفه ، فسارع يقول:"في الماضي يا أستاذ كنت أقرأ مقالاتك بشغف ، وأعجب بصراحتك وحماسك ، لكني لم أعد ألمس تلك الروح في مقالاتك الأخيرة! لم تعد تكتب يا عزيزي ما تريد"..
    ثم أردف وهو يرمقني بخبث:
    ـ "بين المحامي والصحفي يا صديقي شبه واضح ، كلاهما يضطران أحيانا للدفاع عن الباطل من أجل لقمة العيش".
    هز الأستاذ سعيد رأسه في مرارة ثم امتص بعض الدخان من غليونه ، ونفثه كمن يزفر من شدة الألم ، وقال:
    ـ "كان المحامي ذكيا ، صفعني بكلماته ، ومضى ، وتركني فريسة للذهول!.. منذ ذلك التاريخ كسرت أقلامي وألقيتها في بحر اليأس والهزيمة ، امتنعت عن كتابة مقالي اليومي ، وحولت صحيفتي إلي صحيفة حوادث وقصص وتسليات ، صرت أنقل اخبار الفنانين وأسعى وراء النجوم ، خصصت صفحة للتعارف ، وأخرى للبحث عن النصف الآخر ، وثالثة للأبراج ، رابعة للأزياء وخامسة لآخر الصرعات.. وآلمني أن الناس أقبلوا على جريدتي بعد أن كانوا زاهدين فيها ، وارتفعت مبيعاتي من خمسة آلاف إلى خمسين ألفا..."
    كان كلام الأستاذ سعيد صريحا صادقا ، وكان يقطر مرارة وألما ، وكأنه حديث إنسان ينعى نفسه ، ويعلن هزيمته بشجاعة نادرة..
    وتساءل هاني كالمازح:
    ـ أيؤلمك يا سيدي أن يقبل الناس على جريدتك؟
    ابتسم الأستاذ سعيد في مرارة وقال:
    ـ ما آلمني هو الحقيقة المرّة التي تقف خلف هذا الإقبال ، فقد أكدت لي هذه التجربة أننا أمة هاربة ، ترهبها الحقائق ، وترهقها الصراحة ، نحن مجتمع لا يريد أن يواجه نفسه ، يخشى أن يرى وجهه في المرآة حتى لا تفجعه التشوهات الدميمة التي تتسع مساحتها فينا يوما بعد يوم ، نحن مجتمع يريد أن يبقى مخدرا نائما مغمض العيون ، مجتمع يخشى أن يسترد وعيه.. يخشى أن يصارحه المعالجون بأنه مصاب بالسرطان ، و أنه بحاجة إلى جراحة عاجلة لاستئصال الأورام الخبيثة من جسده المريض!..
    ثم أردف الأستاذ سعيد بعد صمت قصير ، وهو يلقي نظراته نحوي :
    ـ اطمئن يا دكتور ، صحيح أني صحفي فقد حماسه ، لكني ما زلت إنسانا ، اطمئن سأتعاطف مع مشاعرك النبيلة , وسأنشر لك خبر الطفلة اللقيطة غداً في الصفحة الأولى..
    ثم أرسل الأستاذ سعيد تنهيدة طويلة ، وأغمض عينيه إغماضة من ألـمَّ به ألم حاد اخترق جسمه ، ولم يلبث أن قال:
    ـ أرجوكما أن تتركاني لوحدي الآن ، فقد أثارت زيارتكما في نفسي شجنا كنت أظن أني قد برأت منه!..
    كان طلب الأستاذ سعيد مفاجئا وغريبا ، أوحى لي بعمق الغربة التي يحياها..
    شكرناه ، وغادرناه في هدوء ، تطاردنا تلك الصورة المخيفة التي رسمها لنا لهذا العصر الرديء..
    قال هاني وهو يتأبط ذراعي:
    ـ هذا الإنسان يخيفني..يرسم أمامي صورة قاتمة للمستقبل!..
    ـ لكن كلامه لا يخلو من الحقيقة!..
    ـ عندما يزور هذا الإنسان والدي ، أتجنب الجلوس مع ، أهرب من البيت كله حتى لا أسمع كلامه ، لاأدري كيف سمعته اليوم حتى النهاية..
    قلت وأنا أستذكر كلمات الأستاذ سعيد:
    ـ ألم يقل لك الأستاذ سعيد؟.. أنت من مجتمع هارب ، لا يريد أن يسمع ، لا يريد أن يعرف ، يريد أن يظل نائما مخدرا ممعنا في الهروب..
    قال هاني كالهازئ:
    ـ وأنت؟ من أي مجتمع؟..
    ـ أنا أريد أن أعرف..
    ـ ستتألم..
    ـ الألم من علامات الحياة..
    ـ ستتعذب..
    ـ العذاب يزيدنا إحساسا بالواقع ، وتصميما على التغيير..
    ـ يبدو أنك قد أصبت بالعدوى!..
    ـ ممن؟
    ـ من سعيد الناشف..
    ضحكت وقلت:
    ـ أنت المسؤول ، أنت الذي عرفتني به..
    ـ لم أعرف أنك تستعذب التشاؤم مثله..
    ـ تشخيص أمراض المجتمع ، والبحث عن أسباب السقوط ليس تشاؤما ، إنه الطريق إلى الخلاص..
    هتف هاني في توسل وإنكار:
    ـ رحماكم أيها المصلحون ، هل تريدون مني أن أشخص أمراض المجتمع ، أم أشخص أمراض الناس؟..
    ثم أردف في ضراعة ودعابة:
    ـ أرجوك.. أرجوك يا صديقي اللدود ، دعنا من هذا الحديث..
    وكالعادة ، استطاع هاني أن يزيل بدعابته الجو الكئيب الذي وضعنا فيه الأستاذ سعيد..
    ومضينا نثرثر ونمزح ، ونمعن في الهروب
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:18 pm


    ۞ الفصل العاشر ۞

    *****************
    صدر العدد الجديد من جريدة الأيام في اليوم التالي ، قرأ الناس فيه خبر الطفلة اللقيطة على الصفحة الأولى ، وتناقلت الألسنة قصة هذه الطفلة البائسة باستنكار ، قال هاني وهو يقلب صفحات الجريدة:

    ـ لقد وفى الأستاذ سعيد بوعده ، وأورد الخبر بكل تفاصيله ، وها هي الخطة تمضي كما رسمناها..
    قلت وأنا ساهم:
    ـإذا كانت والدة الطفلة بريئة مستغفلة كما توقعنا ، فسوف تأتي إلى هنا ، لتسأل عن طفلتها ، وإلا فسوف نعود إلى نقطة البداية..
    ضحك هاني وقال وهو يرمي الجريدة خلف ظهره:
    ـ تتحدث وكأنك محقق حاذق يقف أمام قضية معقدة ، لا أدري كيف أقنعتني بهذه اللعبة!..
    قلت له بنبرة جد:
    ـ أنا لا ألعب ، إذا كنت تظن الأمر لعبة ، بإمكانك أن تنسحب..
    قال هاني ضاحكا:
    ـ ولماذا أنسحب؟ أنا استمتع باللعبة ، وأنت تؤدي واجبك كما تعتقد ، كلانا في موقع واحد ، لكن كلاً منا ينظر إلى الأمر من زاويته..
    واستنفرنا لرصد كل من يسأل عن الطفلة ، وانضمت ِإلينا أحلام ، بعد أن شرحت لها الغاية من الخبر الذي نشرناه ، ومضى النهار سريعا دون أن يسأل عن الطفلة أحد ، قال هاني بعد أن انتهى دوامه:
    ـ اعذرني يا صديقي ، يجب أن أمضي..
    ـ ألن تبقى معي لتكمل اللعبة كما تسميها؟
    قهقه هاني عاليا ، وقال:
    ـ عفوا ، أنا لا ألعب في الوقت الضائع ، تابع مهمتك يا بطل ، وأخبرني بالنتائج..
    ومضى هاني ، فأشعرني انسحابه بأني أعبث ، وكدت أستسخف ما أقدمت عليه لولا أحلام التي أبدت تعاطفا واهتماما ، فقررت أن تمد نوبتها لتراقب نهاية التجربة..
    ومضى اليوم الأول دون أن نظفر بنتيجة ، فشعرت بخيبة مؤلمة ، لكني لم أيأس ، استقبلت اليوم التالي بحماس شديد ، ورحت أترقب حضور الأم لتسأل عن طفلتها ، لكن شيئا من هذا لم يحدث!..
    شعرت بالإحراج أمام هاني وأحلام ، وكل الذين تعاطفوا معي ، وحاصرني شعور مزعج بأني إنسان مبالغ ينفخ الاهتمام في الأمور الصغيرة فتكبر وتنمو وتتورم حتى تنفجر ، وتحدث حولها دويا مزعجا يلفت نحوه الأسماع والأنظار..
    وانهال هاني عليَّ بتعليقاته اللاذعة ، يتهمني بالمراهقة تارة ، وبالبحث عن تسلية تارة ، ثم راح يرثى لحالي ، ويحذرني من طيبتي الزائدة التي تورطني في مواقف محرجة..
    وبعد أيام ، تماثلت الطفلة اللقيطة للشفاء ، وأصبحت حالتها الصحية تسمح لها بالانتقال إلى ملجأ الأيتام..
    قالت أحلام:
    ـ لقد قدمت تقريرا مفصَّلا عن حالة الطفلة إلى مدير المستشفى ، ليقوم بتحويلها رسميا إلى ملجأ الحنان للأيتام..
    قلت بنبرة آسفة:
    ـ كنت أتمنى أن نصل إلى نتيجة..
    ابتسمت أحلام وقالت مازحة:
    ـ كانت مغامرة فاشلة هذه المرة ، ابحث عن مغامرة جديدة..
    لم أجد ما أقوله ، تهالكت على كرسي قريب ، وجلست كالمهزوم..
    قالت أحلام بلهجة تشي بالمواساة:
    ـ على أية حال ، لقد قمت بجهد نبيل يستحق الاحترام..
    شكرتها بإيماءة صامتة ، ثم همست وأنا أهم بالنهوض ثانية:
    ـ يبدو أني أبالغ كثيرا في اهتماماتي!..
    ـ لا تؤنب نفسك ، أردت أن تقدم شيئا مفيدا ، فكان الأمر يفوق طاقتك..
    لم تستطع كلمات أحلام الرقيقة أن تخفف عني ، تركتها وهي ترمقني في إشفاق ، وغادرت المكان..
    استوقفتني أحلام بعد أن مضيت خطوات وسألتني:
    ـ إلى أين؟
    ـ إلى العم درويش..
    ـ دائما تذهب إليه..
    ـ لقد اشتقت إلى قهوته..
    ـ بل قل أنك ذاهب لتبوح له بما يثقل صدرك..
    ـ كيف عرفتِ؟
    ـ كلنا نذهب إليه..
    ـ معك حق..
    ومضيت مُثْقَلاً بالخيبة ، يجتاحني شعور بالتفاهة ، ولم تلبث أحلام أن استوقفتني مرة أخرى:
    ـ على فكرة...
    ـ ماذا؟
    ـ لقد أحضر العم درويش زوجته بالأمس ، وأراها الطفلة..
    حملقت في الأرض ، وتصورت للحظة كل المعاني التي تكمن خلف هذه الزيارة، أردفت أحلام:
    ـ لقد كان موقفا مؤثرا .. إني أرثي لهذين الزوجين العاثرين..
    قلت وأنا أمضي:
    ـ يبدو لي أنا جميعا بحاجة إلى رثاء..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:21 pm


    ۞ الفصل الحادي عشر ۞

    *****************
    قال العم درويش وهو يقدم لي فنجانا شهيا من القهوة:

    ـ لم يسألوا عن الطفلة ، أليس كذلك؟

    ـ ها أنت مطلع على آخر الأنباء..
    تنهد العم درويش وقال وهو يسحب كرسيا ليجلس معي:
    ـ هناك أمر يختمر في بالي منذ أيام ، وأريد أن أشاورك فيه..
    تناولت رشفة من فنجاني ، وقلت وأنا أرنو إليه في إشفاق:
    ـ أعرف ما تريد قوله ، الطفلة ؟ أليس صحيحا؟
    ـ هل أستطيع أن آخذها وأربيها؟
    ـ تفعل خيرا لو أقدمت على ذلك..
    سرت في جسد العم درويش شحنة من الحماس ، وأشرق وجهه بالبشر والحبور ، هتف كالحالم:
    ـ سأربيها أحسن تربية ، وسأدللها دلالاً تغار منه بنات القصور ، لكَمْ أنا في شوق إلى الأطفال يا دكتور!..
    ـ أتفهَّمُ مشاعرك ، أنت تستحق كل خير يا عم درويش..
    قال العم درويش وهو يستجيب لشحنة جديدة من البشر والنشاط:
    ـ لعلك لا تتصور مقدار حماس زوجتي للفكرة ، إنها تلح عليَّ في الصباح والمساء على أخذ الطفلة لنربيها ونرعاها ، لقد جئت بها بالأمس لترى الطفلة أنت لم تكن حاضراص لتراها وهي تُغرق الطفلة بالقبلات والدموع ، وتشبعها ضما ولثما وتقبيلا ، إننا نحيا حياة قاسية بلا أطفال..
    كان المسكين يتكلم بحرقة وأسى ، وأحسست بلسع الحرمان الذي يعانيه هو و زوجته فقلت أواسيه:
    ـ لا تحزن يا عم درويش لعل الله قد ساق الطفلة إلينا لتقر بها عينا أنت وزجتك..
    قال العم درويش في لهفة طاغية:
    ـ كيف أستطع أخذها؟
    ـ عليك أن تتقدم بطلب إلى ملجأ الأيتام الذي ستحول إليه..
    ـ ولماذا لا أستلمها من هنا؟ سأوقع على كل الضمانات والتعهدات اللازمة..
    ابتسمت مشفقا ، وقلت:
    ـ أنت مستعجل أكثر مما يجب!..
    أطرق العم درويش وهو يهز رأسه في حزن ، ثم قال بنبرة تنم عن لهفته وأشواقه الملتهبة:
    ـ العمر يمضي يا دكتور ، ولم يبق منه سوى القليل ، وأنا أريد أن أودع الدنيا على صوت طفل يقول لي بابا... بابا ، ماما... أغنية جميلة تعطر البيوت الحزينة ، وترد إليها الروح .. أغنية عذبة حرمناها واشتقنا إليها..
    نريد أن نسمعها ولو من طفلة لم ننجبها ، وزوجتي يا دكتور صلاح امرأة طيبة ، قدمت لي الحب والإخلاص ولا أستطيع أن أرفض لها طلبا ، لقد ولعت بالطفلة وتعلق قلبها بها ، ويجب أن أحقق لها أمنيتها ، أرجو ألا تفهم أني رجل ضعيف الشخصية أو كما يقول أخي أبو رشيد: رجل محكوم على أمري أصغي لكلام النساء ، الأمر ليس كذلك ، كل ما في الأمر أني أحب زوجتي وأحترمها وأقدر الأيام الطيبة التي عشناها معا ، أريد أن أقدم لها خدمة تكافئ تضحيتها من أجلي ، سأعترف لك بشيء..
    أنا أعرف أن العيب فيَّ ، أعرف أني الذي لا أنجب ، وهي تعرف ، لكنها امرأة وفية ، رفضت أن ننفصل وتتزوج غيري ، قالت لي يومها والدموع في عينيها: لقد قضينا أجمل سنيَّ العمر محرومين من رائحة الأطفال ، فحمدنا الله ، ورضينا بالمكتوب ، فلماذا تريد أن توقظ الجرح الآن وقد كاد أن يلتئم؟
    دعنا من هذه السيرة الله يخليك..
    ومسح العم درويش دمعة أفلتت منه رغما عنه ثم أردف قائلا:
    ـ يجب أن أكافئها يا دكتور ، أليس كذلك؟..
    أثار حديث العم درويش مشاعري ، همست وأنا أرنو إليه بانفعال:
    ـ أنت مثال طيب للإخلاص والوفاء ، يا عم درويش!..
    هتف في ضراعة:
    ـ لم تقل لي بعد ، متى أستطيع أخذ الطفلة؟
    تناولت رشفة أخرى من فنجاني الذي كاد أن يبرد ، ثم قلت موضحا:
    ـ جرت العادة يا عم درويش أن يبقى الطفل اللقيط مدة في الملجأ حتى تكون هناك فرصة لمعرفة أبويه الشرعيين ، وقد تصل هذه المدة إلى بضعة أشهر ، ثم يصبح الباب مفتوحا لمن أراد أن يتولى رعاية الطفل أو تربيته..
    هتف العم درويش:
    ـ هل تعني أن الطفلة يمكن أن...
    ـ من يدري؟ قد يظهر أهلها في آخر لحظة..
    علته كآبة وقلق ، ولاذ بالصمت ، ابتسمت ، وقلت له:
    ـ لماذا أنت واجم؟ لو كان أهلها حريصين عليها لما تخلوا عنها..
    قال العم درويش بنبرة حائرة:
    ـ لا ادري لماذا تعلق قلبنا بهذه الطفلة بالذات!!..
    ثم استدرك قائلا:
    ـ هل يتركون لنا حرية اختيار اسمها؟..
    ـ أتفكر لها باسم؟
    سرح العم درويش ببصره ، وقال كمن داعبه حلم لذيذ:
    ـ نعم سأسميها أمل ، فهي الأمل العذب الذي راودنا منذ زمن بعيد..
    ثم راح العم درويش يردد الاسم وكأنه يختبر وقعه على الأسماع:
    ـ أمل.. أمل.. يا سلام ، إنه اسم لطيف أليس كذلك؟ أمل سأسميها أمل ، وسألحقها بنسبي..
    قاطعته محذرا:
    ـ إلا هذه يا عم درويش!..
    ـ لماذا؟
    ـ حتى لا تخدع الطفلة مرة أخرى..
    ـ أخدعها؟ كيف؟..
    ـ يكفي أن الطفلة قد جاءت إلى الوجود ضحية خطيئة ، وليس من العدل أن تعيش فيه ضحية كذبة ، أن تُلحقها بنسبك يعني أنها ستنشأ وهي تظن أنك أبوها الحقيقي ، وسيتفتح وعيها على هذا الوهم ، وفي منتصف الطريق تكتشف الحقيقة ، وتعرف أنك لست أباها الشرعي ، وعندها ستعيش الطفلة مأساة حقيقية ، ستلاحقها الشكوك وتحاصرها التساؤلات ، وتخنقها الأوهام..
    كن واضحا منذ البداية ، جرِّعها الحقيقة رشفة رشفة ، وكن واثقا من أن حنانك وحبك ورعايتك لها هي الوشيجة الحقيقية التي ستجمع بينكما ، الأنساب وحدها يا عم درويش لا تصنع الحب ، الحب هو الذي يصنع الأنساب..
    فكَّر مليا ثم همس:
    ـ صدقت..
    وغرق العم درويش في خواطره فانتشلته منها قائلا:
    ـ ثمة حقيقة أخرى يا عم درويش يجب أن أصارحك بها..
    ـ تفضل..
    قلت في دعابة:
    ـ لقد بردت قهوتي قبل أن أنهيها ، وأنا أحب أن أشرب قهوتك ساخنة ، كيف سنعالج هذه المشكلة؟
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس يناير 08, 2009 8:24 pm


    ۞ الفصل الثاني عشر۞
    *****************
    كفكفت السماء دموع الشتاء ، وأطلت على الأرض بعيونها الزرقاء ، كحسناء تحضن العالم بنظرتها الصافية الحنون ، وأزاحت الشمس بأشعتها الدافئة بقايا الغيوم ، وتدلت وسط القبة الزرقاء كالقنديل ، وراحت تضيء العالم بالأفراح..
    وبدأ الربيع يزحف بهدوء وجلال ، فاستعدت الطبيعة لاستقباله بكل ما أوتيت من فتنة وبهاء وجمال..
    وانضمت حديقة المستشفى إلى مهرجان الربيع ، فاكتست برداء أخضر ، وزينت صدرها بالزهور ، واغتسلت بأريج فواح ، يملأ النفس ببهجة فريدة ، ويزرعها بالأشواق..
    وهبت نسائم الأصيل ناعمة رقيقة معطرة بعبق الطبيعة ، فأحسست في مداعبتها اللطيفة همسا خفيا يدعوني لزيارة الحديقة الغناء التي تربطني بها صداقة قديمة..
    كان النهار يتسرب رويدا رويدا من جعبة الزمن ، فطفقت الشمس المتعبة تلملم أشعتها الذهبية استعداد للرحيل ، وتوهج الأفق بألوان الغروب الرائعة ، وران على الحديقة هدوء شامل ، وصمت عميق..
    ألقيت نفسي في أحضان الحديقة الخضراء ، واسترخيت فوق بساطها العشبي الطري ، كطفل ينام على صدر أمه ، وأرسلت نظراتي إلى الأفق الوردي ، لأمتعها بلوحة الأصيل الساحرة التي رسمتها يد القدر في أحسن صورة وأروع تشكيل..
    لم تدم خلوتي الحالمة طويلا ، ثمة همس رقيق اقتحم عليَّ عالمي ليزيده أنسا وبهجة..
    ـ يا للروعة!.. ها هي الحديقة تستعيد جمالها القديم!..
    التفتُّ إلى أحلام في لهفة ، وحييتها بابتسامة ، ثم عدت بنظراتي إلى الشمس الغاربة وهي تغوص خلف الأفق ، وأقبلت أحلام تقول:
    ـ تبدو منسجما مع الطبيعة إلى أبعد حد لكأنكما صديقان!..
    نهضت جالسا ، ثم قلت وأنا أجوب بنظراتي أرجاء الحديقة الغناء:
    ـ الطبيعة عالمي وملاذي..
    ـ سألتني بلهجة لا تخلو من الدعابة:
    ـ هل تسمح لي بالاقتراب من عالمك الجميل؟..
    ابتسمت لدعابتها اللطيفة ، وقلت:
    ـ الطبيعة للجميع..
    جلست أحلام على كرسي قريب وقالت:
    ـ بم تفكر؟..
    ـ أشياء كثيرة..
    ـ الطفلة؟..
    ـ ممكن..
    ـ أما زلت تفكر بها؟
    ـ آلمني أني لم أستطع أن أقدم لها شيئا..
    ـ إنما الأعمال بالنيات..
    ـ نعم نملك النوايا الطيبة ، لكنا لا نعرف كيف نترجمها إلى عمل.
    ـ عدتَّ تؤنب نفسك!
    ـ لكم يعذبني العجز!
    ـ لطاقة الإنسان عتبة لا يملك أن يتجاوزها..
    ـ لكنا نملك أن نحاول..
    ـ حاولتَ بما فيه الكفاية..
    ـ أنسلم الطفلة إلى الشقاء؟
    ضحكت أحلام ، وقالت:
    ـ تتحدث عن الطفلة وكأنك الذي أنجبتها!
    لم أنبس ، زحفت إلى شجرة قريبة ، واستندت بظهري إلى جذعها النحيل..
    قالت أحلام وهي ترنو إلى الأفق:
    ـ ليتني أحمل ريشتي وألواني..
    نظرت إليها في دهشة:
    ـ أتحبين الرسم؟
    افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة ، وقالت:
    ـ أنا رسامة ماهرة ، ألا تعرف؟
    ـ أجهل عنك الكثير؟
    ـ وأنا أيضا..
    ـ تجهلين نفسك!
    ـ بل أجهل عنك الكثير..
    ـ عنيَّ أنا؟!
    ـ أجل ، من أنت؟
    ـ يا له من سؤال!
    ـ أهو محرج؟
    ـ أبدا..
    ـ من أنت؟..
    ـ شاب كسائر الشباب..
    ضحكت وقالت كالمتوعدة:
    ـ لا تفسر الماء بالماء..
    تذكرت ملاحظة هاني عن اهتمام أحلام بي ، وميلها إليَّ ، فأحببت أن أستغل الفرصة لأعطيها صورة صادقة عني ، لتعرف من أنا؟ وما حقيقة ظروفي؟ فلا تتمادى في الاقتراب من شاب قد لا يصلح لها أو يستطيع إسعادها ، وعادت تقول:
    ـ إذا كان سؤالي محرجا فلا تجب..
    تنهدت وقلت:
    ـ إذا كنت مُصِرَّة فلا بأس.. سأقول لك من أنا.. أنا شاب عادي جدا.. شاب مثل كل الشباب.. له طموحاته وأحلامه ، وله همومه وآلامه.. قد أكون جديا أكثر مما يروق للبعض! وقد أكون متمسكا بالقيم العليا أكثر مما صار يطلبه مجتمعنا في شبابه.. أو كما يقول هاني: أنا (حنبلي) أكثر من اللازم.. لكني أعتقد أني طبيعي جدا ، ولست معقَّدا كما يتهمني هاني أيضا ، هذا أنا ببساطة.. أما إذا أردت بسؤالك أن تعرفي شيئا عن بيئتي وأسرتي فلك ذلك.. لقد ولدت وترعرت في أسرة بسيطة.. ربها إنسان مكافح كرس حياته من أجل أبنائه الستة ، وقضى عمره كالجندي المجهول.. يعمل بصمت ليوفر لأسرته العيش الرغيد ، ويملك قدرة عجيبة على كتم آلامه وأحزانه ، على شفتيه دائما ابتسامة وادعة لا تكاد تغيب ، ابتسامة صامدة في أوقات الحزن والفرح ، فعندما يكون حزينا يخفي حزنه وراء تلك الابتسامة وعندما يفرح يطلق العنان لابتسامته لتتسع وتشرق وتضيء.. يحب أن يمارس حزنه سرا.. ضبطته أكثر من مرة في حديقة المنزل وهو يبكي ، لكني لم أستطع أن أقترب منه لأسأله عن سر حزنه.. كنت أتوارى بسرعة حتى لا أشعره بأني قد كشفت ضعفه ، والدي لا يحب أن يبدو أمامنا ضعيفا ، يريد دائما أن يبدو أمامنا قويا صامدا حتى يشعرنا بالأمان.. إنه قدوة لنا في كل شيء ، ما نهانا عن منكر قط ثم أتى مثله ، حريص على سمعتنا.. حريص على سعادتنا.. يضحي بضرورياته من أجل رفاهيتنا ، ويوجهنا دائما بالابتسام.. صورة فريدة للتواضع وإنكار الذات ملأتنا دائما بالاحترام لهذا الأب المكافح الذي يذوب كالشمع لينير لنا الدروب..
    هذا أبي.. أما أمي ، فهي سيدة طيبة فهمت الحياة عطاء وتضحية.. اتخذت من أبنائها الستة قضية نذرت لها العمر ، ورصدت لها أمومتها الفياضة بالحنان لتروي بها براعمها الصغيرة ، ثم راحت ترقبها وهي تنمو وتنضج وتستوي على عودها وسط أعاصير الحياة..
    فهمت أمي الزواج على أنه شراكة ، فتقاسمت مع زوجها الأدوار ، أعتقد أن أمي لم تتزوج أبي بعد قصة قيس وليلى ، لكن قصة الحب التي نشأت بينهما بعد الزواج أجمل من قصة قيس وليلى ، وأروع من حب روميو لجولييت ، لأنه حب قائم على التضحية والإخلاص الإيثار.. حب قائم على التكامل بين رجل وامرأة ، والدي كان يكافح في الخارج ليلتقط الحَبّ , وأمي كانت تكافح داخل العش لتفرشه بالحُبّ..
    بيتنا بسيط الأثاث ، لكن أمي استطاعت أن تصنع منه أثاثا أنيقا متجددا لا تبلى أناقته مع الأيام ، فإذا جربت أن تزوري هذا البيت شدتك رائحة النظافة الممزوجة برياحين الزهور ونباتات الزينة التي تربيها أمي كما تربي أولادها ، وإذا صادفت زيارتك لبيتنا وقت الغداء ، فتحت شهيتك رائحة الأصناف اللذيذة التي تنهمك أمي في صناعتها كما ينهمك الفنان في تشكيل لوحته ، أنا لست ضد عمل المرأة ضمن الشروط الاجتماعية المناسبة ، لكني أعتقد أن البيت الذي لا تخلع عليه المرأة اهتمامها ، بيت بلا روح.. بيت كالبيوت المهجورة التي تصفر فيها الريح ، وتعيث فيها الأشباح..
    وانتبهت إلى أحلام فوجدتها ترنو إليَّ بنظرات حالمة أحرجتني ، واشتبكت نظراتنا للحظة ، فسحبت نظراتي برفق ، وأرسلتها إلى الأفق لأغسلها بألوان الشفق..
    قالت أحلام وهي تمسد بأناملها خصلات شعرها الأشقر المنسدل على صدرها كالوسام:
    ـ لا أدري لماذا أتمنى لو كنت أختك؟
    فاجأتني كلماتها بكل ما تفوح به من ود!. همست بنبرة تخفق بالانفعال:
    ـ أنت أختي فعلا يا أحلام ، هل تشكين في ذلك؟
    أطرقت في حياء ، وتضجرت وجنتاها بحمرة فاتنة ، ثم قالت بنبرة كئيبة وهي ترنو بنظراتها إلى لوحة الغروب:
    ـ أما أنا فقد ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب ـ كما يحلو لوالدي أن يعبر دائما ـ ونشأت نشأة مدللة مغرقة في الترف ، فلا أذكر أني طلبت شيئا أو تمنيته إلا حصلت عليه..
    كان عندي من الألعاب أصناف لم يرها طفل في بلادي.. ومن الملابس الأنيقة الجميلة ما يكفي أطفال مدرسة كاملة و كان لي حصالة مليئة بالنقود ، آخذ منها ما شئت ، و أصرفه كيف شئت ، و كلما نقصت نقود الحصالة أو اوشكت على الانتهاء ملأها لي أبي من جديد.. وكان لي في قصر أبي جناح كامل خاص بي.. جناح واسع يتسع لعائلة من عشرة أشخاص ، وكان مؤنثا بأجمل وأحدث أنواع الأثاث المصمم للأطفال ، وقد استورده لي والدي خصيصا من إيطاليا..
    وكان لي ثلاث خادمات.. واحدة تعنى بنظافتي ، وثانية تهتم بطعامي ، وثالثة ممرضة تشرف على صحتي ، وكانت لي مربية إنكليزية تدعى المس روز.. استوردتها لي أمي لتربيني على أسس التربية الحديثة ، لأنها ليست على قناعة بطرائق التربية العربية.. وهكذا نشأت مدللة مرفهة لا ينقصني شيء سوى الحنان!..
    هتفت في إنكار:
    ـ الحنان؟!..
    ـ نعم الحنان.. افتقدت الحنان الدافئ الندي منذ نعومة أظفاري ، وعشت في هذه الدنيا كنباتات الصحراء ، تراها قوية صامدة في وجه الظروف العاتية ، لكنها جافة خاوية من داخلها ، لا تكاد تجد فيها قطرة ماء..
    وأردفت أحلام:
    ـ بعض الآباء يظنون أن الحنان بالنسبة للطفل لعبة جميلة ، وغذاء كامل ، ومصروف وفير!.. لا يدركون أن أموال الدنيا وكنوزها لا تغني عن كلمة ودودة من أب أو قبلة غامرة من أم.. لا يدركون معنى أن ينزل الآباء من عليائهم ، ويحنوا هاماتهم ليصغوا إلى ثرثرة أطفالهم ، ويتفهموا مشاكلهم وحاجاتهم ، ويشاركوهم همومهم وأحلامهم.. لا يعرفون معنى أن تروي الأم لطفلها حكاية المساء ، وهي تهدهده قبل أن ينام.. لا يريدون أن يفهموا أن الطفل كائن كامل له كيانه ومشاعره وأحاسيسه وحاجاته العميقة التي تحتاج إلى تلبية واهتمام , لأنها إذا لم تلبَّ على الوجه السليم تحولت إلى قنابل مدمرة.. قنابل مؤقتة مزروعة في خبايا النفوس لا يدري أحد متى ستنفجر؟!..
    نعم.. نشأت وترعرعت في بيت كالجنة ، لكنها جنة كاذبة ، أشجارها وأزهارها صناعية جامدة بلا روح ، ميتة لا تجود بقطرة ندى ، ولا تفوح برحيق شذي.. جنة خانقة هواؤها ساكن ساخن جاف لا تلوح فيه نسمة رقيقة ، أو يغرد فيه طير..
    أبي تاجر مشهور ورجل أعمال ناجح ، وثري كبير من الأثرياء الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة ، وأمي سيدة مشهورة من سيدات المجتمع الذين يحلو لعشاق الثرثرة الاجتماعية أن يسموه بالمجتمع الراقي..
    أمي تقول بأن أبي تزوجها طمعا بثروتها التي ورثتها عن أبيها وزوجها السابق ، وأبي يدافع عن نفسه أمام اتهاماتها الجارحة ، فيؤكد بأنه كان يحبها منذ أن كانت صبية في بيت أبيها ، وأنه كاد يعلم خبر وفاة زوجها في حادث طائرة ، حتى سارع إليها ليقف معها في محنتها ويحميها من الطامعين ، وانتهى الأمر بهما إلى الزواج..
    أمي تقول بأنها قد رفعت أبي من وضاعة الأصل ، وحملته بيديها إلى صفوف الطبقة الراقية ، وأبي يقول بأنه قد حمى لها ثروتها من الضياع ، ونماها لها أضعافا مضاعفة..
    أمي تقول وأبي يقول ، وأنا ضائعة بين والدين جمع بينهما الزواج ، وفرق بينهما الخصام ، ولم تستطع الأيام أن تشد أحدهما إلى الآخر ، وكنت أنا القاسم الوحيد بينهما..
    وانهمك أبي في أعماله الواسعة ، فكان يقضي نهاره في الشركات والصفقات والاجتماعات ، ويمضي ليله ساهرا مفكرا مقطبا قلقا مشغول البال بمستقبل مشاريعه التي لا تنتهي ، وأحيانا كان يغيب في أسفاره فلا أراه لمدة طويلة..
    وأسرفت أمي في علاقاتها وزياراتها وحفلاتها واهتماماتها النسائية ، فكانت لا تكاد تحضر حتى تغيب ، وكأن البيت وحش يطاردها وتطارده..
    عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي تعلقت بالمعلمة آنذاك تعلقا شديدا ، لأني وجدت عندها عطفا واهتماما لم ألمسه عند أمي المشغولة بطقوس المجتمع الراقي ، أو أبي الذي تحول إلى آلة حاسبة ، لا تنطق إلا بالنِّسَب والأرقام..
    لاحظت أمي تعلقي بالمعلمة ، وكثرة حديثي عنها ، فدعتها لزيارتنا ، ولما تيقنت من شدة تعلقي بها عرضت عليها أن تعمل مربية خاصة لي إلى جانب المس روز الإنكليزية ، وعرضت عليها أجرا يفوق أجرها في مهنة التعليم ، اعتذرت المعلمة لأمي بأن لها طفلين توفق بصعوبة بين متطلبات تربيتهما ، ومهنتها كمعلمة ، رفعت أمي الأجر إلى الضعف مرة أخرى.. لكن المعلمة أصرت على موقفها..
    ذات يوم لاحظت المعلمة أني أوزع النقود على بنات صفي ، فأدركت أني أشتري الحب والحنان والاهتمام بالنقود السخية التي تمنحها لي أسرتي كمصروف يومي..
    زارت المعلمة أمي وأخبرتها بهذه الظاهرة التي تكررت مني ، ونصحتها أن توليني المزيد من العطف والاهتمام ، شعرت أمي بالإهانة ، وقالت للمعلمة بأنها أم مثالية لا تضن على ابنتها بعطفها وحنانها ، وأنها توفر لي ظروفا تربوية خاصة لا تتوافر لغيري من الأطفال ، حاولت المعلمة أن توضح لها وجهة نظرها ، لكن والدتي أنذرتها بأنها لا تسمح لها بالتدخل في شؤونها الخاصة ، وأعلمتها بأن الزيارة قد انتهت..
    بكيت بشدة وأنا أرى المعلمة المسكينة ، تغادر البيت مطرقة كسيرة ، لحقت بها لأتعلق بها وأستبقيها ، لكن الخادمة حجزتني كما يحتجز الشرطي أسيره عندما يهم بالهرب..
    وبعد أيام انتقلت المعلمة من المدرسة ، وانقطعت عني أخبارها!..
    ودارت السنون بسرعة ، فم تستطع أن تمحو تلك المعلمة الطيبة من ذاكرتي ، وشاءت الأقدار أن ألتقيها أثناء امتحانات الشهادة الثانوية حيث كانت مكلفة بمراقبة القاعة التي كنت أقدم فيها امتحاناتي ، شاهدتها وهي تدخل القاعة بصحبة زميلاتها من المراقبات ، فخفق قلبي ، واندلع فيه الشوق والحنين إليها ، فتقدمت منها والدموع تترقق في عيني ، وذكرتها بنفسي ، فاحتضنتني في لهفة وحب ، كما تحتضن الأم ابنتها ، وهي تستقبلها بعد غربة طويلة ، وانتبهت لصديقاتي ، وهن يرقبن الموقف المؤثر في تساؤل وحيرة ، فالتفتُّ إليهن وقلت: هل تعرفن من هذه؟.. إنها أروع وأعظم معلمة مرت في حياتي ، ثم أردفت وأنا أرمقها بود وإكبار وقد خنقتني العبرات "إنها أمي الثانية"..
    شدت المعلمة على يدي وقالت كالخجلى: التفتي لامتحانك الآن ، وسنلتقي فيما بعد لنتحدث.. وجلسنا في مقصف المدرسة ، تأملت وجهها الطيب ، فوجدتها قد تقدمت في السن ولمحت في محياها بعض الأخاديد الصغيرة ، التي نحتها الزمن في بشرتها الصافية بدقة ، فأضافت إلى ملامحها اللطيفة وقارا آسرا مريحا ، سألتها عن الماضي فأخبرتني بكل ما كان..
    لأول مرة في حياتي اصطدمت بالوجه الآخر لأبي ، عندما علمت أنه بنفوذه الواسع استطاع أن ينقل معلمتي من المدرسة التي كنت فيها لإرضاء رغبة أمي وغرورها..
    هل أنا قاسية في حديثي عن أسرتي يا دكتور؟!..
    داهمتني أحلام بالسؤال ، فانتزعتني من شرودي وأنا أصغي لذكرياتها الحزينة ، ما بال القشور الهشة تتساقط أمامي لتواجهني الحقائق المرَّة بوجهها القبيح!. أهذه هي أحلام التي عاشت في خيالي أميرة سعيدة كأميرات الحكايات والأساطير؟!.. هل يمكن أن تتحول جدران القصور المنيفة إلى أسوار سجن كئيب؟. وشعرت أن في بوح أحلام رسالة خاصة لي يجب أن أستقبلها باهتمام ، وأرد عليها بمثل الصدق الذي وردتني به..
    قلت بنبرة هادئة:
    ـ دكتورة أحلام ، إني أتفهَّم ما تعانيه من آلام أرجو أن تستمري في بوحك هذا إن كنت تجدين فيه راحة لك ، وتأكدي بأن هذه الأسرار ستبقى دفينة في ذاكرتي لا يطلع عليها أحد..
    همست أحلام وهي ترنو إلىَّ بنظرة دامعة:
    ـ لا أدري لماذا أنا مشدودة للبوح لك؟.. لك أنت بالذات!..
    همست لها بالشكر على هذه الثقة ، بينما تابعت بوحها الهادئ الحزين..
    قالت:
    ـ اعتذرت للمعلمة عن كل ما بدر من أسرتي نحوها ، ووعدتها بأني سأقيم الدنيا وأقعدها من أجلها ، فرجتني بكل ما بيننا من ود ألا أنكأ جرحا قديما قد اندمل ، ثم قالت لي وهي تحتضن يدي بين راحتيها الحانيتين:
    "أريدك يا أحلام أن تحفظي عني هذه الحكمة ، إن المال والجاه والنفوذ لا يصنع السعادة ، السعادة يا ابنتي لا تأتي من حولنا إنها تنبثق من داخلنا عندما تكون نفوسنا طاهرة نظيفة ، النفوس النبيلة يا ابنتي كالجوهر المشع ، دائما تتوهج بالسكينة والرضى والسلام ، هل فهمت هذا الدرس يا أحلام؟ إنه الدرس الأخير من معلمة نظرت إليك دائما كواحدة من بناتها.."
    قلت لها وأنا في ذروة التأثر والانفعال: "لقد فهمت جيدا ، سأتخذه شعارا في حياتي ، سأحتفظ به كذكرى لأم عظيمة لم تلدني ، وصديقة غالية لن أنساها "..
    وتقاطرت الدموع من عيني أحلام ، كما يتقاطر الندى من عيون الزهر ، فبدت كوردة غسلتها السماء بماء المطر فطهرتها من غبار الأرض ، وأدركت أن هذه الذكريات مغروسة في وجدانها ، ضاربة الجذور في أعماقها الطاهرة ، وتأثرت لمنظرها الباكي فملأني الشجن ، وأطرقت مليا ، فانتظرتها ريثما استوعبت دفقة الحزن التي أثارها حديث الذكريات القديمة ، ثم أصغيت إليها وهي تقول بعد صمت قصير:
    ـ منذ ذلك اليوم وأصبح همِّي أن أكون نظيفة من الداخل ، احتقرت المظاهر الفارغة والبذخ المجنون ، استعليت على المادة بكل صورها وأشكالها..
    وشعرت أمي بانقلاب مدهش في حياتي ، لم أعد حريصة على آخر موضة ، لم أعد مهتمة بموديل السيارة ، لم أعد متمسكة بالمظاهر ، صرت زاهدة بكل شيء..
    ذات يوم زارنا ابن خالتي ، فقال لأمي : تبدين يا خالتي أجمل من ابنتك أحلام! نعم.. أمي ما زالت شابة! كرست حياتها لجمالها ، وحافظت عليه بكل ما أوتيت من وسائل ، وضحت في سبيله بأمور أهم بكثير من الزيارة اليومية لصالون الحلاقة ، ونادي اللياقة البدنية ، ومعارض الأزياء ، أما أنا فقد كرست حياتي للبحث عن السعادة التي لا تزول بزوال جمال البشرة وانهدام الوجه وترهل الجسد وفقدان الرشاقة..
    كرست حياتي للبحث عن الإنسان.. الإنسان الذي تخفق داخله المشاعر العليا ، وتسمو اهتماماته عن حاجات الغريزة ، وصرخات الأنا.. ترى هل أجد هذا الإنسان؟!..
    ورنوت إلى أحلام.. لأول مرة شعرت بأن القدر قد جمع بيني وبينها لحكمة بدأت أدركها!..
    وهبطت العتمة على الحديقة الهادئة ، فمضينا إلى الداخل في صمت وقد غرق كل منا في خواطره..
    كان في أعماقي شيء يولد..
    شيء مبهم ، لكنه لذيذ!..
    يتبع ...
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأحد يناير 11, 2009 1:08 am


    ۞ الفصل الثالث عشر ۞

    *****************
    وصلت إلى البيت بُعيد العاشرة بقليل ، فوجدت الأسرة ملتفة حول جهاز التلفزيون المعتاد. ألقيت تحية المساء ، فردت عليَّ الشفاه بحركة آلية ، بينما ظلت العيون مشدودة إلى الشاشة الفضية تراقب ما يدور عليها بشغف. هذا الجهاز الأناني المغرور بات يثير حنقي ، إنه يستطيع أن يلفت الأنظار إليه بقوة ، ويستأثر بها!!
    قديما.. عندما كنت طفلا صغيرا ، كنتُ نجم العائلة ، كان الجميع يلتفون حولي ، ويراقبون حركاتي وتصرفاتي.. جدي وجدتي.. أبي وأمي.. وعمي.. حتى عمي الثاني الذي كان يدعي بأنه لا يحب مخالطة الأطفال ، كان يستثني من هذا الموقف ، ويقول: " إلا صلاح.." ، ثم يمضي الوقت في محادثتي ومداعبتي..
    وعندما دخل التلفزيون بيتنا انسحبتُ من تحت الأضواء وتركت الساحة للنجم الجديد الذي يملك قدرة على التسلية والإبهار تفوق تصرفاتي الطفولية البريئة ، وانضممت إلى حلقة المتفرجين. أشاهد بباي وميكي ودونالد دك ، وأتعدى على برامج الكبار ، فأشاهد التمثيليات العربية وأفلام الكاوبوي ونشرات الأخبار ، وكبرت قليلا ، فتوطدت علاقتي بصديقي الجديد ، وصرت أرافقه من الافتتاح حتى الختام ، ثم أوقظ جدي الذي كان يكبو وهو جالس أمام الشاشة الصغيرة ، فينهض من كبوته ، ثم يودعني ويمضي لينام..
    منذ أن دخل بيتنا عصر التلفزيون أصبحت الروابط العائلية فيه ضعيفة ، انحسرت من حياته سهرات الأنس ، وليالي السمر ، وغادرت منه أحاديث العائلة المفعمة بالحياة ، واختفت النقاشات المحببة التي كانت تدور حول الحي والمدينة والوطن الكبير.. حتى الأقرباء عندما كانوا يزوروننا ، كانوا يتبادلون معنا كلمات الود والمجاملة على عجل ، ثم ينضمون إلى حلقة المتفرجين ، فيجلس الجميع أمام التلفزيون بصمت وهدوء ، وكأنهم يؤدون الطقوس البوذية..
    اخترت مكانا بين أمي وأبي ، وكثيرا ما كنت أزاحمهما ، لأجلس بينهما ، فيتكلف أبي التأفف مداعبا ، وتضحك أمي وهي تفسح لي مكانا بينهما..
    سألني والدي عما مر بي في المستشفى من حوادث وحالات ، شرعت أحدثه عن حالة طفل تناول علبة دواء كاملة في غفلة من والديه ، فأصيب بالتسمم ، غير أن والدي لم ينتظر حتى يستمع إلى بقية القصة ، فقد شده مشهد من مشاهد الفلم العربي الذي كانت تعرضه الشاشة ، وهمَّت أمي بالنهوض لتعد لي طعام العشاء ، فأمسكت بيدها ، ورجوتها أن تبقى..
    قلت لها وأنا أرتاح برأسي فوق كتفها:
    ـ لا أشعر بالجوع ، ابقي بجانبي..
    ربتت أمي على يدي في حنان ، وقالت وهي ترمقني بنظرات متفحصة:
    ـ ما بك؟.. تبدو مهموما مشغول البال!..
    التفت أخي الأوسط الذي يصغرني مباشرة ، وقال بنبرة احتجاج:
    ـ بعض الصمت يا جماعة.. دعونا نتابع الفلم..
    نظرت إليه وابتسمت.. إنه دائما مشدود إلى التلفاز.. تنتزعه المسلسلات والأفلام من محيط العائلة لتضعه في أجوائها الخاصة ، قلت لأمي:
    ـ ابنك مهووس بهذه الشاشة ، ولن يتخلص من شغفه حتى يتزوج..
    ابتسمت أمي وقالت في حزم وهي تشملني بنظرة ودودة:
    ـ لن يتزوج أحد قبلك..
    التقط أخي الأصغر كلمات أمي فقال مداعبا:
    ـ أخي الكبير طيب القلب ، وسيمنحني دورة بلا شك..
    لكزه أخي الأوسط بمرفقه وقال:
    ـ اصمت ، دعنا نتابع الفلم...
    ـ إنه فلم سخيف..
    ـ إذا كان لا يعجبك فاذهب إلى الغرفة الأخرى..
    ـ أريد أن أسهر في هذه الغرفة..
    واحتدم بينهما النقاش ، وكاد يتفاقم ، لولا أن تدخل والدي ، فحسمه بصرخة رادعة ، وقالت أمي في إنكار غاضب:
    ـ بدأت أكره هذا الجهاز الذي يثير الصراع بين الأشقاء!..
    قلت لأمي مهدئا:
    ـ دعيهما ولا تكترثي بملاسناتهما ، إياك أن تظني بأن أولادك نسخة واحدة..
    عاد أخي الأوسط يرجونا في ضراعة:
    ـ أرجوكم يا جماعة ، هذا أول فلم ممتع أراه منذ أشهر ، دعوني أشاهده بهدوء..
    أشفقت على أخي ، وذهبت إلى غرفتي ، لحقت بي أمي بعد قليل وهي تحمل فنجانا من الشاي ، قالت وهي تغلق الباب خلفها:
    ـ أنت اليوم لست أنت!..
    ضحكت:
    ـ هل هذه أحجية؟
    ـ أتشكو من شيء؟
    ـ أبدا!
    ـ أنت عاشق..
    ـ عاشق؟!..
    ـ هل تنكر؟
    جلست كالمستسلم وقلت:
    ـ قلب الأم أدق رادار في العالم!
    وضعت الشاي ، وأقبلت تقول بنبرة فرِحة:
    ـ يعني كلامي صحيح!
    ـ لا أدري يا أماه.. قد تكونين على حق ، لعلك تفهمينني أكثر مما أفهم نفسي ، لعل روحي تبوح لك بما تخفيه عني.. لا أدري يا أماه ، لا أدري ، الحيرة تأكلني!.. قد أكون عاشقا ، وقد أكون تائها ، في الحقيقة أنا حائر!..
    جلست بقربي ، وقالت:
    ـ أخبرني من هي التي تشغلك ، وأنا سأبدد حيرتك..
    همست وأنا أستحضر في خيالي طيف أحلام:
    ـ فتاة جميلة تقتحم قلبي بقوة.. فتاة رقيقة لها نفس كبيرة وخلق نبيل.. لكأنَّ كل المعاني السامية قد اجتمعت فيها ، وشكلت جوهرها الطاهر البريء..
    ـ ما اسمها؟
    ـ أحلام.
    ـ اسم جميل.
    ـ حقا؟
    ـ كيف تعرفت عليها؟
    ـ زميلتي في المستشفى.
    ـ لا أذكر أنك حدثتني عنها!
    قلت وأنا ألقي برأسي على مسند الكنبة:
    ـ كنت لا أهتم بها كثيرا ، أو لعلي لم أرد أن أهتم بها من قبل!.. كنت أنظر إليها على أنها مجرد زميلة في العمل ، ألقاها كل يوم كما ألقى كل زملائي في المستشفى ، وأبادلها احتراما باحترام ، لكني انتبهت أخيرا إلى شيء ، شعرت أنها مهتمة بي إلى حد أكثر من عادي..
    لاحظت أنها تلاحقني بنظراتها ، تراقب تصرفاتي ، تلتقط كلماتي ، تريد أن تعرف عني كل شيء!!.
    حاولت أن أتهرب منها ، لكني لم أفلح ، ثمة شيء يشدني إليها ، وآخر يشدني منها ، ليتني لم أعرفها من قبل!..
    عاثت الحيرة في وجه أمي ، فقالت كالشاردة:
    ـ أنا لا أفهمك ، لماذا تهرب منها إذا كانت خلوقة وجميلة؟ ماذا تريد أكثر من ذلك؟
    ـ ليست هنا المشكلة..
    ـ ألا تجد في نفسك ميلاً إليها؟
    ـ بل أميل إليها بقوة..
    ـ حيرتني معك!
    ـ قد لا أكون لائقا بها ماديا..
    ـ ماديا؟!.. أفصح بوضوح ، وكفاك ألغازا؟؟
    رنوت إليها وأنا أبتسم:
    ـ كلامي واضح ، ظروف أهلها المادية أفضل من ظروفنا ، ولا أستطيع أن أوفر لها العيش الرغيد الذي تعودت عليه..
    ـ لماذا؟ هل هم أغنى منا بكثير؟
    ـ أنعد نحن في الأغنياء؟
    ـ الحمد لله على كل حال..
    ـ لو شعر الناس جميعا بأنهم أغنياء لعاشوا في سعادة!
    أردفت أمي فيما يشبه السؤال:
    ـ أغنى منا؟
    ـ بكثير.
    أطرقت متفكرة ، ثم قالت فجأة ، وكأنها وضعت يدها على الحل:
    ـ إذا كانت فتاة عاقلة وأصيلة ـ كما تصفها ـ فستصبر على ظروفك ، وتكافح معك حتى تصنعا المستوى اللائق الذي ترتاحان إليه.
    ابتسمت كالحالم ، وقلت:
    ـ في حديثها اليوم استعداد واضح للصبر والكفاح..
    هتفت أمي وقد أضاءت وجهها ابتسامة عذبة:
    ـ آه.. فهمت ما الذي أثار تفكيرك بها الليلة ، لا شك أنك قد خضت معها في حديث خاص..
    أيَّدْتُ ملاحظتَها بابتسامة ، ثم تناولتُ فنجان الشاي ، ورحت أرشف منه في صمت ، وأردفت أمي قائلة:
    ـ ماذا كان موضوع الحديث؟
    ـ حدثتها عنكِ.. عن أبي.. عن ظروفنا وأحوالنا.. أردت أن أضعها في الصورة الصادقة حتى لا تذهب بعيدا في تطلعاتها.. قلت لها بأننا عائلة بسيطة راضية من هذه الحياة بالحد الأدنى من السعادة المادية ، وتعوض عنه بقدر كبير من السعادة النفسية..
    قالت أمي وهي ترمقني بنظرة فيها دعابة واختبار:
    ـ ماذا قلت لها عني؟
    ـ قلت بها بأنك أمهر طباخة في العام..
    ـ ألا يعجبك في أمك سوى طبخها؟!..
    ـ بل يعجبني فيها كل شيء..
    ـ ماذا قلت لها أيضا.
    ـ قلت لها بأنك أم مثالية ، وسيدة من الطراز الأول ، تحبين النظافة حتى درجة الوسوسة ، وتصنعين من بيتك جنة صغيرة ، أزهارها من الحب ، وأنهارها من الحنان..
    ضحكت أمي في فخر ، وتساءلت وهي تشير إلى نفسها:
    ـ أأنا أصنع كل هذا؟
    قلت في مكر:
    ـ هكذا أوهمتها..
    ـ تقصد أني لست هكذا؟
    ـ أنت التي لا تريدين أنت تصدقي..
    ـ وماذا قالت لك؟
    ضحكت فجأة.. ضحكة وأنا أجد نفسي أمام تحقيق نسائي طريف..
    سألت أمي وعلى شفتيها ابتسامة حائرة:
    ـ ما الذي يضحكك؟..
    ـ لا شيء.
    ـ بل هناك شيء!..
    ـ مجرد خاطر..
    ـ حدثني به.
    ـ هل سيطول هذا التحقيق؟
    ـ لم تقل لي..
    ـ ماذا؟
    ـ ماذا قالت لك؟..
    تنهدت وسرحت بخيالي ، وكأني أغيب في حلم لذيذ ، قلت وأنا أسترجع الأثر العذب الذي أحدثته كلمات أحلام في نفسي:
    ـ قالت: إنها تتمنى لو كانت أختي..
    هتفت أمي في فرح ، وقد طغت على وجهها ابتسامة عميقة:
    ـ البنت تحبك يا صلاح ، فماذا تنتظر؟
    ـ ما أدراك؟
    ـ كفاك تجاهلا وخبثا ، أنت تعرف ذلك ، لكنك لا تريد أن تعترف..
    ودخلت علينا أختي الكبرى في البنات ، فصمتنا ، تراجعت فجأة إلى الخلف ، وتوارت خلف الباب الموارب قليلا ، فلم يعد يبدو منها سوى رأسها المائل إلى الأمام ، قالت وهي تهم بالانسحاب:
    ـ فهمت.. اجتماع مغلق!
    ثم أغلقت الباب ، فناديتها:
    ـ لماذا لا تدخلين؟
    ـ ملامحكما تشي بأنكما تتداولان سرا!
    ـ قالت أمي ضاحكة:
    ـ الأمر ليس سرا ، أخوك صلاح يخطط لاستقبال أخت جديدة لكم في البيت..
    هتفت أختي متظاهرة بالذعر ، كمن فوجئ بأمر صاعق:
    ـ هل كان أبي متزوجا من امرأة أخرى؟!..
    دوت ضحكاتنا في أرجاء الغرفة ، وقالت لي أمي من خلال الضحكات:
    ـ أختك هذه لا تفكر إلا في الأمور السيئة..
    قالت أختي وهي تجلس على يميني:
    سأكون سعيدة لو عرفت من هي أختي الجديدة.
    ثم أردفت وهي تقرصني من يدي:
    ـ لابد أنها مغرمة بأخي الكبير..
    قبضت على شعرها المتدلي خلف رأسها كذيل الحصان ، ثم قلت وأنا أشده في رفق:
    ـ هل بدأت حرب التعليقات السخيفة؟
    صاحت وهي تتظاهر بالألم:
    ـ اطمئن لن أبوح بالسر.
    أطلقت خصلات شعرها الناعمة ، فنهضت وأسرعت خارجة ، وأنا أشيعها بنظرات تفيض بالود ، وأرادت أمي أن تعود بالحديث إلى مجراه ، وما كادت تفعل ، حتى أطبق إخوتي على الغرفة وهم يهتفون "مبروك.. مبروك"..
    وأقبل والدي خلفهم والابتسامة تضيء وجهَه الطيب ، قال وهو يجلس على كرسي قرب الباب:
    ـ أيها المتآمرون!.. أنت وأمك تتآمران على صنع الأخبار السعيدة ، هل صحيح ما تناقلته وكالات الأنباء؟
    قلت وأنا أرمق أختي الواشية كالمتوعد:
    ـ لا أعلم في بيتنا سوى وكالة واحدة للأنباء ، ثم نهضت إليها لأمسك بها ، لكنها أفلتت مني ولاذت بأبيها وهي تقول:
    ـ أنا أحب السبق الصحفي ، خشيت أن تسبقني أمك إلى إعلان قرارك بالزواج..
    ضحك أبي وسأل:
    ـ من هي صاحبة الحظ السعيد؟
    تبادلت مع أمي نظرة باسمة ، ثم أجبت:
    ـ الأمر ما زال فكرة فجة لم تنضج بعد..
    ـ أليس لهذه الفكرة بطلة معروفة؟
    ـ إنها الدكتورة أحلام زميلتي في المستشفى..
    ـ ابنة من؟
    ـ والدها رجل الأعمال المعروف عبد الغني الذهبي..
    وجم أبي ، وتقلصت ملامحه ، قال وهو يضع إبهامه تحت ذقنه ، ويطوي أصابعه فوقها كالقبضة:
    ـ هل فكرت في هذا الأمر جيدا يا بني؟
    ـ ما زلت أفكر..
    ـ هل تريد رأيي؟..
    ـ لا غنى لي عن رأيك..
    قال والدي بنبرة حاسمة:
    ـ هذا زواج لن تُكتبَ له الحياة..
    هزتني كلمات أبي بشدة ، فانقبض لها قلبي ، همست متوجسا:
    ـ لماذا؟
    ـ أنت تعرف.
    ـ هذا ما كنت أحدث فيه أمي!.
    قالت أمي كالمُغْضَبة:
    ـ المال ليس كل شيء ، خذوا الأمر ببساطة ، نريد أن نفرح..
    التفت إليها والدي كالساخر ، وقال:
    ـ أنت دائما هكذا ، كل شيء عندك ممكن.
    ردت عليه أمي وهي تشيح بيدها:
    ـ أنت لا تعرف شيئا ، البنت تريده ، وهي مستعدة للحياة معه ، والصبر على ظروفه.
    ـ يبقى القرار بيد أبيها..
    ـ أبوها لن يقف في وجه رغبتها.
    ـ أبوها معروف بجشعه ، وسيظن ابننا طامعا بثروته..
    تبادل الجميع نظرات ملؤها الخيبة ، وشعروا نحوي بالإشفاق ، نهض والدي وقال وهو يمضي:
    ـ الأمر ليس بهذه السهولة ، فكروا به جيدا.
    ولم يلبث أخي الأوسط أن خرج خلفه وهو يقول:
    ـ سأعود لأكمل الفيلم ظننت أن الأمر قد نضج على نار هادئة!..
    قال أخي الأصغر ، وهو يجلس بجانبي:
    ـ لو أنك اخترت عروسا قليلة التكاليف ، لتزوجنا معا في آن واحد ، دون أن نرهق الأسرة بالمصاريف..
    ضحكت أختي الوسطى ، وقالت له:
    ـ أيها الانتهازي.. دائما تبحث عن الفرص السهلة.
    قالت الكبرى وقد أحست بأنها تسرعت في إعلان النبأ:
    ـ كنت أظن أن أختي المرتقبة سهلة المنال..
    ثم أردفت في دعابة:
    ـ قلت لك أكثر من مرة دعني أخطب لك صديقتي ميادة ، فلم ترضَ ، إنها فتاة كالسكر.
    وتسللت أختي الصغيرة ذات السبع سنوات إلى حضن أمها ، وسألتها في براءة ، وكأنها لم تفهم شيئا مما دار:
    ـ ماما ، ماما.. هل ستشترين لي ثوبا جديدا في عرس أخي؟
    رنوتُ إلى أختي الصغيرة في حنان ، همستُ وأنا أهم بالنهوض:
    ـ كم هو الشبه كبير بيني وبينك يا صغيرتي!..
    كلانا نحلم كالأطفال..
    يتبع ...

    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في السبت يناير 17, 2009 4:05 pm

    أعتذر عن التأخير
    لأسباب اضطرارية
    وأعود لأكمل لكم الرواية
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في السبت يناير 17, 2009 4:08 pm


    ۞ الفصل الرابع عشر ۞

    *****************
    لم أصدق ما رأيت!.. كانت مجزرة حقيقية ضحاياها جميعا من الأطفال..
    هرعنا إلى الجرحى الصغار نرمم أجسادهم الممزقة.. نتشبث بأرواحهم البريئة حتى لا تفلت منا ، وتغادرنا إلى العالم الآخر ، تسربت روح الطفل لأول من بين أيدينا بسرعة ، ومضت إلى خالقها تشكو له عالمنا المجنون ، بكت أحلام وهي تسبل جفني الطفل الشهيد فوق عينيه اللتين جال فيهما الرعب والذعر ،
    حضرت مجموعة أخرى من الأطباء لتساهم في إنقاذ هذه الكائنات المسكينة ، واجتمع الأهالي في الخارج ينوحون ويولولون ،
    وتعالى نحيب الأمهات وهن يتدافعن أمام غرفة العمليات.. يتسقطن الأخبار حول أطفالهن الذين ذهبوا ضحية الطيش والسرعة المجنونة..
    ووصل الدكتور مأمون مدير المستشفى قادما من سفر بعيد ، فانضم إلينا على عجل في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..
    توقف قلب طفل آخر عن الخفقان ، وانسلت روحه من بين أيدينا ونخن ننظر في مرارة وعجز ،
    لم تحتمل أحلام هذه المناظر المرهقة ، فسقطت مغشيا عليها ، وهي الطبيبة التي ألفت أجواء غرف العمليات ، فالموقف كان مؤثرا صعب الاحتمال ، ولم تلبث أن عادت إلى وعيها بعد أن صفعتها إحدى الممرضات ، فاستجمعت قواها ، وغسلت وجهها ، ثم انضمت إلينا ثانية ، لتتابع أداء واجبها في إنقاذ الجرحى من الأطفال..
    ثمة روح ثالثة تتملص من بين أيدينا ، تريد أن تهاجر ، تريد أن تغادر هذا العالم الضيق الذي لم يتسع لأفراحها ،
    استنفرنا لمنعها من الرحيل ، استخدمنا الصدمات الكهربائية ، ومنحناها قبلة الحياة ، لكنها رفضت أن تبقى ،
    ومضت في عناد ، تلعن عالمنا الذي لم يعد يحترم أرواح الأطفال..
    وتراكم التعب والإرهاق في أوصالنا ، وتفاقم الحزن في داخلنا حتى طفح من عيوننا وملامحنا ، وقضينا يوما ضاريا ، ونحن نصارع الموت الذي حاصر الأجسام الصغيرة ، وراح ينهشها ويفترسها جسدا بعد آخر..
    وانتصف الليل ، فهدأت المعركة قليلا ، لكنها لم تحسم بعد ، فما زالت بعض الإصابات بالغة الخطورة ، وتحتاج إلى حراسة شديدة..
    قرر الدكتور مأمون أن يوزعنا إلى فئتين ، فئة ترابط حول الأطفال الجرحى ، وأخرى تخلد للنوم والراحة ، لأننا قمنا بالعبء الأكبر في غرفة العمليات..
    قال هاني:
    ـ دعونا نخرج من الباب الخلفي ، فأنا لا أطيق رؤية وجوه الأهالي المنكوبين..
    وهمست أحلام بعد أن مضينا خطوات:
    ـ لا أصدق ، أرأيتما الذعر في عيون الأطفال؟ أي مجرم هذا الذي كان وراء الحادث؟!..
    هتفت في غيظ:
    ـ مراهق في العشرين ، فعل فعلته النكراء ، ثم هرب..!
    تساءلت أحلام:
    ـ كيف استطاع أن يهرب ، وهو يرى الأطفال أمامه يتحولون إلى كومة من الأشلاء؟ ألم تتحرك فيه ذرة من الشهامة ، فينزل ويساهم في إنقاذ الضحايا؟
    ومضينا في الممر الطويل نفرغ شحنات الحزن والغضب ، ونتبادل انطباعاتنا الأليمة ، ونحن نسعف الجرحى من الأطفال ، وسمت صوتا ينادينا من الخلف..
    صوت أذكر أني سمعته من قبل!.. والتفتنا إلى صاحب الصوت..
    قال هاني:
    ـ هذا هو الأستاذ سعيد.. لقد جاء ليغطي الحادث بنفسه.
    صافحنا الأستاذ سعيد الناشف بحرارة ، وقال في لهفة وقلق:
    ـ طمئنوني.. ما هي آخر الأخبار؟..
    قلت له:
    ـ ثلاثة قتلى ، وإصابتان خطيرتان ، والأطفال العشرة الباقون تتراوح إصاباتهم بين الكسور والرضوض ، لكنهم جميعا يعانون من صدمة نفسية فظيعة أحدثها الرعب الذي اندلع في قلوبهم الغضة ، وهم يواجهون الموت في أبشع صوره..
    قال الأستاذ سعيد:
    ـ سأفرد لهذا الحادث البشع عددا خاصا يهز الرأي العام ، خبروني بربكم.. كيف حدث هذا؟
    قال هاني:
    ـ كل ما علمناه أن الأطفال كانوا عائدين إلى بيوتهم في باص المدرسة ، كان الباص يسير ضمن السرعة القانونية ، وفجأة خرجت سيارة مسرعة من شارع فرعي ، واستقرت وسط الباص كالقذيفة ، فانقلب الباص بمن فيه ، وتطايرت أجساد بعضهم من النوافذ ، وارتطم الآخرون بجدران الباص المعدنية ، فأصيبوا برضوض وكسور مختلفة ، واخترق الزجاج المحطم أجساد عدد منهم..
    همست وأنا في ذروة الألم:
    ـ لقد كانت مجزرة حقيقية يا أستاذ سعيد..
    قال الأستاذ سعيد وهو يمضي معنا متثاقلا:
    ـ حوادث الطرق في بلادنا تبتلع من الضحايا أكثر مما تبتلع الكوارث والحروب..
    علقت أحلام بنبرة قاسية:
    ـ لو ذهب هؤلاء الأطفال ضحية حرب أو زلزال لكان الأمر أهون ، لكن أن نقتل أطفالنا بأيدينا ، بطيشنا وغرورنا ، فهذا قمة الجنون والإجرام!..
    لفتت لهجة أحلام المنفعلة انتباه الأستاذ سعيد ، فقال وهو يرمقها باهتمام:
    ـ أنا أعرف الدكتور هاني ، والدكتور صلاح ، لكني لم أتشرف بمعرفتك بعد..
    بادرت ، فعرفت كل منهما على الآخر ، فلاحظت عليهما تغيرا ووجوما مثيرا ، تساءلت في حيرة:
    ـ أتعرفان بعضكما من قبل؟
    همس الأستاذ سعيد وهو يبتسم في غموض:
    ـ إذا كانت الدكتورة أحلام ابنة رجل الأعمال المشهور عبد الغني الذهبي ، فهي تعرفني بلا شك!..
    سألته أحلام بنبرة حائرة:
    ـ لماذا توقعت مباشرة أني ابنة عبد الغني الذهبي؟
    أجاب كالواثق:
    ـ كنت أعرف أن له ابنة وحيدة تدرس الطب.
    قلت في محاولة لفض الغموض:
    ـ أنت تعرف أباها إذن!
    هز الأستاذ سعيد رأسه مؤكدا ، ثم همس وهو يسدد إلى أحلام نظرة غامضة:
    ـ صديق قديم..
    أحرجت نظرة الأستاذ سعيد أحلام ، فرمشت في ضيق ، واستأذنتنا في الانسحاب متعللة بالتعب ، وانسحب هاني خلفها مبديا العذر نفسه ، سألني الأستاذ سعيد ، وهو يشيع أحلام بنظرة شاردة:
    ـ كيف تجدها؟
    ـ من؟
    ـ الدكتورة أحلام..
    ـ إنها فتاة طيبة ومهذبة ، وذات شخصية جادة..
    رفع حاجبيه دهشة ، وقال:
    ـ أمتأكد أنت؟
    ـ جدا..
    ـ شوكة خلفت وردة!..
    ـ ماذا تقصد؟
    قال متهربا من الإجابة:
    ـ دعك من قصدي ، وأخبري.. ما هي أخبار طفلتك اللقيطة؟
    ـ النتائج سلبية..
    ـ كما توقعت..
    ـ لم تقل لي..
    ـ ماذا؟..
    ـ ما رأيك بوالد أحلام؟..
    ابتسم في دهاء ، وسأل:
    ـ هل تهمك كثيرا.
    ـ مجرد فضول..
    ـ لماذا لا تعمل معي؟
    ـ أين؟
    ـ في الصحافة طبعا!
    ابتسمت رغما عني..
    ـ أنا؟
    ـ سأجعل منك صحفيا مشهورا.
    ـ ولكن..
    ـ لست أول من يقدم على هذه المغامرة.
    ـ لماذا أقدم عليها؟
    ـ لأنك تملك أهم مقومات الصحفي الناجح: فضول المحقق ، وحماس المؤمن..
    قلت وأنا أنوء تحت أثقال الهم والنعس والإرهاق:
    ـ أستاذ سعيد.. كنت أتمنى لو كان حديثا في غير هذه المناسبة ، لكني مضطر للانسحاب الآن ، فأمامي غدا عمل طويل..
    ربت الأستاذ سعيد على كتفي وقال:
    ـ فكر بالأمر ، تصبح على خير..
    عندما وضعت رأسي على الوسادة ، تذكرت شيئا.. لقد استطاع الأستاذ سعيد بدهائه أن يتهرب من سؤالي عن رأيه بوالد أحلام!..
    ماذا يعرف عنه يا ترى؟..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأحد يناير 18, 2009 1:35 pm


    ۞ الفصل الخامس عشر ۞

    *****************
    ـ "محكمة.."
    ضج الكون فجأة بهذه الكلمة ، وارتج لها حتى كاد يميد ، وانتشر دويها القاصف كالرعد في الآفاق المترامية ، فامتدت أصداؤها إلى ما لا نهاية ، حتى خفتت وتلاشت ، وحل مكانها صمت رهيب مثقل بالخوف والقلق والرعب..
    ـ "هل هي القيامة المنتظرة قد قامت في غفلة من البشر؟.."
    والتفتُّ حولي كالمأخوذ! هذه دنيا غير الدنيا!.. عالم عجيب كل ما فيه غريب غير مألوف. الغيوم تحيط بالمكان كالجبال ، وقد حجبت خلفها كل معالم الكون المألوفة!.. والسماء فوقنا ليست هي السماء.. إنها قبة هائلة من الضباب الكثيف المفعم بالغموض.. والأرض تحتنا!. أين الأرض؟.. لكأني أقف فوق فراغ ، مدفوعا إلى الأعلى بقوة مجهولة كدافعة أرخميدس!..
    وشعرت بجسمي يتأرجح كريشة معلقة في الهواء ، وتساءلت في نفسي وأنا أرقب جسدي وهو يترنح فوق الفراغ بلا وزن : "أأنا في رحلة فضائية أجوب أعماق الكون السحيقة؟!!"..
    وانتبهت فجأة إلى أني لست وحدي! ها هي أحلام تقف بجانبي ، وهي تتلفت حولها مبهورة.. وذاك هو هاني يقف قريبا مني وقد أغمض عينيه في خشوع ، ورفع كفيه إلى السماء في ضراعة ، وراح يسأل الله العفو والمغفرة ، وذلك هو الأستاذ سعيد وقد شخص ببصره الحائر إلى قمم الغيوم الشاهقة التي أحاطت بالمكان كأسوار سجن عظيم..
    والناس.. الناس حولنا قد ارتصوا في كتلة واحدة ، وشخصوا بأبصارهم في كل اتجاه ، يرمقون المكان بعيون قلقة وقلب واجف..
    ـ "محكمة!"..
    وعادت الصرخة الهائلة تدوي في أرجاء الكون ، فخفق الهلع في القلوب وجمدت العيون في المحاجر ، وراحت تحملق في ذعر ، وكأنها ترقب مجهولا مخيفا قد فغر فاه ليبتلعها ويغيبها في جوفه العظيم.
    وهتف هاتف : "انظروا هناك!.." فاتجهت الأبصار الخائفة المترقبة إلى كائنات بيضاء تحلق في الفضاء ، وقد سدت الأفق بأسرابها الكثيفة ، وجعلت تقترب في هدوء ، ولم تلبث هوية هذه الكائنات الغريبة أن انكشفت ، فسرت في جموع الناس همهمة غامضة ، ولغط كبير ، عندما تبين لهم أن هذه المخلوقات الطائرة ، ما هي إلا أسراب هائلة من الأطفال المجنحين..
    وحط الأطفال المجنحون فوق ذرى الغيوم المحيطة بنا ، وضربوا حولنا حصارا محكما ، بينما حلقت فوقنا مجموعة منهم ، يتقدمها طفل يضع فوق رأسه تاجا أحمر بلون الدم.. طفل أذكر أني رأيته من قبل!.. آه.. إنه أحد الأطفال الذين ذهبوا ضحية لحادث باص الأطفال!..
    التفت إلى أحلام وقلت وأنا أشير إلى الطفل المتوج:
    ـ هل تعرفين هذا الطفل ياأحلام؟..
    قالت أحلام والدموع تغرق عينيها الوادعتين:
    ـ وكيف أنساه يا صلاح.. لقد أسدلت جفنيه بيدي هاتين!..
    سألتها وأنا غارق في الحيرة والذهول:
    ـ هل قامت القيامة فعلا ، وبعث الناس من جيد؟
    همست أحلام بنبرة واهنة:
    ـ لقد قامت في غمضة عين!..
    وقال هاني وهو يهز رأسه في حسرة وندم:
    ـ ليتني قضيت العمر فيما يفيد.. إذا لم يغفر لنا الله ذنوبنا ، ويشملنا برحمته ، فسنواجه نهاية فظيعة..
    ثم أردف وهو يرتعش:
    ـ سوف تشوى أجسادنا في نار جهنم يا جماعة.. ألم تسمعوا بالنار؟..
    حك الأستاذ سعيد ذقنه متفكرا ، وقد استفز الموقف الغامض كل حواسه ، ثم قال:
    ـ لا أظن أنها القيامة!.. فللقيامة أشراط ومقدمات لم تتحقق بعد.. أعتقد أنها حرب النجوم الملعونة قد دمرت الكون ، وحشرت ما تبقى من البشر في هذه المكان..
    قلت له:
    ـ وهؤلاء الأطفال المجنحون الذين يحلقون فوقنا كالعصافير ، من أين انبثقوا. وكيف نبتت لهم هذه الأجنحة البيضاء القوية التي يطيرون بها؟
    وعقبت أحلام:
    ـ عذرا يا أستاذ سعيد ، أنا لا أوافقك الرأي ، إنها القيامة المرتقبة ، وقد حان موعدها ، والدليل على قيامها هؤلاء الأطفال الذين بعثوا من جيد ، وعادت إليهم الروح ، بعد أن ماتوا بين أيدينا في غرفة العمليات!..
    قال الأستاذ سعيد ساخرا:
    ـ إذا كانت القيامة قد قامت فعلا ، فسوف يواجه أبوك مصيرا أسود لا يحسد عليه.
    صاحت به أحلام غامضة:
    ـ انشغل بمصيرك أيها العجوز ، وكُفَّ عن التجريح بوالدي ، تكفيك إساءاتك البالغة له في الحياة الدنيا!.
    وعاد الصوت الهائل يهدر من جديد..
    ـ "محكمة!"..
    عرفنا أخيرا مصدر الصوت ، إنه أحد الأطفال المجنحين ، ولكن!.. ما بال صوته الطفولي هادر مجلجل إلى هذا الحد؟.. هل يساعد الفراغ الكوني على تضخيم الأصوات؟!.. وهذه الكلمة التي رددها للمرة الثالثة ، ماذا تعني؟.. محكمة؟!.. هل نحن متهمون تجب محاكمتنا؟ أم أنا متفرجون حشرنا القاضي في هذا الكون الغريب ، لنشاهد أحداث محاكمة غامضة ستجري؟.. ورحنا نرقب الموقف في دهشة وفضول مشفوع بالهواجس والمخاوف..
    اقتلعت مجموعة من الأطفال المجنحين قطعة من الغيوم ، وطارت بها نحو الطفل المتوج ، فصفق بجناحيه ، وحط فوقها بهدوء ، ووقف يرمقنا من علٍ بنظرات صارمة مستطلعة فاحصة ، وكأنه قائد منتصر يستعرض أسراه!..
    وهمس هاني كمن اكتشف شيئا مثيرا:
    ـ الآن فهمت كل شيء!.. إنها مسرحية أطفال!.. نعم مسرحية أطفال!..
    ثم وهو ينظر حوله كمن يبحث عن شيء:
    ـ لكني لا أرى المخرج!.. أين هو حتى أشكره على هذه المسرحية الرائعة التي تأخذ بالألباب؟
    لوى الأستاذ سعيد شفتيه في حيرة وقال:
    ـ إذا كان ما يجري أمامنا مسرحية أطفال ، فهذا يعني أن مسرح الطفل في بلادنا قد خرج من أزمته ، وتطور تطورا مدهشا يستحق التقدير ، سأفرد عددا خاصا عن هذا الموضوع..
    قلت وقد أوحى لي هذا التفسير بفكرة مثيرة:
    ـ لا.. لا.. هذه ليست مسرحية أطفال ، إنها فلم أطفال عربي يضاهي بمستواه أفلام الأطفال الأمريكية والغربية ، هذا أول فلم عربي يبرع في توظيف الخدع السنمائية ، وينجح في إطلاق خيال الأطفال..
    قال الأستاذ سعيد وهو يشير إليَّ بسبابته في شك:
    ـ لست معك في هذا يا صديقي.. لا يمكن أن يكون هذا فلما عربيا للأطفال ، ولا حتى تمثيلية تلفزيونية.. لقد استأثر الكبار في بلادنا بهاتين الوسيلتين الخطيرتين ، ووظفوهما لتسليتهم وإرضاء أنانيتهم ، وتركوا أطفالهم فريسة لأفلام الأطفال المستوردة ، ومسلسلات الكرتون التجارية التي تجذب الأطفال بالإثارة الفارغة ، والعنف المريض..
    هتفت أحلام في احتجاج غاضب:
    ـ لقد ذهبتم بعيدا يا سادة.. المسرحيات والأفلام لا يؤديها أطفال قتلى أو أشباح!..
    ثم التفتت إليَّ وقالت:
    ـ وأنت يا صلاح.. تأمل وجه هذا الطفل المتوج الذي يقف فوق غيمته ، وبرمقنا بعيني صقر ، ألم تقل لي بأنك قد عرفته؟ أم أن ما يجري قد أفقدك قدرتك على التركيز؟!..
    دلكت جبيني بأنامل أصابعي المشدودة ، ورحت أتأمل وجه الطفل وأنا أعتصر ذاكرتي بقوة..
    قلت لأحلام بنبرة شك:
    ـ أأنا قلت بأني أعرف هذا الطفل؟!.. لا أذكر أني قلت شيئا كهذا!..
    شهقت أحلام ، وفغرت فمها مشدوهة ، وهي تنظر إليَّ نظرة غامضة قرأت فيها ريبة واتهاما ، وأرادت أن تقول شيئا ، لكن صوتا مباغتا اقتحم علينا حوارنا ، فالتفتنا مستطلعين..
    ـ أتنساني بهذه السرعة يا دكتور؟ ألا تذكر هذا الوجه عندما كان مضرجا بدمه؟
    ويلكم أيها الكبار من أنفسكم.. لقد أدمنتم على النسيان حتى أمسى خبزكم ، تريدون لو تنسوا حتى أسماءكم..
    سرت في جسدي رعشة ، وأيقظت نبراته العاتبة حزنا مكبوتا داخلي فبكيت ، وكان هاني يراقب ما يدور ، فقال بعد أن سمع الطفل يذكرنا بنفسه:
    ـ إنها القيامة إذن ، ولا شيء غير القيامة ، ليتني عبدت الله حق العبادة!..
    وجاءنا الصوت عميق من الخلف ، فاستقر في أسماعنا كالقذيفة:
    ـ هكذا أنتم أيها البشر ، لا تذكرون الله إلا في الملمات ، أين كان الله في حياتكم عندما كنتم قادرين على طاعته؟.. انتظروا مصيركم أيها الناس ، فاليوم تنصب موازين الحق ، ويلقى كل فرد منكم جزاءه العادل..
    هتف هاني وهو يصيخ السمع:
    ـ أسمعتم ، هذا هو صوت جبريل!.. جبريل الذي حمل رسالات ربه إلى الأرض ، فرفضناها ، ونسيناها..
    قال الأستاذ سعيد وهو يفرك يديه فرحا:
    ـ لقد انتظرت هذا اليوم طويلا لأرى الظالمين وهم عراة من كل قوة..
    ثم تلفت حوله وتساءل في حيرة:
    ـ ولكن.. أين فرعون ، وكسرى , وقيصر؟.. أين بلفور وبن غوريون وهتلر؟.. أين ستالين وجونسون وسوموزا؟.. أين؟..
    ولم يكد يكمل حتى عاد الصوت المجلجل الهادر يطرق الأسماع ويزلزل القلوب:
    ـ "محكمة!"..
    ساد صمت وسكون ، وتعلقت العيون بالطفل المتوج ، وتلهفت الأسماع لمعرفة ما سيصدر عنه ، لكنه لم ينبس ، وراح يسدد إلينا نظرات قاسية وكأننا مجرمو حرب، وطال صمته ، فسرى الرعب في النفوس ، وأيقنا بالهلاك ، خرج الطفل المتوج عن صمته أخيرا وقال:
    ـ باسم الأطفال المضطهدين والمهمَلين والمقتولين ظلما وعدوانا ، باسم الأطفال الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة ، أفتتح اليوم محكمة الأطفال الكونية ، لينال الكبار جزاءهم العادل على ما اقترفوه في حق الصغار من جرائم ، وأخطاء..
    أفلتت من هاني ضحكة هستيرية عالية ، ثم قال:
    ـ لا تقنعوني بعد الآن ، هذه ليست القيامة ، إنها مسرحية أطفال ، مسرحية رائعة من أنجح المسرحيات التي شاهدتا في حياتي..
    ثم أخذ يصفق ويهتف في حبور:
    ـ (برافو)..(برافو)..
    قلت لهاني ، وقد أرهقتني ثرثرته:
    ـ أرجوك يا هاني ، اصمت ودعنا نفهم ما يجري..
    أدخل هاني سبابته في زاوية فمه ، وأطلق صفيرا مزعجا ظل صداه يتردد مدة ، ثم قال وهو يعود إلى التصفيق:
    ـ ارحمني من ملاحظاتك السخيفة الآن ، ودعني أعبر عن إعجابي بهذه الرائعة الفنية التي تفوق كل ما أبدعه الكتاب من مسرحيات وقصص وروايات..
    طار الطفل إلى هاني ، وقال له بلهجة متوعدة ، وهو يمسك بناصيته:
    ـ إذا لم تلتزم الهدوء أيها الكبير المشاغب ، فسوف أحكم عليك بالحرمان من الإنجاب مدى الحياة..
    بهت هاني وانتابه الهلع ، فربط التهديد لسانه ولاذ بالصمت..
    عاد الطفل ذو التاج الأحمر إلى مكانه ، ونادى في أصحابه:
    ـ فلتتقدم هيئة المستشارين..
    تقدمت مجموعة من الأطفال المجنحين ، ووقفت فوق الغيمة التي يقف عليها الطفل المتوج..
    قال الطفل المتوج ، وهو يشير إلى الأطفال الذين انضموا إليه:
    ـ هؤلاء الأطفال هم القضاة الذي سيساعدوني في إصدار الأحكام العادلة ، وقد اخترتهم من بين آخر الأطفال الضحايا الذين قتلتهم الكبار على الأرض..
    الطفل الأول مات جوعا في الصومال..
    والثاني قتل بقذيفة حمقاء ألقيت عليه أثناء حرب من حروب الأشقاء الأعداء..
    والثالث مات ضحية لجهل أم حرمت ابنها من التطعيم ضد الأمراض السارية..
    والرابع قتله طبيب محترف في رحم أمه تنفيذا لرغبة الأم التي قررت إجهاض جنينها ، وحرمانه من حقه في الحياة..
    أما أنا ، فقد كنت أحد ضحايا مجزرة دامية كان وراءها شاب أرعن قاد سيارته دون أدنى شعور بالمسؤولية ، فصدم بها باص المدرسة الذي كنت أستقله أنا وأصحابي ، وحولنا إلى أشلاء..
    همست أحلام:
    ـ ألم أقل لكم؟ إنه أحد ضحايا باص الأطفال..
    قال هاني محذرا:
    ـ اصمتي يا أحلام ، فقد يعاقبك قاضي الأطفال بعدم الإنجاب..
    انتبه قاضي الأطفال إلى هاني وهو يخاطب أحلام ، فتعكرت ملامحه بحمرة الغضب..
    هتف وهو بشير إلى هاني بسبابته:
    ـ أنت.. أيها المشاغب الكبير ،لقد أنذرتك ، ووجب عليك العقاب..
    ركع هاني على ركبتيه فَرَقاً وصاح متوسلا في ضراعة:
    ـ الرحمة أيها القاضي.. لم أكن أقصد الشغب..
    أشار القاضي الصغير لأتباعه من الأطفال المجنحين بحركة من رأسه ، ففهمنا للتو بأنه قد أصدر حكمه الصارم ، وسرعان ما انقضت الكائنات المجنحة على هاني ، وقبضت عليه ، وكادت تطير به ، فتشبثنا به ، ورحنا بشده إلينا ، ونحن نرجو القاضي الصغير أن يرحمه ويعفو عنه ، وصاحت أحلام وهي تبكي بمرارة:
    ـ أنا السبب أيها القاضي.. أنا التي بدأته بالكلام.. عاقبني أنا إذا شئت..
    وأردفت متوسلا:
    ـ أرجوك أيها القاضي.. امنحه الفرصة الأخيرة..
    أشاح القاضي المجنح بوجهه عنا ، وقال:
    ـ أنتم لا تمنحون الأطفال فرصتهم ، وليس من العدل أن تنالوا أية فرصة..
    قلت للقاضي الصغير في محاولة أخيرة لإثنائه عن عزمه:
    ـ لكن هاني كان من الأطباء الذين شاركوا في إنقاذ أصدقائك من الجرحى ، وقد بذل في سبيل إنقاذهم كل مستطاع..
    التفت القاضي الصغير إليَّ ، ورماني بنظرات قاسية زرعت قلبي بالخوف ، ثم قال بلهجة ثائرة:
    ـ اعلموا أيها الكبار أن الظلم الذي يوقعه بعضكم بالأطفال ، لن يعود بالنتائج الوخيمة على من ظلمهم فقط ، بل إن نتائجة المدمرة ستطال البقية الطبية منكم ، وستدمر ثورة الأطفال حياتكم ، وتحولها إلى شقاء..
    ثم أردف وهو يشيح بوجهه عني ثانية:
    ـ عندما تشوهون أرواحنا الصغيرة ، بالتربية الخاطئة والممارسات الرعناء ، فيجب أن تنتظروا منا كل شيء..
    ثم صمت القاضي الصغير ، وهز رأسه بإيماءة صارمة ، فانتزع أتباعه هاني منا ، وطاروا به بعيدا..
    وجعلت أصرخ وأنادي ملتاعا:
    ـ هاني.. هاني..
    ولم ألبث أن شعرت بيد هاني وهي تهزني برفق ، فاستيقظت من حلمي العصيب ، ورحت أفرك عيني ، وأنا ألهث ، ثم نظرت حولي في قلق ، وكأني أطمئن على العالم قبل أن ينهار!..
    قال هاني وهو يبتسم في دهشة:
    ـ هل كان حلما جميلا؟
    تنفست الصعداء ، وقلت:
    ـ بل كان كابوسا مزعجا!..
    صفعني هاني بالوسادة ، وقال:
    ـ ظننتك تناديني في الحلم من أجل شيء بهيج!..
    استرخيت على السرير ورحت أسترجع الحلم الذي رأيت ، فضحكت بعد أن تذكرت كل ما كان ، وقلت لهاني وأنا غارق في الضحكات:
    ـ تصور يا هاني.. أنت محكوم عليك بعدم الإنجاب!..
    ـ أنا؟ من الذي أصدر الحكم؟..
    رئيس محكمة الثورة!..
    ـ اقترب هاني مني ، ووضع يده على جبهتي ، ثم قال:
    ـ حرارتك طبيعية!.. عن أي ثورة تتحدث؟!..
    أجبته وأنا أوغل في الضحك:
    ـ ثورة الأطفال!..
    ـ ثورة الأطفال؟!..
    ـ ألا ثصدق؟..
    ـ هذه أول مرة أراك تضحك في أوقات الجد!..
    لسعتني ملاحظة هاني ، تذكرت فجأة ضحايا باص المدرسة ، فغارت الضحكات من وجهي ، وحل مكانها هم وقلق على مصير البقية الباقية من الأطفال..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأحد يناير 18, 2009 1:42 pm


    ۞ الفصل السادس عشر ۞

    *****************
    ضحكت أحلام عندما حدثتها عن الحلم الذي شاهدته في الليلة السابقة ، وقالت:
    ـ هذا الحلم يصلح لأن يكون مسرحية أو فلماً ، ينبه الناس إلى أخطار ممارساتهم الخطأ مع الأطفال..
    قلت وأنا أمضي معها خارجَين من غرفة العمليات:
    ـ يقولون بأن الأحلام مصدر من المصادر التي يعتمد عليها الكاتب في إثراء خياله..
    هتفت أحلام في حماس وهي تقف قليلا:
    ـ أما أنا فقد أثار حلمك في خيالي موضوع لوحة رائعة..
    ثم تابعت وهي تمضي:
    ـ سوف أذهب اليوم لأرسم الأطفال المجنحين وهم يحلقون فوق رؤوس البشر ، ويرفرفون بأجنحتهم كالعصافير.. وسأرسم القاضي الصغير وهو يقف فوق غيمة العدالة ، ويرمق البشر بنظرات صارمة فيها عتاب الطفولة وآلامها ممزوجة بالاتهام الصارخ للآباء الذين شوهوا أرواح الأبناء..
    تذكرت الغموض الذي لاحظته في حديث الأستاذ سعيد عن والد أحلام ، قلت في تردد:
    ـ ثمة سؤال يراودني ، لكني أشعر بالحرج في طرحه عليك..
    تضاحكت وقالت:
    ـ اسأل ما بدا لك..
    ـ هل كان الأستاذ سعيد حقا صديقا لوالدك؟..
    فاجأها السؤال ، أطرقت قليلا ، ثم قالت وهي تعبث بسماعتها الطبية المتدلية على صدرها كالقلادة:
    ـ هل قال لك شيئا؟
    ـ في الحقيقة لم يكن الوقت يتسع للحديث ، لكني لاحظت على وجهيكما وجوما غامضا ، عندما عرَّفتُ كلا منكما على الآخر!..
    تنهدت وقالت:
    ـ تلك قصة قديمة..
    ـ يبدو لي أن الحديث في هذا الأمر لا يريحك!..
    ـ صدقت..
    ـ لا داعي إذن للخوض فيه..
    ـ هل تقبل دعوتي إلى فنجان شاي؟..
    ـ بكل سرور..
    شعرت بأني قد تطفلت على أحلام ، واقتحمت بسؤالي حياتها الخاصة ، فندمت على تسرعي وفضولي ، وقدرت أن دعوتها لي ما هي إلا تهرب لبق من الجواب..
    ووصلنا إلى مقصف العم درويش ، فرحب بنا في استراحته ، وسألنا عما نشتهي ، فطلبت أحلام منه أن يحضر لنا فنجانين من الشاي المعطر بنكهة النعناع ، ثم اختارت ركنا قريبا من النافذة ، وجلست ساهمة حزينة تكتسي نظراتها بكآبة عميقة..
    جلست وأنا أكابد شعورا بالذنب ، فلم أكن أعلم أن سؤالي سيعكر صفوها إلى هذا الحد..
    وأدركت أن في الأمر سرا مؤلما لا ينبغي لي نبشه ، ووجدت من واجبي أن أُخرج أحلام من الجو الذي وضعتها فيه ، قلت وأنا أرسل نظراتي من النافذة إلى حديقة المستشفى:
    ـ الحديقة تزداد جمالا ، بعد أن خلع عليها الربيع فتنتَه..
    نظرت أحلام إلى الحديقة ، وأطالت النظر ، وهي تتأمل قمم الأشجار وأحواض الزهور ، ثم لملمت نظراتها الكئيبة ، وألقتها نحوي متوهجة بالحزن ، وقالت بنبرة هادئة عميقة:
    ـ منذ سبعة عشر عاما تقريبا ، انهارت عمارة سكنية فوق رؤوس ساكنيها ، وذهب ضحية لهذا الحادث ستة أطفال ، وتسع نسوة ورجل واحد ، هذا غير الذي أعيقوا أو تشوهوا.. من حسن الحظ أن العمارة لم تكن مكتظة بالسكان ، فقد سقطت أثناء النهار ، حيث كان معظم السكان خارجها ، منصرفين إلى شؤونهم في أماكن العمل والدارسة والتسوق.. لكنها كانت كارثة على كل حال..
    هل تعرف من هو المقاول الذي قام ببناء هذه العمارة؟..
    لم أجب ، ولم أفهم مناسبة هذا الحديث الغامض عن العمارة المنهارة!.. تركتها تتابع الحديث بانتظار معرفة ما ستصل إليه ، أطرقت أحلام ، وقالت تجيب عن سؤالها ، وهي تعبث بأصابعها كمن أربكه أمر:
    ـ لقد كان والدي..
    ثم صمتت برهة ، وداومت الإطراق كالخجلى ، ثم أرسلت زفرة طويلة وشت بما يعتمل في صدرها من ألم وهمٍّ وقالت:
    ـ طبعا بدأ التحقيق القضائي في هذه القضية ، واتجهت أصابع الاتهام إلى المهندس المسؤول عن تنفيذ بناء العمارة ، لأنه كان قد وقع على عقد يلتزم فيه بمسؤوليته الكاملة عن أي خلل يحدث في البناء..
    دافع المهندس عن نفسه بقوة ، ادعى بأن والدي هو الذي أمره بأن يقتصد ويوفر في استهلاك المواد الأولية..
    رفض والدي ادعاء المهندس ، وذكره بأن العقد الذي وقع عليه معه ينص على أن تقدير كميات المواد اللازمة للبناء من مسؤولية المهندس ، وأن والدي لم يكن سوى ممول للمشروع ، يسدد الفواتير التي كان يحولها إليه..
    وكان رد المهندس بأن العقد الذي وقع عليه كان مجرد خدعة ، وأنه كان مليئا بالشروط المغرية التي وضعها له والدي كطعم يجذبه للقبول بالشروط القاسية الأخرى ، وأن الأمور سارت في كثير من الأحيان على غير ما جاء في العقد ، وأن المهندس اضطر للسكوت عن هذه التجاوزات حتى لا يفقد الامتيازات التي حصل عليها من خلال العقد..
    كذَّب والدي أقوال المهندس ، واتهمه بالمراوغة ، وقال له أمام هيئة المحكمة التي فصلت في الأمر: "لم تكن مضطرا للتوقيع على عقد تجد فيه شروطا ليست لصالحك"..
    قال القاضي كلمته: المهندس مذنب ، ويستحق الإعدام..
    سألت أحلام وأنا أتابع القصة باهتمام:
    ـ ووالدك؟
    قالت أحلام بنبرة غامضة توحي بأنها غير مقتنعة بما تقول:
    ـ أثبت والدي أن دوره في عملية البناء كان مقصورا على التمويل والاستثمار ، وشهد المحاسب الخاص بمشروع العمارة إلى جانب والدي..
    قال المحاسب بأن المهندس كان يشتري المواد الأولية اللازمة للمشروع ، ثم يقدم الفواتير لوالدي ليسددها ، ولم يكن والدي يتدخل في تحديد كميات هذه المواد ، ومع هذا لم ينْجُ والدي من المسؤولية ، فقد حكمت عليه المحكمة بتعويض المتضررين عن خسائرهم المادية..
    وأقبل العم درويش يحمل الشاي ، فوضعه أمامنا ، وقال ببشاشته المعهودة:
    ـ الشاي يا دكاترة..
    شكرناه وعُدنا للحديث ، قالت أحلام:
    ـ كان المهندس شابا حديث التخرج ، قليل الخبرة ، طموحا يبحث عن فرصة كبيرة تدرُّ عليه المال ، وتحرق أمامه المراحل نحو القمة التي يحلم بها ، فوجد فرصته في العرض الذي قدمه له والدي ، ووافق عليه بكل شروطه..
    علَّقْتُ منكِرا:
    ـ جميل أن يكون الإنسان طموحا ، متحمسا للوصول إلى أهدافه بسرعة ، لكن أن يتسلق على أشلاء الآخرين ، فهذه قمة الدناءة والأنانية والجشع!..
    تلقت أحلام كلامي بتأثر واضح ، وكأني أعنيها به ، فلمعت عيناها برقاقة من الدمع ، وشعَّت نظراتها ببريق حزين ، همست كالحائر:
    ـ دكتورة أحلام.. هل قلتُ كلاما أزعجك؟..
    انتبهت أحلام لملاحظتي ، فابتسمت لتخفي الحزن الذي ألمَّ بها فجأة ، وقالت:
    ـ أبدا.. كنت أفكر بكلامك فقط..
    ـ وهل يحزنك التفكير بكلامي إلى هذا الحد؟.
    ـ ما يحزنني أن كلامك لا ينطبق على المهندس فقط!..
    صمتت أحلام برهة ، ثم قالت:
    ـ لم يكن المهندس وحده الذي تسلق على أشلاء الآخرين..
    ـ ما زلت لا أفهم..
    ـ إذا عرفتَ بقية القصة ، فستفهم كل شيء..
    ـ ألم تنتهِ القصة بإدانة المهندس؟..
    تناولت أحلام رشفة من فنجانها ، ثم قالت:
    ـ كادت القصة تطوى عند هذا الحد لولا أن فجَّرها الأستاذ سعيد الناشف من جديد..
    ـ سعيد الناشف!..
    ـ ألا تريد أن تعرف نوع العلاقة التي تربط والدي بالأستاذ سعيد؟..
    أدركت أخيرا أن لقصة العمارة المنهارة علاقة بسؤالي ، وظننت أن أحلام تجيب عن السؤال مكرَهة ، قلت لها:
    ـ لستُ متمسكا بالسؤال..
    ـ لكني متمسكة بالإجابة..
    ـ فهمت أن الحديث في هذا الموضوع لا يريحك!..
    أمالت أحلام رأسها في هدوء حزين ، وعادت غِلالة الدمع تلمع في عينيها ، قالت وهي تزحزح فنجانها بحركة رتيبة وكأنها تداعبه:
    ـ ثمة أحاديث كثيرة ، لا يرتاح الإنسان للخوض فيها ، لكن هذه الأحاديث لا ينبغي أن تبقى مكتومة في الصدر إلى ما لا نهاية.. يجب أن تخرج إلى الهواء قليلا ، لتنفث آثارها السامة خارج الجسد ، حتى لا تنفجر داخله فتدمره.. يجب أن نخرجها من خلف الضلوع ليسمعها إنسان قريب منا ، فيألم لألمنا ، ويشاركنا أحزاننا ، ويحمل معنا همنا الثقيل..
    ثم رفعت أحلام إليَّ عينين مخضلتين بالدموع ، وهمست:
    ـ هل ترضى أن تكون هذا الإنسان يا دكتور؟..
    تأثرتُ لمرآها الحزين ، سارعت وقدمت لها منديلا تمسح به دموعها ، ثم قلت مواسيا:
    ـ إني أسمعك.. أرسلي ما يؤرق صدرك ، واعلمي بأنه سيكون محفوظا بين جنبي صديق.. كلنا بحاجة إلى أن نبوح بما يرهق صدورنا ، وكلنا بحاجة لمن يسمعنا في لحظات الضيق..
    جففت أحلام دموعها ، واستنشقت بعض الهواء الذي هبَّ من النافذة معطَّرا بشذا الياسمين ، ثم قالت:
    ـ بعد انتهاء المحاكمة بأشهر طلع الأستاذ سعيد الناشف على الناس بمقال مثير.. قال في مقاله: إن المحاسب الذي شهد إلى جانب والدي لم يقل الحقيقة ، وأنه قد زوَّر شهادته أمام المحكمة ، بعد أن كان قد شهد أمام الشرطة بأقوال مختلفة تدين والدي ، وتثبت مسؤوليته المباشرة عن حادث سقوط العمارة ، وتابع الأستاذ سعيد سلسلة اتهاماته لوالدي ، فادعى أن الشهادة الحقيقة التي أدلى به المحاسب قد سرقت من ملفات التحقيق ، وأن المحاسب قد اعترف في شهادته الأولى بأنه سمع والدي أكثر من مرة وهو يطالب المهندس بعدم الإسراف في تسليح البناء ، والاقتصاد في استهلاك المواد الأولية ، حتى يقوم البناء بأقل تكلفة ، ويباع بأربح ثمن ، ما جعل المهندس يبالغ بالاقتصاد والتوفير إرضاء لوالدي ، ويحرم البناء من الحد الأدنى من التسليح الذي يساعده على الصمود ومقاومة السقوط..
    ثم أكد الأستاذ سعيد أن المحاسب قد هاجر إلى الولايات المتحدة ، وأنه يقوم هناك بمتابعة دراسته العليا في إحدى الجامعات الأمريكية ، واستدل من هذه المعلومات بأن المحاسب ما كان ليستطيع متابعة دراسته العليا وتكاليفها الباهظة ، لولا أن قبض ثمنا غاليا لسكوته!..
    ـ وماذا كان رد والدك على كل هذه الاتهامات؟
    ندَّ عني هذا السؤال دون إرادة مني ، وأنا أصغي إليها باهتمام.. قالت أحلام:
    ـ لم يسكت والدي طبعا على اتهامات الأستاذ سعيد ، فاتهمه بالطعن والقذف ، وطلب من القضاء أن ينصفه ، ونشبت بين الطرفين معركة قضائية حامية ، كسبها والدي في النهاية ، وتم إيقاف جريدة الأيام التي يملكها الأستاذ سعيد لمدة ثلاثة أشهر ، لأنها تنشر أنباء كاذبة تمس الجمهور ، وتستغل صفحاتها للتشهير بالناس..
    قلت لأحلام:
    ـ إدانة المحكمة للأستاذ سعيد الناشف تعني أن والدك بريء من كل ما نسب إليه..
    قالت أحلام بلهجة غاضبة:
    ـ هذا ما يبدو للناس..
    ـ هذا ما يبدو للناس؟!..
    هكذا قلتُ في دهشة ، بعد أن أثارت كلماتها فضولي!.. هل يبدو لها الأمر على غير الوجه الذي يبدو فيه للناس؟!.. وحِرْت في فهم المعنى الغامض الذي يستتر خلف كلماتها ، وانتظرت أن تستأنف أحلام بوحها لتُسكت فضولي ، لكنها صمتت ، وعادت إلى فنجانها تهدهده ، قالت وهي تمعن النظر في الفنجان الذي برد قبل أن تكمله:
    ـ هل تعلم ما أقسى شيء في الوجود؟
    ابتسمت في مرارة وقلت:
    ـ في هذا العالم ألوان من القسوة ، فأيها تريدين؟
    اغتسلت عيناها ثانية بالدمع ، فتوهجت خضرتهما الصافية بأشعة حزينة تحرك قلبي ، وخفق إشفاقا على هذه الفتاة التي تقطر حزنا وكآبة ، قالت أحلام وهي تمسح دموعها المنثالة فوق خديها بهدوء:
    ـ أقسى ما في الوجود أن تصدم فيمن تحب.. أن ترسم في خيالك صورة مشرقة لإنسان عزيز ، ثم يأتي الواقع القذر ليلطخ تلك الصورة الزاهية الجميلة بالأوحال.. فما بالك إذا كان هذا الإنسان العزيز عليك هو قدوتك ومثالك؟.. ما بالك إذا كان هذا الإنسان أباك؟..
    قلت وأنا أشفق عليها من آلام الاعتراف:
    ـ دكتورة أحلام.. لعلك متعبة!..
    قالت في توسل حازم:
    ـ أرجوك.. دعني أكمل.. منذ زمن بعيد وأنا أبحث عن إنسان أبوح له بسري.. أريق أمامه ما في صدري.. أتكلم إليه بصدق وصراحة.. فكن هذا الإنسان ، ولو للحظة ، ثم انس ما سمعته مني أو احتفظ به ، لا فرق..
    همست مستسلما:
    ـ تفضلي وأكملي.. إني أحترم بوحك هذا ، وأصغي إليه..
    أخذت أحلام نفسا عميقا ، ثم أرسلت زفرة ملتهبة ، وقالت:
    ـ عندما حدثت كارثة العمارة المنهارة كنتُ فتاة صغيرة لا أكترث بمثل هذه الأحداث ، ولا ألقي لها بالا ، وعندما كبرت ونضج وعيي وجدتني أحاول فهم ما حدث..
    روت لي أمي قصة العمارة ، وما انتهت إليه المحاكمات بشأنها ، وحدثتني بما كان من الأستاذ سعيد ، وأقنعتني بأن والدي كان مظلوما في هذه القضية ، وأن الصحفي سعيد الناشف كان مغرضا في اتهاماته له ، وعلمتني أن قدر الناجحين والمشهورين أمثال أبي أن يجدوا في طريقهم الحاسدين والحاقدين والأعداء..
    وبقيت هذه القصة بكل تفاصيلها هاجعة في ذاكرتي ، تستيقظ بين الحين والحين في مناسبات عابرة ، ثم تعود إلى أعماق الذاكرة ، وتغيب فيها كحدث عادي كان ومضى ، ولم يتطرق إليَّ الشك يوما بأن والدي نظيف بريء من كل ما ألصقه به الآخرون من اتهامات ، حتى قامت حرب حزيران ، واكتشفت حقيقة أبي!..
    ستسألني: ما علاقة حرب حزيران باكتشاف حقيقة أبي؟!..
    عندما قامت إسرائيل بعدوانها الغادر علينا عام 1967م ، كان والدي يعقد صفقة مهمة في اليابان ، وكنا نعيش هنا في ذعر ، خوفا من القنابل الإسرائيلية التي كانت الطائرات العدوة تلقيها على الأحياء السكنية بوحشية..
    قلت لأحلام وقد نالت ذكرى الهزيمة من هدوئي ، وأورثتني ألما وحسرة:
    ـ أنت تذكرينني الآن بأيام سوداء ، امتزج فيها الألم بالصدمة والذل والهزيمة..
    تابعت أحلام بنبرة حزينة:
    ـ اتصل بنا والدي أثناء الحرب ليطمئن على أحوالنا ، فتحدثت إليه ، وأخبرته بأن إسرائيل تقصف السكان الآمنين ، وتدمر البيوت فوق ساكنيها ، ولا تميز بين منزل أو مدرسة أو مستشفى.. تريد لو تستأصلنا بقذائفها الحاقدة ، وتمحونا عن الوجود..
    هدَّأ والدي من روعي ، ونصحنا أن نحتاط جيدا من الغارات الإسرائيلية ، فلا نغادر الملجأ إلا للضرورة القصوى ، وطلب مني أن أفتح خزينته ، وأخرج كل ما فيها من أوراق وأموال ، وأحتفظ بها معي ، وأخفيها عن العيون جيدا ، فقد خاف والدي آنذاك أن تدمر قذائف الأعداء بيتنا ، وتتلف أوراقه الهامة التي تحوي على عقود ، وأوراق ملكية ، وسندات وإيصالات وغير ذلك من الوثائق الهامة إضافة إلى مبلغ كبير كان يحتفظ به والدي في خزنته للطوارئ العاجلة.. ثم ذكر لي الرقم السري الذي اختاره مفتاحا لخزنته ، وحذرني من أن تقع أوراقه في يد مخلوق ، حتى لو كان أمي..
    ونفذت ما طلبه والدي بالحرف ، فجمعت أوراقه ونقوده في حقيبة ، وحفظتها في مكان أمين من الملجأ ، وأخفيت الأمر عن والدتي ، حتى لا أكون سببا في شجار من الشجارات العنيفة التي كانت تندلع بين أمي وأبي حول مصالحهما وأعمالهما المشتركة..
    وعشنا في الملجأ الفسيح الذي بناه أبي تحت منزلنا أياما قاسية.. نخوض في أخبار الحرب ، ونتلقى أنباء الهزائم بألم وذهول كمن يتلقى أنباء مصرع أفراد أسرته واحدا بعد واحد..
    وابتليت بالأرق والسهاد ، فلم أعد أذوق للنوم طعما ، وجثمت الآلام على صدري كجبل من الشوك ، ووجدت نفسي ذات ليلة في حالة عارمة من اليأس والألم والملل والضجر والضيق.. بحثت عمن يبدد وحشتي بحديث أو حوار ، فألفيت الجميع قد ناموا بعد أن أرهقهم السهر الطويل والقلق المرهق.. فتحت المذياع ، فخدشت سمعي أخبار الهزيمة ، واعتصرت فؤادي الأغاني الحماسية التي تتحدث عن الانتصار في لحظات الانهيار ، وتبشر بالمد المتعاظم في عصر الانحسار.. أغلقت المذياع بعصبية وحنق ، ولولا إشفاقي على النائمين ، لقذفت به على الأرض ، وحولته إلى حطام..
    وخطر لي أن أتفقد أوراق والدي ونقوده ، فمضيت إلى المكان الأمين الذي أخفيتها فيه ، ورحت أتسلى بقراءة الأوراق ، مدفوعة بفضول عادي لمعرفة أملاك أبي وحدود ثرائه..
    وسألتني أحلام فجأة:
    ـ هل كان تصرفي خطأً؟..
    ـ لا أعتقد..
    ـ كان فضولي بريئا من أية نية سيئة..
    ـ أتفهَّم ذلك تماما..
    ـ ليتني لم أفعل..
    ـ لماذا؟
    أطرقت أحلام وقالت:
    ـ لأني عثرت بين أوراق والدي على شهادة المحاسب التي اتهم الأستاذ سعيد والدي بسرقتها من ملفات الشرطة!..
    وفهمتُ كل شيء ، أدركت كم كانت صدمة أحلام بحقيقة أبيها قاسية وأليمة ، سألتها بلهجة مترددة:
    ـ وماذا جاء فيها؟
    قالت أحلام ، وقد توهج وجهها بالحياء ، خجلا مما أتاه والدها من آثام:
    ـ اعترف المحاسب في شهادته بأن والدي كان وراء شح المواد الأولية التي رصدت للمشروع ، وأنه طلب من المهندس المنفذ أكثر من مرة ، ألا يسرف في تسليح البناء ، وروى المحاسب أنه سمع والدي يقول للمهندس بالحرف: "أجدادنا كانوا يعيشون في بيوت من الطين ، فلم تسقط عليهم ، لا أدري لماذا يجب أن نحول بيوتنا إلى قلاع؟!".. , أضاف المحاسب في شهادته بأن المهندس صارحه ذات مرة بأنه غير مرتاح للطريقة التي تسير بها الأمور ، لكنه مضطر للاستمرار في العمل حتى يجمع المهر الباهظ ، وثمن الشقة والسيارة التي وضعتها أسرة فتاته شروطا صارمة لا بد منها للرضاء به كزوج لابنتهم المدللة.
    وصمتت أحلام مستسلمة لتيار متدفق من الدمع ، فرجوتها أن تتمالك أعصابها خشية أن يراها أحد على هذه الصورة ، فيفهم الأمر على غير حقيقته..
    و لاحظ العم درويش بكاء أحلام ، فخفَّ إليها بلهفة الأب الحاني ، وهو يحمل كأسا من الماء ، قال العم درويش وهو يميل نحوها برفق:
    ـ خيرا يا ابنتي ، لماذا كل هذه الدموع؟
    جففت أحلام دموعها ، وقالت:
    ـ لا شيء يا عم درويش ، اطمئن..
    ـ كيف أطمئن وأنا أراك دامعة حزينة؟..
    وأشرت للعم درويش أن اترك الأمر لي ، فانصرف بهدوء ، ولم يلبث أن عاد وهو يحمل كأسا من الليمون ، فوضعه أمام أحلام ، ثم مضى في صمت ، وجلس بعيدا يرمقنا في قلق ، قلت لأحلام:
    ـ أرجو أن تملكي دموعك بعد الآن ، نحن في مجتمع يحب الثرثرة ، ويصغي إليها ، ولن يفهم أحد حقيقة دموعك الطاهرة..
    لمست أحلام في كلامي حرصا وحنانا ، فأومأت شاكرة ، وجعلت تلم شتات مشاعرها ، وتستعيد هدوءها ، تماسكت وقالت بعد صمت قصير:
    ـ منذ العام المشؤوم.. عام الهزيمة ، وأنا أحمل هذا السر في صدري.. لشد ما عذبتني الحقيقة.. فقدت احترامي لوالدي.. فقدت إيماني به.. انكسر داخلي كتمثال من الزجاج ، وتحول إلى شظايا حادة ، تمزقني وتدميني من الداخل.. حاولت أن أنسى.. ضميري رفض أن يسكت.. ظل يلسعني بسياط اللوم والتعنيف.. يهتف بي أن أفعل شيئا.. أي شيء ، لكني ضعفت.. انهزمت.. عشت أيامي التالية كريشة تائهة.. شعرت بأني غصن مكسور.. أحسست بأني لقيطة.. نعم ، لقيطة.. كلقيطتك التي شغلتنا به منذ أسابيع.. عندما كنت أعالج تلك الطفلة كنت أحسدها لأنها أسعد مني حظا ، فهي لم تعرف أباها ، وقد لا تعرفه أبدا ، أما أنا فأعرف من هو أبي وأعرف ما حقيقته.. كان في نظري ملاكا ثم هوى.. هوى كما تهوي الشهب المضيئة ، وتنطفئ في قاع الأرض..
    وسألتُ أحلام:
    ـ ألم تفكري بمواجهته بالحقيقة؟
    ـ لم أجرؤ..
    ـ إلى متى ستسكتين؟..
    ـ لا أدري..
    ـ معك حق ، إنه أبوك على كل حال..
    ـ يبدو أن هناك فرقا بين ما يجب أن يكون ، وما يمكن أن يكون..
    ثم تساءلت أحلام:
    ـ لماذا لم يعد الناس يطيقون البراءة؟..
    ابتسمت كالساخر ، وقلت:
    ـ لأنها شيء غير محسوس.. شيء لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يصرف ولا يوضع في البنك!.. لقد آمن الناس بالمحسوس وكفروا بالمعاني..
    شعورهم بالحياة أمسى حسيا غليظا.. القيم الجميلة لم تعد تبعث الأشواق في نفوسهم.. إنها العودة إلى البدائية الأولى عندما كنت مشاعر الناس بليدة جامدة قاسية كالأدوات الحجرية التي كانوا يستعملونها..
    وأرسل جهاز الإنذار الذي تحمله أحلام عدة إشارات ، فنهضت لتلبي النداء ، قلت لها قبل أن تمضي:
    ـ اغسلي وجهك قبل أن تذهبي ، فالحزن ما زال عالقا فيه..
    ابتسمت ، ومضت ، وأنا أشيعها بنظرات ملؤها الحب والإكبار..
    هذه هي الفتاة التي تستحق أن يموت من أجلها الرجال ، ويقطعوا في سبيلها مفازات المستحيل!..
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 21, 2009 4:29 pm


    ۞ الفصل السابع عشر ۞

    *****************
    بذرة الحب التي ألقتها أحلام في قلبي بدأت تنفض عنها غبار الحيرة والتردد ، وتشق طريقها إلى النور ، وما فتئت تنمو وتكبر حتى أورقت بالأمل ، وأزهرت بالفرح ، وأفعمت أعماقي بعبق ساحر لذيذ.. بشيء كالنشوة.. كالحلم.. شيء غامض يدغدغ النفس بأشواق مبهمة ، ويمنح الروح رقة وخفة وقدرة على التحليق ، وكأنها طائر رشيق يرفرف بأجنحته في دنيا مسحورة ، كل ما فيها جميل وبهيج..
    أهكذا يفعل الحب؟..
    هذا ما راودني ، وأنا أستيقظ صباح اليوم التالي على طيف أحلام ، وهو يمس روحي مسَّاً لطيفا ، ليوقظها من رقادها ، ويطلقها في عالم من الصفاء الحبور..
    وانبثق في أغواري تفاؤل عارم ، فشعرت برغبة للانطلاق .. للعمل.. للقاء الناس.. للضحك.. للطيران.. دخلت على أمي في المطبخ ، ورحت أساعدها في تحضير الطعام ، ثم حملت الأطباق إلى المائدة في خفة ونشاط ، وجلست مع والدي نتبادل الأحاديث كالأصدقاء.. لكأني أتذوق الحياة للمرة الأولى ، منذ متى لم أشهد اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار!..
    قالت أمي وهي تنضم إلى المائدة : لو كنت أعلم أنك ستكون ضيفا علينا هذا الصباح ، لأعددت لك فطورا يليق بك يا دكتوري العزيز..
    وأردف أبي : يا لك من محظوظ.. تعيش في البيت كالضيف المدلل ، ونعامل نحن كمواطنين من الدرجة الثانية..
    ضحكت في زهو كاذب ، وأقبلت على الأكل بشهية عجيبة أثارت دهشة أمي ، ولم يلبث إخوتي أن توافدوا وهم يضحكون ، وانهالوا عليَّ بتعليقاتهم ودعاباتهم..
    ـ انظروا من سيفطر معنا اليوم..
    ـ الدكتور صلاح معنا على مائدة واحدة؟.. غير معقول!..
    ـ لم نرك منذ أسبوع ، فما الذي ذكَّرك فينا اليوم؟!..
    ـ لا تخاطبوه وهو يأكل ، فقد يغص بالطعام..
    ـ تبدو سعيدا هذا الصباح!.. هل منحك مدير المستشفى مكافأة جديدة؟
    ـ بل قولوا : إنه مفلس ، وقد جاء يتقرب إلى أبيه من أجل بعض النقود.
    ـ أطباء آخر زمن.. تراهم منفوشين كالطاووس ، وجيوبهم فارغة كجيوب الفقراء..
    ـ صدقة لله يا محسنين..
    لم أستسلم لدعاباتهم المفعمة بالود ، فكِلْت لهم الصاع صاعين ، وأمطرتهم بمزاح ثقيل ، فتعالت الضحكات البريئة الصافية ، وساد جو صاخب أليف مفعم بالبهجة والسرور..
    واقترب موعد دوامي في المستشفى ، فمضيت إلى غرفتي ، واخترت أجمل ملابسي ، فارتديتها ، وأسرفت في التأنق حتى رضيت عن مظهري وهندامي ، ثم أقبلت على أمي وأنا أصفر في مرح ، فقبلت يدها ورجوتها أن تدعوَ لي ، فضحكت ، ووضعت كفا على كف ، وعلى شفتيها ابتسامة حائرة ، وسؤال صامت عن سر هذا التصرف المرِح الذي قمت به..
    قال والدي وهو يحتسي قهوته : ما هذا الأدب الجمُّ الذي هبط عليك من السماء..
    ردت عليه أمي : ابني مؤدب دائما ، أتغار لأنه قبَّل يد أمه ، و أهمل يد أبيه؟..
    قلت له : لا تحزن ، سأقبِّل يدك أيضا..
    ودنوت لأقبل يده ، فسحبها ، وأخفاها خلف ظهره..
    قال وهو يميل إلى الجد:
    ـ لا أحب أن أرى الرجال وهم يحنون هاماتهم ليقبلوا الأيادي..
    قلت له أحاوره:
    ـ إلا أيادي الآباء..
    ـ ولا حتى أيادي الآباء..
    ـ سأكتفي إذن بالجبين..
    وانحنيت عليه لأقبل منه الجبين ، فمال برأسه إلى الخلف متهربا ، وهو يضحك ، لكني قبَّلته عنوة ، فارتسمت على شفتيه ابتسامة فيها حياء وامتنان..
    قالت كبرى أخواتي متخابثة وهي ترمقني بنظرات ثاقبة:
    ـ تصرفاتك اليوم عسيرة الفهم!
    عطف أخي الأوسط على كلامها قائلا:
    ـ بل قولي عسيرة الهضم..
    قلت كالمرتاب:
    ـ أيها اللئيمان.. ألا تطيقان أن تريا أخاكما الكبير سعيدا هذا الصباح؟..
    قالت أمي وهي ترنو إليَّ في ود:
    ـ الله يسعد أيامك كلها ، اذهب إلى عملك ولا تلق بالاً لدعاباتهم السخيفة..
    قال والدي وهو يتجه إلى أختي بحديثه متظاهرا بالغيظ:
    ـ لكم أكره التحيز.. أمك وأخوك الأكبر دائما متفقان!..
    قالت أختي وهي تحاول الاصطياد في الماء العكر:
    ـ هذا حلف لن يدوم ، غدا تأتي بنت الحلال ، فتخطف صلاح وتجره إلى جانبها ، وتضطر أمي للانحياز إلينا..
    هتفت أمي وهي ترمي أختي بوسادة كانت بجانبها:
    ـ أيتها البومة ، كلامك دائما يقطر بالتشاؤم.. أعاذنا الله من أفكارك السوداء..
    وودعتهم وهم يضحكون ، ثم انطلقت بسيارتي في شوارع المدينة ، وأنا أحس فيها حياة لم ألمحها من قبل!..

    *************

    وصلتُ إلى المستشفى ، وأسرعت إلى غرفتي في جناح الأطباء المقيمين ، فارتديت ردائي الأبيض على عجل ، ثم مضيت في حماس ، ورحت أهبط الدرج بخفة ومرح ، وفي أعماقي شوق جارف لرؤية أحلام..
    واستقبلني هاني ببشاشته المعهودة ، وراح يثني عل أناقتي فيما يشبه اللمز ، ويسألني في خبث عن سر اهتمامي الزائد بنفسي!..
    تجاهلت تعليقات هاني ، ورحت أتجول في الممرات والغرف باحثا عن أحلام.. ولكن أين أحلام؟ لقد مضى على بدء الدوام أكثر من نصف ساعة ، ولم تظهر!.. لو أنها حضرت لصادفتها وهي داخلة أو خارجة أو مشغولة بالمرضى والمصابين!..
    وشعرت بانقباض ممض يقرصني من الداخل ، وتحولت نظراتي من التفاؤل إلى القلق.. سألت عنها ، فأخبروني بأنها قد اتصلت بمدير شؤون الموظفين ، وأعلمته بأنها لن تحضر هذا اليوم ، لماذا غابت يا ترى؟ شغلني هذا السؤال برهة وأنا أفكر في أمر غيابها.. هل تشكو من مرض؟ أم شغلتها مناسبة طارئة؟ إنها طبيبة مثابرة وقلما تغيب! لماذا غابت اليوم بالذات؟..
    ولسعني خاطر مزعج أثار حفيظتي ، وبدد هدوئي.. لعلها نادمة لأنها تسرعت بالبوح لي بما يؤرق صدرها من حقائق وأسرار!.. هذا ممكن جدا.. فأحلام الرقيقة المرهفة ، لا تستطيع أن تبدو أمامي ابنة مجرم.. هذا الإحساس لابد أنه يعذبها.. قد يجعلها تندم على اعترافها لي ، ولكن.. أنا لم أجبرها على الاعتراف!.. كان بإمكانها أن تحتفظ بالسر الخطير الذي أطلعتني عليه ، وتدفنه في صدرها ، لكن أعماقها الطاهرة لفظت هذا السر.. لم تستطع أن تخفيه إلى ما لا نهاية ، أرادت أن يحمله معها إنسان آخر ، وكنت أنا هذا الإنسان..
    وتفاقم القلق في أعماقي ، وعصف غياب أحلام بكل الأفراح التي كانت ترفرف داخلي ، فأظلم المستشفى في عيني ولم أعد أطيق البقاء فيه..
    انتبه هاني إلى التغير الذي طرأ عليَّ ، فراح يسألني عن سر اضطرابي ووجومي ، لم يكن هناك ما أجيب به..
    قلت له فجأة:
    لن أداوم اليوم ، سأذهب لأوقع إجازة..
    نظر هاني إليَّ في دهشة ، وتساءل:
    ـ لماذا الإجازة؟ منذ قليل حضرت إلى المستشفى بنفس مفتوحة ، وحماس للعمل!..
    رمقتُ هاني بغضب ، شعرت بأنه قد فهم سر اضطرابي فأراد أن يحرجني بالسؤال ، هتفت بعصبية ظاهرة:
    ـ لا أريد أن أداوم اليوم ، هل هناك مانع؟
    ضحك هاني وقال:
    ـ أنت تتصرف اليوم كطفل ، أحلق شاربي هذا إن لم يكن وراءك سر..
    قلت وأنا أمضي:
    ـ أنت لا تتقن سوى الثرثرة..
    هتف هاني وهو يتحول إلى الجد:
    ـ صلاح لا تستطيع أن تغيب اليوم ، بعد ثلاث ساعات سينتهي دوام الأطباء الذين يعملون معي ، ولن يبقى في القسم أحد غيري..
    استدرت ووقفت مترددا ، قلت له بعد تفكير قصير:
    ـ ثلاث ساعات تكفي.. سأعود..

    وغادرت المستشفى بغير الوجه الذي جئت به إليه ، تطاردني وحشة خانقة ، أحسست لأول مرة في حياتي أني وحيد ، لا تربطني بهذا العالم سوى فتاة واحدة اسمها أحلام..
    وانطلقت بسيارتي في شوارع المدينة الصاخبة أبحث عن مخرج من هذه الوحدة القاتلة التي راحت تضيق ، وتضيق ، حتى كادت تسحق فؤادي بين جدارنها المظلمة..
    هل حدث كل هذا لأني افتقدت أحلام؟..
    وعادت الهواجس المزعجة تجوس في نفسي ، وتزرعها بالقلق والضيق..
    لماذا غابت أحلام؟.. أتكون حقا نادمة على بوحها لي؟.. مسكينة هذه الفتاة ، كم تعاني!..
    وقفزت إلى ذاكرتي كلمات أحلام الحزينة ، فَرُحْتُ أسترجعها كلمة كلمة.. "حاولت أن أنسى لكني لم أقدر.. ضميري رفض أن يسكت.. ظل يلسعني بسياط اللوم والتعنيف.. يهتف بي أن أفعل شيئا.. أي شيء.. لكني ضعفت.. انهزمت.. عشت أيامي التالية كريشة تائهة.. شعرت بأني غصن مكسور.. أحسست أني لقيطة!.. نعم لقيطة.. كلقيطتك التي شغلتنا به منذ أسابيع"..
    وتداعت خواطري فحملتني إلى الطفلة اللقيطة التي شغلني لغزها زمنا غير قصير ، وراودتني فكرة زيارة الطفلة فتحمست لها ، واتجهت بسيارتي إلى ملجأ الحنان للأيتام ، لأطمئن عليها..
    وصلت إلى الملجأ ، ومضيت إلى مكتب الإدارة ، فوجدت فيه امرأة كهلة تقوم على إدارته ، رمقتني المديرة من فوق نظارتها المنكسة ، ثم رفعت نظارتها ، وأحكمت وضعها فوق عينيها ، وهمست فيما يشبه السؤال:
    ـ تفضل..
    قلت وأنا أتقدم منها بهدوء:
    ـ الدكتور صلاح الحكيم..
    ـ أهلا بك ، هل من خدمة؟
    تلعثمت فجأة ، ولم أجد الصيغة المناسبة لإبداء رغبتي:
    ـ أريد أن.. في الحقيقة.. جئت في الواقع للسؤال عن طفلة لقيطة حدث أن حولناها لكم منذ أسابيع ، أريد الاطمئنان عليها فقط!..
    سألتني بلهجة حازمة:
    ـ هل أتيت لتطمئن عليها بصفة رسمية؟
    بوغت بالسؤال ، فأجبت:
    ـ لا . أبدا..
    رمقتني بنظرة لا تخلو من الشك ، فضولي ليس من النوع المستساغ!..
    سارعت لتبديد شكوكها..
    ـ كل ما في الأمر أني كنت موجودا عندما أحضروها إلى المستشفى ، وكان لقصتها أثر في نفسي ، فجئت اليوم لأطمئن عليها..
    كلماتي لم ترفع وشاح الشك عن نظراتها.. قالت وهي تشملني بنظرة فاحصة:
    ـ شعور طيب منك يا دكتور أن تسأل عن طفلة بريئة أهملها أبواها.. هل تعرف اسمها؟
    ـ في الحقيقة جئت إلى هنا عفوا دون سابق تخطيط ، لكني إذا راجعت استمارات النزلاء لعرفتها على الفور..
    قالت وهي تطوي ورقة كانت قد انتهت من لتوها من كتابتها:
    ـ لكن استمارات النزلاء سر من أسرار الملجأ ، لا يجوز لأحد الإطلاع عليها..
    قلت في محاولة أخيرة:
    ـ على أية حال هي طفلة معروفة ، إنها الطفلة التي وجدت ملقاة في حديقة مسجد الإخلاص ، وقد أعلن عن اكتشافها في جريدة الأيام ، لابد أنك تذكرينها..
    نظراتها لم تمنحني صك البراءة بعد ، لكنها دخلت معي في هدنة مؤقتة حتى تعرف نهاية فضولي ، ضغطت على زر كهربائي بجانبها ، فانطلق من خارج الغرفة رنين قريب ، ما لبث أن جاء على صوته رجل كهل يعمل مستخدما في الدار..
    ألقت المديرة أوامرها بلهجة صارمة:
    ـ محمود.. دل الدكتور على الطفلة بارعة . إنها في القاعة الثالثة عند الآنسة نورا..
    تساءلت بغير قصد:
    ـ هل سميتموها بارعة؟
    قالت المديرة بنبرة جافة وهي تعود إلى أوراقها:
    ـ لابد لكل إنسان من اسم يعرف به..
    لهجتها لم تعجبني ، شكرتها ببرود ، ومضيت مع العم محمود إلى المكان الذي ذكرته له ، فقادني إلى قاعة فسيحة ، تصطف على جانبيها أسرَّة الأطفال.
    استقبلتنا الآنسة نورا المشرفة ، شيء ما تحرك داخلي نحو الآنسة نورا!.. وجدت في ملامح وجهها ملامح وتعابير مألوفة أذكر أني رأيتها من قبل!.. ولكن أين؟ لا أدري!.. رحبت بنا الآنسة نورا بابتسامة لطيفة سرعان ما خبت عندما رأتني ، مما عزز عندي شعوري بأننا قد التقينا في مناسبة سابقة!..
    قال العم محمود للآنسة نورا:
    ـ الدكتور يريد الاطلاع على حالة الطفلة بارعة ، المديرة أوصت بذلك..
    تقلصت ملامح الآنسة نورا ، وعاث القلق في عينيها ، وبدت كالتي وخزها مغص أو ألمَّ بها وجع!.. و ندَّ عنها تساؤل هامس لم أجد له معنى:
    ـ بارعة؟
    تدخلت موضحا:
    ـ نعم . الطفلة التي جاءتكم من مستشفى ابن النفيس ، لقد كنت أحد الأطباء الذين ساهموا في الإشراف على علاجها ، وقد أحببت أن أطمئن عليها..
    كان استقبال الآنسة نورا لكلماتي غامضا! بدت مستاءة أو مضطربة ، استرجعت كلماتي لأتأكد إن كان فيها ما يسيء ، فلم أجد أني قد تفوهت بكلمة نشاز!..
    قالت الآنسة نورا بنبرة شابها شيء من الارتباك:
    ـ تفضل معي..
    مضيت خلفها وأنا أكابد حيرة مزعجة ، حملت الآنسة نورا الطفلة بارعة برفق ، وقدمتها لي ، تناولت الطفلة ، وجعلت أتأملها بإعجاب.. لقد تحسنت صحتها تحسنا واضحا ، وأشرق وجهها بوسامة فاتنة وجمال باهر.
    رنت الطفلة بعينيها الزرقاوين وكأنها ترنو إلى صديق ، ورفرفت على شفتيها ابتسامة عذبة.. لكأنها تعرف من أنا ، وتدرك مدى اهتمامي بها!.. وانتظمني تيار من الحنان ، فانحنيت على الطفلة وقبلتها ، ثم التفت إلى الآنسة نورا لأشكرها على رعايتها الممتازة لأطفال الملجأ ، فوجدتها ترمقني بعينين دامعتين..
    تعلقت نظراتي بدموع الآنسة نورا.. هذا الوجه ليس غريبا عني ، وهذا الجمال الذي يتوهج بأشعة الحزن له جذور في ذاكرتي! ولكن.. متى كان اللقاء وأين؟.. انتبهت الآنسة نورا لنفسها ، فاستدارت ، ذات اليمين ،وكفكفت دموعها بصمت ، همست مثنيا:
    ـ أنت رقيقة أكثر مما ينبغي يا آنسة.. شيء جيد أن توفر الدار مشرفات يملكن هذا القدر من الحنان ورهافة الحس.
    شكرتني الآنسة نورا بصوت متهدج ، وانفلتت هاربة تخنقها الدموع..
    قلت للعم محمود:
    ـ هل أنا أول إنسان يقبل طفلة في ملجئكم هذا؟!..
    ضحك العم محمود وقال:
    ـ لست الأول ولا الأخير ، لكن الآنسة نورا فتاة رقيقة ، ودمعتها سريعة.. إنها فتاة طيبة تعمل بجد ونشاط ، وتمنح الأطفال رعاية فائقة ، وكأنها أمهم التي أنجبتهم..
    قلت وأنا أعيد الطفلة إلى سريرها:
    ـ هذا الملجأ يقوم بجهد مشكور..
    ثم مضيت بصحبة العم محمود إلى مكتب المديرة ، لأشكرها ، وأودعها..
    طرقت باب المديرة ، ودخلت ، فوجدت الآنسة نورا عندها , شعرت بأن دخولي قد زرع الصمت في أرجاء الغرفة ، وقمع شفاها كانت تتداول حديثا خاصا ما كنت لألحظ أهميته ، لولا الاضطراب الذي طرأ على كلتا المرأتين لدى دخولي المفاجئ!..
    فما إن دخلت حتى تشاغلت المديرة بالكتابة ، وراحت الآنسة نورا تداري ارتباكها بتقليب صفحات مجلة التقطتها فجأة من فوق منضدة قريبة!..
    قلت وأنا أكابد شعورا بالذنب:
    ـ آسف , لقد دخلت دون استئذان ، أرجو أن تعذراني..
    قالت المديرة:
    ـ ليس هناك ما يدعو للاعتذار ، هل اطمأن قلبك على الطفلة؟..
    ـ أريد أن أعبر عن تقديري للعناية الفائقة التي يلقاها الأطفال في هذا الملجأ..
    تبادلت المديرة نظرة مع الآنسة نورا ، ثم قالت:
    ـ الفضل يعود إلى المشرفات القديرات اللواتي يقمن بواجبهن على أتم وجه..
    قلت وأنا أرمق الآنسة نورا باحترام:
    ـ إني أعترف.. من خلال الآنسة نورا على الأقل!..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 21, 2009 4:32 pm


    ۞ الفصل الثامن عشر ۞

    *****************
    انتهت إجازتي القصيرة ، فعدت إلى المستشفى وقد تخففت من بعض الغم الذي أصابني به غياب أحلام..
    وجدت هاني يتجول بين المرضى ، ويتفقد أحوالهم ، فلما رآني ، أقبل نحوي ، وهو يبتسم في مكر ، قال كالشامت:
    ـ أنا سعيد لأنك لم تحظَ بإجازة أطول..
    ابتسمت لدعابته ، وسألته:
    ـ هل هناك حالات جديدة؟
    أجاب وهو يمضي معي في الممر الطويل:
    ـ الأمن مستتب في أرجاء المستشفى ، وعزرائيل في هدنة مع البشر ، في هذه النقطة من العالم على الأقل..
    ـ يا لك من متشائم! ألم تفكر إلا في عزرائيل؟..
    ـ الموت حق يا عزيزي..
    ـ لن تحزر أين كنت منذ قليل!.
    رمقني هاني برهة ثم قال:

    ـ لن تصل إلى المريخ في ثلاث ساعات طبعا ، أين كنت؟
    ـ في دار الحنان للأيتام..
    هتف هاني في دهشة:
    ـ دار الحنان!.. هل تقصد..
    ـ نعم ، كنت في زيارة الطفلة اللقيطة..
    ـ أما زلت تذكرها؟..
    ـ خطرت على بالي فجأة ، فذهبت لزيارتها..
    قال هاني وهو يهز رأسه في حيرة:
    ـ أحيانا لا أستطيع فهم تصرفاتك!.. أتيت هذا الصباح فرحا ، وخرجت غاضبا ، وها أنت تعود لتقول لي بأنك كنت في زيارة الطفلة اللقيطة. وراءك قصة خطيرة يا فتى!.. أتمنى لو أعرفها..
    ثم أردف هامسا ، وهو يميل على أذني:
    ـ لعلك والد الطفلة اللقيطة! اعترف ، فسرُّك محفوظ..
    لكزته في صدره وقلت:
    ـ كفَّ عن هذرك ، وتكلم بجد..
    تضاحك وقال:
    ـ في الحقيقة أصبحت أشك فيك.. ثمة قاعدة علمية يتبعها المحققون لمعرفة الجاني ، تكاد تنطبق عليك..
    ـ وما هذه القاعدة أيها المحقق الأريب؟
    قال هاني في تردد قبل أن ينفجر ضاحكا:
    ـ المجرم يحوم دائما حول جريمته.
    تهيأت للانقضاض عليه للي ذراعه وإجباره على التوقف عن هرائه ، لكنه أحس بنيتي فلاذ بالهرب ، قال وهو يتراجع أمامي بخطوات حذرة:
    ـ إياك أن تلجأ إلى العنف ، كن ديموقراطيا وتقبل النقد بروح رياضية. زيارتك للطفلة تحمل أكثر من تفسير!.
    ضحكت وسألته:
    ـ لماذا مِلْتَ إلى هذا التفسير السيء؟.
    توقف ، وقال ، وقد آنس مني الأمان:
    ـ في زمان كهذا لا ينفع الظن الحسن ، حتى تفهم الناس يجب أن تسيء بهم الظن.
    تنهدت وقلت بنبرة تميل إلى الجد:
    ـ هاني.. لاحظت اليوم في الدار شيئا غريبا لم أستطع تفسيره!.
    توقف هاني فجأة وقال:
    ـ إياك أن تكون قد انشغلت بلغز طفلة جديدة!.
    ـ لا ، لا ليس كذلك.. الموضوع يتعلق بالمشرفة التي تتولى رعاية بارعة.
    ـ بارعة!.. من بارعة؟..
    ـ إنها الطفلة اللقيطة ، سموها بارعة.
    ـ وما بال المشرفة؟.
    ـ لقد اضطربت كثيرا عندما عرفت أني أتيت للاطمئنان على الطفلة ، كان في عينيها قلق مبهم ، شعرت وكأنها تتهرب مني ، كأنها لا تريد أن أراها أو أحادثها..
    سألني متخابثا:
    ـ هل هي جميلة؟
    هتفت مغتاظا:
    ـ كف عن هذرك يا هاني ، لا يستطيع الإنسان أن يبحث معك في أمر!
    ـ أنا لا أمزح ، لعلها كانت جميلة فأربكتها نظراتك..
    ثم قال وهو يغمز بعينه اليمنى ويهز رأسه كالنشوان:
    ـ لابد أنها جميلة ، أراهن على ذلك.
    ـ لا أنكر أنها جميلة ورقيقة ، لكني مؤدب أكثر منك ، ولا أحب محاصرة الفتيات الجميلات بنظراتي مثلك.
    ضحك هاني وقال:
    ـ ما الذي يجعل إنسانه لا تعرفها ولا تعرفك تشعر بالاضطراب لرؤيتك وتتهرب منك؟!..
    ثم أردف وقد ظن أنه أوقع بي بسؤاله:
    ـ أجب دون إبطاء..
    ابتسمت وقلت:
    ـ ليس الأمر هكذا تماما ، افهمني جيدا يا هاني ، أعتقد أن هذه الفتاة تعرفني ، أذكر أنا التقينا من قبل!..
    قال هاني في دعابة:
    ـ مبلغ علمي أنك لا تقابل النساء إلا في هذا المستشفى ، إلا أن تكون قد..
    لم أدع هاني يكمل ، فقد أيقظت كلماته ذاكرتي ، هتفت وأنا أمسك بهاني من كتفيه:
    ـ هاني ، إنها هي.
    تساءل في حيرة:
    ـ من هي؟
    أعتقد أني قد أمسكت بطرف خيط.
    ـ عم تتحدث؟
    قلت وأنا أمضي بخطوات متسارعة:
    ـ إن صدق ظني فهذه الفتاة لها علاقة بالطفلة اللقيطة ، يجب أن أتحقق من ذلك.
    توقف هاني ، وقال حانقا:
    ـ والدوام؟
    ـ لن أتأخر.
    ـ صلاح.. أنت مجنون.
    ـ حتى يثبت العكس.
    أردف هاني بصوت أعلى:
    ـ أنت مجنون.. مجنون..
    لم أحفل بكلمات هاني . كان همي الوحيد أن أصل إلى دار الحنان للأيتام لمعرفة سر الآنسة نورا.. إنها هي بلا شك ، لقد تذكرتها تماما ، هي ذاتها المرأة الشابة التي زارتني في المستشفى بعيد قدوم الطفلة اللقيطة بدقائق, نظراتها يوم ذاك لم ترتفع عن الطفلة ، تزامن وصولها إلى المستشفى مع وصول الطفلة تقريبا ، والجرح البسيط الذي تذرَّعت به للحضور إلى المستشفى قبل شروق الشمس ، وأنداء الدمع التي كانت ما تزال عالقة بعينيها الحزينتين ، ثم الاضطراب الواضح الذي اعتراها عندما رأتني في دار الأيتام ، والتأثر الذي فاض بها عندما لاحظت حنوّي وإشفاقي على الطفلة.. كل هذه الملاحظات تحيط الآنسة نورا بدائرة قوية من الشك!!.
    وانطلقت بسيارتي أطوي المسافات إلى دار الحنان ، لأضع حد للغز الطفلة اللقيطة ، وأنهي دوامة الفضول الجارف الذي استغرق وقتي وتفكيري ، ثمة سؤال داهمني وأنا في ذروة الاندفاع.. افرض أنها هي ، ماذا ستفعل؟ ماذا ستستفيد من مواجهتها بالحقيقة؟ وإذا أنكرت.. كيف ستدفعها إلى الاعتراف؟ رفعت قدمي عن دعسة البنزين ، وتركت السيارة تتهادى على الطريق ، شعرت فجأة بأني أعبث ، أمارس لونا من المراهقة ، أحشر نفسي في أمور شائكة ليست من شأني..
    وخطرت لي فكرة..
    لماذا لا أتجه إلى الشرطة ، وأضع شكوكي بين يديها ، وأترك لها مسؤولية معالجة هذا الأمر بما تملكه من وسائل وسلطات؟..
    وسرعان ما تهاوت هذه الفكرة أمام مبرر قوي ومقنع.. ماذا لو كانت شكوكي مجرد أوهام؟.. في هذه الحالة سأنسب للآنسة نورا إساءة بالغة تمس سمعتها وكرامتها ، فالشبهة في مجتمعنا أضحت إدانة ، والناس يبحثون عن قصة للثرثرة ، وليس من العدل أن أعرض سمعة هذه الإنسانة للخطر قبل أن أتأكد من حقيقتها ، وترددت طويلا ، وكدت أدور بسيارتي باتجاه العودة ، ولكن طيف الطفلة اللقيطة لمع في خيالي فجأة ، تراءت لي وهي تمد يدها إليَّ في توسل ، والدموع تغرق وجهها الباكي الحزين ، ترجوني أن أنقذها من الشقاء الذي ينتطرها ، تسألني أن أصلها بجذورها المفقودة ، فلا أقسى من أن يتفتح وعي هذه الطفلة البريئة ، لتجد نفسها بلا جذور!..
    واخترت طريقي هذه المرة في حزم..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الأربعاء يناير 21, 2009 4:37 pm


    ۞ الفصل التاسع عشر ۞

    *****************
    وصلت إلى دار الحنان للأيتام ، واندفعت إلى الداخل بخطوات سريعة ، لأواجه الآنسة نورا بشكوكي ، وأفجر الاعتراف في فمها المغلق..
    صادفت العم محمود في طريقي فنظر إليَّ في دهشة ، ورحب بي ترحيبا باردا لا يخلو من الدهشة!.. منذ قليل كنت معه ، فلماذا عدت؟ سؤال منطقي لا ألومه عليه ، جاملته بتحية سريعة ، وانعطفت إلى ممر جانبي حيث تقع القاعة الثالثة التي تشرف عليها نورا ، دخلت القاعة ، فلم أجدها ، وجدت مشرفة أخرى!..
    أدركت أن الآنسة نورا ما تزال في غرفة المديرة ، الحديث الغامض الذي دفن بالصمت عندما دخلت على المديرة آخر مرة ، أوحى لي بأن المديرة قريبة من نورا ومطلعة على أسرارها..
    طرقت باب المديرة ودخلت ، لا يوجد في الغرفة سوى المديرة!.. حدجتني المديرة بنظرة تفيض بالدهشة والغضب ، سألتها دون مقدمات:
    ـ أين أجد الآنسة نورا؟
    ـ ماذا تريد منها؟
    ـ موضوع خاص..
    قالت بنبرة فيها جد وصرامة:
    ـ دكتور.. أرجو أن تلاحظ بأن هذه مؤسسة رسمية ، والتردد عليها دون مبررات واضحة شيء غير مستحب!.
    صدمتني المديرة بكلماتها ، ووقفت حائرا لكن فضولي دفعني للمغامرة..
    ـ سيدتي إني أتفهم كل ما تقولين ، لكني مُصِرٌّ على مقابلة الآنسة نورا..
    ـ الآنسة نورا مجازة.
    ـ مجازة؟!.. متى تعود؟.
    ـ قد لا تعود..
    ـ لكنك قلت بأنها مجازة!
    ـ هي مجازة لدراسة إمكانية استمرارها في الدار أو عدمه.
    ـ لماذا؟..
    نفد صبر المديرة ، قالت وهي ترمقني بنظرة قاسية:
    ـ لديها ظروفها.. هل من خدمة أخرى؟..
    غادرت غرفة المديرة مهزوما ، أكابد شعورا مزعجا بالخيبة والإخفاق ، هل أصل إلى طرف الخيط ثم يضيع مني؟.. لا أستطيع التسليم بهذه النتيجة!.. وجدت العم محمود جالسا أمام الباب يتفحصني بنظرة متطفلة تريد أن تفهم سر تصرفاتي..
    "آه.. العم محمود يمكن أن يساعدني"..
    هذا ما خطر لي ، وأنا أتجه نحوه ، قلت له وأنا أقف أمامه كالحائر:
    ـ عم محمود.. أريد أن أقابل الآنسة نورا ، كيف السبيل إلى ذلك؟
    أجاب العم محمود بلهجة صادقة:
    ـ الآنسة نورا غادرت الدار منذ ساعة تقريبا ، بعد خروجك بقليل.
    ـ هل تعرف عنوانها؟
    ـ لا أحد يعرف عنوانها ، إنها مشرفة جديدة ، ولا نعرف الكثير عن حياتها خارج الملجأ.
    هذه معلومة جديدة!. إذا كانت نورا حديثة العهد بالدار ، فلماذا تفكر في ترك العمل. هل أكون أنا السبب في خشية نورا من الاستمرار؟..
    أردت أن أكشف بعض الغموض الذي بدأ يزداد ، سألت العم محمود وأنا أجلس بجانبه:
    ـ هل هي قريبة المديرة؟
    ـ لا.. ليست قريبتها.. لكن المديرة تعاملها معاملة خاصة.
    ـ لماذا؟!.
    قال العم محمود وهو يبدي جهله ببواطن الأمور:
    ـ كل ما أعرفه أن الآنسة نورا جاءتنا منذ أسابيع ، وطلبت مني أن أدلها على مكتب المديرة ، ثم دخلت عليها وجلست معها قرابة نصف ساعة ، نادتني المديرة بعدها ، وطلبت مني أن أدل الآنسة نورا على القاعة الثالثة ، لتستلم فيها عملها كمشرفة متطوعة.
    أحسست أن المديرة تخفي أمورا دقيقة ، وتصدني عن بوابة الحقيقة بقسوة..
    ضربت فخذي بكفي ، والغيظ يأكل صدري ، قلت بنبرة قهر:
    ـ مديرتكم هذه قاسية وشديدة!..
    قال العم محمود:
    ـ هي شديدة كما تقول ، لكنها طيبة جدا.. أطيب امرأة شاهدتها في حياتي..
    هتفت حانقا:
    ـ لكنها لا تهضمني.. تضطهدني.. تعاملني بقسوة!.
    ـ أنت مخطئ يا دكتور ، السيدة المديرة تحترمك جدا.
    فاجأني بهذا القول! كيف تسنى للعم محمود أن يلاحظ هذا الاحترام ويستنتجه ، ومعرفتي بمديرته لا يتجاوز عمرها ساعات قليلة؟!..
    ظننت أن العم محمود من النوع الطيب الذي يأخذ على عاتقه تبديد الشكوك بين الناس ، والتقريب بين النماذج المتنافرة ، نظرت إليه في دهشة ، لكنه أمعن في التأكيد ، وقال:
    ـ بعد أن خرجت من هنا قبل ساعة تقريبا ، طلبت مني المديرة أن أحضر فنجاني قهوة ، لها وللآنسة نورا ، وعندما دخلت عليهما بالقهوة ، سمعت المديرة تقول للآنسة نورا:
    "هذا الدكتور إنسان نبيل فعلا ، كيف تخطر له طفلة كبارعة دون أن تمتَّ له بقرابة أو صلة؟."
    تساءلت في دهشة ، وأنا لا أكاد أصدق:
    ـ أهي قالت ذلك حقا يا عم محمود؟!.
    رمقني العم محمود في عتاب ، وقال:
    ـ سامحك الله.. هل تعتقد بأني أخترع كلاما من عقلي؟
    ـ عفوا.. لم أقصد.
    قاطعني وتابع يروي:
    ـ ردت الآنسة نورا على المديرة قائلة: "لأول مرة في حياتي أصدق بأن هناك رجلا طيبا في هذا العالم!".
    تساءلت في حيرة:
    ـ لماذا تظن الآنسة نورا بأني أول رجل طيب تصادفه في حياتها؟!..
    ضحك العم محمود وقال:
    ـ هي هكذا.. تكره الرجال وتحقد عليهم ، ولولا أني في سن والدها لم نجوت من معاملتها الفظَّة التي تعامل بها الرجال!.
    أطرقت مستسلما لتيار من الفكر ، فانتهز العم محمود فرصة صمتي ، وغاب قليلا ثم عاد يحمل لي فنجانا من القهوة ، قال وهو يصل ما انقطع من حديثه:
    ـ اطمئن يا دكتور.. المديرة طيبة جدا والآنسة نورا طيبة أيضا ، لكنها مسكينة.. لقد قابلت في هذه الدار مشرفات كثيرات ، فلم أجد فيهن من هي أكثر عطفا وحنانا على هؤلاء الأيتام.. إنها بنت رقيقة ، دمعتها غلابة تبكي لأبسط الأمور ـ كما لاحظتها اليوم ـ وهي تقضي وقتها في رعاية الأطفال ، ترعاهم وتهتم بهم وكأنهم أبناء رحِمها ، وتحنو عليهم كأم رؤوم..
    معلومات العم محمود قدمت لي أجزاء مهمة من الحقيقة ، ثمة بعض المعالم الضائعة التي تنقصني حتى تكتمل أمامي الصورة ، وتنسجم أجزاؤها المتناثرة ، وحضرني سؤال:
    ـ ألم تلاحظ بأن الآنسة نورا كانت تهتم بطفل أو طفلة دون غيرها من الأطفال؟..
    رفع العم محمود حاجبيه دهشة ، وقال:
    ـ هذا سؤال لم يخطر لي ببال..
    ثم أردف في حيرة وقد لاحت في نظراته بوادر شك:
    ـ ولكن.. لماذا تسأل كل هذه الأسئلة؟
    ـ أسئلتي تجاوزت حدود المعقول. بدأت تثير فضول العم محمود وشكوكه.. شعرت بأن أزمة ثقة توشك أن تنشب بيننا ، بيد أني ارتحت قليلا عندما أدركت أن تفكير العم محمود ذهب باتجاه بعيد..
    قال العم محمود وهو يميل نحوي كمن يناجي صديقه بسر:
    ـ هل في الأمر موضوع خطبة أو زواج؟..
    استفدت من هذا الاتجاه الخطأ ، الذي فكر به العم محمود ، فقلت وأنا أهم بالنهوض:
    ـ لا أحد يعرف أين يكون النصيب يا عم محمود!.
    انفرجت أسارير العم محمود ، و رفَّت على شفتيه ابتسامة وادعة ، ثم همس في أذني بنبرة ودودة:
    ـ لقد أحسنتَ الاختيار ، أنت تستحق كل خير.
    شكرت العم محمود ، وغادرته بسرعة قبل أن يقذفني بسؤال آخر..
    بتُّ الآن أكثر اقتناعا بأن نورا هي والدة الطفلة اللقيطة ، ولكن.. أين نورا؟!..
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الإثنين يناير 26, 2009 7:05 pm


    ۞ الفصل العشرون ۞

    ****************
    قضيت بقية النهار بنفس عاث فيها الكدر ، وتنازعتها الأسئلة والأفكار ، فتمزقت بين الشوق إلى أحلام التي غابت فجأة دون سبب مفهوم ، والتفكير بنورا المغلفة بالغموض!. وشعرت بحاجة ملحّة للوحدة والراحة والاسترخاء ، لكن كثرة الحالات التي وردت إلى قسم الطوارئ لم تسمح لي بوقت هادئ ، وحانت فرصة الأصيل ، فحملت جهاز الإنذار الذي يصلني بالمستشفى ، ومضيت إلى الحديقة ، لألقي بجسدي المتعب فوق صدرها الأخضر الموشى بالأزاهير
    ثمة عصفور زاهي الألوان يلجأ إلى الحديقة مثلي.. يزورها بين الحين والحين.. ينتقل بين أغصانها المتعانقة ، ويعزف ألحانا عذبة تنساب من منقاره الدقيق لتطرب القلوب والأسماع. أين أنت يا عصفوري الجميل؟.. هلم إلي لتثري هذا الأصيل بلحن عذب من ألحانك الرقيقة.. الصمت الثقيل يحوّل هدوء الحديقة إلى طقس من طقوس الموت.. هلم يا صديقي الطائر ، تعال وغرد ، وبدد بألحانك الجميلة هذا الصمت الذي يكتم الأنفاس!..
    ـ وست وست.. وس وس وس وست..
    ها هو صديقي العصفور قد جاء ، وفي صدره باقة جديدة من الألحان ، جاء في الوقت المناسب وكأن روحه الصغيرة قد أصاخت السمع لاستغاثات روحي ، فاستجابت لندائها الصامت , حديث الأرواح لا تسمعه إلا الأرواح الصديقة الودودة..
    تعال أيها العصفور لنعقد صداقة من نوع فريد..
    ـ وست وست..
    هل أفهم من هذه الجملة الموسيقية أنك موافق؟!..
    ـ وست وست..
    موافق إذن ، لكنك ـ للأسف ـ لن تفهمني!.. ما قيمة الصديق إذا لم يفهم صديقه ، ويستشف ما وراء صدره من آلام وأحلام!؟.. إذا بحت لك أيها العصفور بما يثقل صدري ، لظننتني أغرد مثلك على طريقة البشر؟.. ليت العصافير تتكلم مثلنا.. تحدثنا ونحدثها.. نبثها أحزاننا ، ونشكو لها آلامنا.. نبوح لها بما يؤرقنا.. نبوح بطلاقة وحرية دون أن تثقل بوحنا المخاوف والمحاذير والاعتبارات البشرية المعقدة.. نبوح وكأننا نتحدث مع أنفسنا ونخاطب ذواتنا..
    آه من هذا العالم. نضب منه الأصدقاء ، غاروا كالماء الذي ينسرب في رمل الصحراء ، هل تفهم يا عصفوري معنى أن يبحث إنسان عن صديق له في عالم العصافير؟ لن تفهم.. خير لك أن لا تفهم ، فروحك الصغيرة لن تتحمل الحقائق المرّة التي تقذف بها الحياة أرواحنا المتعبة ، لن تطيق ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.. روحك الصغيرة أيها العصفور الصغير الوديع سترفض عالمنا المريض الذي سادته الذئاب.. ستنفجر وتتمزق وهي ترى الوجه الآخر لحضارة المادة. ستستعذب الموت على حياة أقفرت من القيم ، وتحجرت فيها المشاعر ، ونعقت فيها الغربان..
    ظن العصفور أني أداعبه بهذه الكلمات ، فدبَّ فيه المرح ، وجعل يقفز من غصن إلى غصن ، وهو يغرد مزهوا بنفسه ، فتركت مسامعي تغتسل بغنائه العذب وبالغت في الاسترخاء..
    ثمة صوت آخر غرد في سمعي فجأة ، فأيقظت همساته الرقيقة قلبي ، وحركت في نفسي أشواقا لذيذة. نهضت واستدرت برأسي نحو مصدر الصوت ، ثم هتف كالملهوف الذي أنهكه العطش:
    ـ أحلام!!.. أهلا بك..
    لهفتي وجدت صداها على الفور ، قالت وهي تداعب بين أناملها الرقيقة وردة حمراء اللون:
    ـ كنت أعرف أني سأجدك هنا.
    سألتها في عتاب رقيق:
    ـ لماذا غبتِ؟.
    ـ لعلك تقصد لماذا أتيت؟
    ـ حقا!.. فهمت أنكِ لن تأتي اليوم.
    اختارت أحلام كرسيا قريبا من الكراسي المتناثرة في أرجاء الحديقة ، فجلست عليه..
    ـ أما لماذا غبت اليوم فلست أدري السبب!.. شعرت هذا الصباح بكآبة ممضة ، ولم أجد في نفسي حماسا للعمل ، فاعتذرت عن الحضور.
    ـ ثم قطعت إجازتكِ فجأة!..
    ـ هذا ما حدث.. حاصرني ملل وضيق ، فأحسست بأن جدران البيت تلفظني ، فلجأت إلى المستشفى لأبدد الفراغ بعمل مفيد.
    قلت وأنا أتربع فوق بساط الحشيش الأخضر:
    ـ لقد كان هذا اليوم صعبا عليَّ أيضا.
    ـ قالوا لي : أنك غادرت المستشفى مرتين هذا الصباح ، وأخبروني بأن هاني كان غاضبا جدا.
    ضحكتُ..
    ـ لقد قسوت عليه فعلا ، اغتصبتُ من وقت راحته أكثر من ساعتين ، لكني وعدته أن أناوب عنه في مناسبة قادمة.
    سألت أحلام:
    ـ هل وردت اليوم حالات كثيرة..
    ـ كان الصباح هادئا كما أخبرني هاني ، لكن ساعات الظهر كانت حافلة بالعمل.. استقبلنا ثلاث حوادث طرق في أقل من ساعة!.
    قالت وهي ترنو إليّ في إشفاق:
    ـ تبدو متعبا جدا..
    ـ لم يكن معي سوى طبيب واحد كيف لا أتعب؟.
    ـ وعندما هدأت الحركة جئت إلى هنا.. مثل كل مرة!.
    شملت الحديقة بنظرة باسمة ، ولم أنبس ، أردفت أحلام:
    ـ أنت دائما تهرب إلى هنا!. ما الذي يشدك إلى الطبيعة إلى هذا الحد؟
    ـ البحث عن السلام.
    ـ وهل وجدته؟
    ـ وجدت منه قطرات لا تسمن ولا تغني من جوع.
    ابتسمت أحلام ، وطافت بنظراتها في أرجاء الحديقة ، كان العصفور قد ابتعد ، والشمس قد توارت خلف جدار الأفق ، والصمت قد ران من جديد..
    قالت أحلام:
    ـ ألا يزعجك هذا الصمت..
    ـ ثمة عصفور لطيف يتردد إلى الحديقة من حين لآخر ، ويسليني بألحانه العذبة..
    رنت إلي وقالت:
    ـ عصفور واحد لا يكفي.. مهما غرد فستبقى ألحانه حزينة ، تملأ النفس بالشجن ، وتحرك في الأعماق الظمأ إلى صديق أنيس..
    ـ حاولت أن أعقد معه صداقة فلم أفلح!..
    ـ ليست كل الصداقات تغني..
    ـ لو رضي العصفور بمصادقتي ، لوجدت في صداقته ما يغنيني!..
    همست أحلام بنبرة غلت عليها الود:
    ـ هل ضن عليك الناس بصديق حتى ذهبت تطلب أصدقاءك في العصافير؟..
    لذت بالصمت ، هذه هي الحقيقة ، إني أفتقد إلى صديق..
    لم يعجبها صمتي ، قالت بلهجة عاتبة:
    ـ يعني لم تجب!.
    ـ صمتي كان هو الجواب.
    ـ جوابك فيه بعض المبالغة..
    ـ هل تقصدين أني يمكن أن أفوز بالصديق الذي أرجو؟
    قالت وهي تغض طرفها في حياء:
    ـ انظر حولك..
    في كلماتها رسالة واضحة التقطتُها بسرعة. ركبني حرج وارتباك. لكني تجاهلت المعنى الذي أرادته أحلام ، وتحايلت عليه بالدعابة ، فأخذت أتلفت حولي متصنعا السذاجة وعدم الإدراك ، فرنت إلي بنظرة باسمة:
    ـ ليس بعينيك يا دكتور..
    ـ بم ينظر الناس إذن؟
    ـ بقلوبهم!.
    ـ لم أقرأ في كتب التشريح أن للقلب عيونا!..
    ـ لأنك لا تقرأ إلا السطور..
    ـ وهل تخفي السطور خلفها غير السطور؟!..
    أجابت وهي تمس وجنتها بوردتها مسا خفيفا:
    ـ خلف السطور كلمات ومعان لا تخفى على لبيب مثلك.
    قلت وأنا أمعن في الهروب:
    ـ ذكائي يخونني في كثير من الأحيان..
    البسمة الوادعة التي كانت تضيء وجهها الجميل أَفَلَتْ فجأة ، وخبت ومضات الفرح التي كانت تشع من عينيها ، لم تتوقع أن أقابل لعبتها الذكية بهذا البرود. صمتت وأطرقت إطراقة المحزون ، وتململت فوق ثغرها ابتسامة باهتة تحتضر. وتشاغلت بتأمل وردتها ، فاحتوتها بنظراتها الحزينة ، وكأنها نظرات محب يودع حبيبه الوداع الأخير.. حزنها أصابني بالغم ، قلت في محاولة لتبديد الأثر السيئ الذي خلفه الحديث السابق:
    ـ هل تذكرين الطفلة اللقيطة؟
    أجابت وهي مطرقة تدق الأرض برأس قدمها:
    ـ ما شأنها؟
    ـ لقد زرتها هذا الصباح.
    ـ رفعت إليّ نظرات متسائلة وهمست:
    ـ ما الذي دعاك لهذا؟
    ـ طافت ذكراها ببالي ، فأحببت أن أطمئن عليها.
    قالت أحلام ، وهي تفسح الطريق لابتسامتها الفاتنة لكي تعود لتضيء أسنانا كاللؤلؤ:
    ـ فضولك يثير الفضول!
    ـ حقا؟!
    ـ كيف هي؟
    ـ بصحة جيدة..
    ـ لابد أنها تلقى رعاية ممتازة..
    ـ كيف لا تلقى رعاية ممتازة ، وهي تنمو في أحضان أمها الحقيقية؟
    حدجتني أحلام بنظرة ملؤها الدهشة:
    ـ هل قلتَ أمها الحقيقة؟!!.
    ـ أجل.. هذا ما يغلب على ظني..
    و رويت لأحلام قصة الآنسة الغامضة نورا ، وحدثتها بآخر ما توصلت إليه من استنتاجات..
    قالت أحلام ، وقد عادت إليها ابتسامتها الوادعة اللطيفة:
    ـ اهتماماتك يا دكتور تدعو للاحترام..
    ـ هذا ثناء لا أستحقه..
    ـ أبدا. هذه كلمة حق.
    ـ يزعجني أحيانا أن ننظر إلى الواجب على أنه تطوع نبيل..
    ـ في زمن قل فيه حرص الناس على واجباتهم ، يصبح مجرد أداء الواجب إنجازا رائعا يستحق التقدير..
    ـ لا معنى للحياة إذا لم يعشها أحدنا كإنسان..
    تنهدت وأرسلت إلى الأفق رنوة حالمة ، ثم قالت:
    ـ إني أبحث عن ذلك الإنسان!..
    ـ وهل وجدتِه؟!..
    أرسلت زفرة ساخرة ، وقالت في تحسر:
    ـ وجدته. وجدته منذ زمن بعيد ، لكنه يمعن في الهروب مني.. يحاول أن يضلل خطواتي.. أمد له يدي ، فيخفي يديه.. أعترف له بودي ، فيصفعني بجفائه.. لكأنه يرفضني ، ويغلق قلبه في وجه روحي..
    ما الذي يمكن لفتاة عفيفة أن تفعله حتى تعلن حبها دون ابتذال؟.. ماذا تفعل فتاة رفضت كل الناس من أجل فتاها الذي اختارته وأغلقت قلبها على حبه ، ثم لا تجد منه سوى الصد والهروب والتجاهل؟!..
    لقد ضاقت أحلام ذرعا بترددي وهروبي ، وها هي تتهيأ للاقتحام. تحاول أن تدك أسوار الحيرة التي تفصل بيني وبينها. لم أستطع أن أرفع نظراتي إلى عينيها اللتين كانتا تلتهبان لوما وعتابا.. ماذا أقول لها؟.. هل أعترف لها بالحب الجارف العميق الذي يضطرم في صدري؟.. أم أكتم هذا الحب وأقمعه حتى لا أتورط في شراكة غير متكافئة وزواج يبدو لي أنه محكوم بالموت؟!.. من قال بأن الحب يخضع لحسابات المادة؟.. من الذي زرع هذه الخرافة فينا؟.
    هزت أحلام رأسها في حزن ، وقالت كاليائسة:
    ـ من الحكمة أن يرضى الإنسان ببعض الحقائق المؤلمة في هذا العالم..
    أثارت كلماتها في نفسي شعورا غريبا فقلقل هدوئي.. شعور من أوشك على فقد عزيز.. وخشيت أن تكون أحلام قد يئست مني ، وفهمت مشاعري على نحوٍ خطأ ، سارعت إلى تبديد فهمها الخطأ ، فقلت وأنا أتهرب من نظراتها العاتبة الحزينة:
    ـ أحلام. أنت تستعجلين الأمور.
    لم تكترث بكلامي. سألت فجأة:
    ـ هل قرأت عن خديجة؟
    ـ بنتِ خويلد؟
    ـ أجل. زوجة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
    ـ قرأت.
    ـ ماذا فعلت عندما أحبت محمداً صلى الله عليه وسلم ؟
    ـ أرسلت إليه من يخبره بأنها تحبه.
    ـ ماذا لو أقدمت فتاة على فعل هذا الفعل في مجتمعنا اليوم؟
    ـ نحن في عصر مختلف..
    قالت في إصرار:
    ـ نعم. نحن في عصر مختلف ، لكن المرأة والرجل ما زالا هما كما كانا أول مرة. الشفرات الوراثية لا تؤمن بالعصور.. إنها رسالة خالدة منذ الأزل.. رسالة ثابتة تحمل خصائص الأنثى وخصائص الذكر.. الظروف تختلف ، ووسائل الحياة تتبدل ، لكن جوهر الإنسان ثابت لا يتغير..
    إنها مُحاوِرَة عنيدة تعرف ما تريد!.. هذه المناظرة الفكرية بدأت تفسد جمال الأصيل. لابد أن يصل الحوار إلى نهاية مفيدة ، ولكن.. هل ستنتصر علي بالضربة القاضية ، وتعلن حبها لي في صراحة حاسمة؟.. هل ستتراخى إرادتي وتسمح للحب الذي يشتعل بين ضلوعي أن يفصح عن نفسه ، ويتحدى كل معادلات العقل الذي يقف حاجزا بيني وبين من أحب؟!.. أيتها الفتاة الرقيقة التي وضعها القدر في دربي.. دعيني أفكر في قراري بهدوء. لا تلجئيني إلى قراراتٍ حظُّ القلب فيها يفوق حظَّ العقل..
    وأدركت بأنه لا مفرَّ من المواجهة ، فوجدتني أسألها فجأة بلا مقدمات:
    ـ ماذا عن هاني؟
    فوجئت بسؤالي ، قالت بلا تردد:
    ـ لقد اعتذرتُ له.
    ـ إنه أقدر على إسعادك.
    ـ لماذا تعتقد ذلك؟
    ـ لأنه أقرب إليك طبقيا.
    تعكرت ملامحها بحمرة الغضب ، قالت بحدة:
    ـ لم أتوقع منك أن تفكر بهذه الطريقة!..
    أربكني العتب الذي أطل من عينيها ، قلت موضحا:
    ـ المادة تلعب دورا حاسما في حياتنا ، شئنا أم أبينا.
    رفعت رأسها في كبرياء وقالت بثقة:
    ـ أنا لا أبحث عن المادة.
    ـ قد لا تبحثين عنها ، لكنك لن تستغني عنها..
    هتفت في إصرار:
    ـ بل أستغني عن كل أموال الدنيا وجواهرها من أجل أن أفوز بإنسان نبيل يفهم الحياة كما أفهمها.. بمعانيها السامية وآفاقها الرحيبة..
    الحياة النظيفة الرفيعة التي تليق بإنسان له عقل وقلب وروح.. لا حياة الحيوانات الشاردة في الغابة التي تحركها الغرائز والأطماع. لقد ذقت سعادة المادة فلم أجد لها طعما!. خذ كل ملاييني وأملاكي ، وأعطني كلمة حنان صادقة تشعرني بأن من حولي بشر أسوياء ، وليسوا تماثيل أو آلات مبرمجة تؤدي دورا رتيبا محددا لم يخلق له الإنسان.. نعم.. البشر من حولنا تحولوا اليوم إلى آلات تتحرك وفق برنامج مرسوم.. برنامج كبرامج الكمبيوتر التي يزود بها الإنسان الآلي .. هذا البرنامج يحمل رسالة واحدة.. رسالة تتلخص بكلمتين: اكسب أكثر.. اربح أكثر.. اجمع أكثر.. بأية وسيلة؟.. لا يهم.. على حساب من؟.. لا يهم.. على أشلاء من؟.. لا يهم.. الحياة فرصة فاهتبلها.. احصد الفرص فقد لا تعود.. لا يهم من زرع ، المهم من يحصد في النهاية.. الشاطر من يضحك في الآخر.. هكذا نحن الآن.. حصادات بشرية عمياء.. لا تعرف على ماذا تدوس ، لكنها يجب أن تصل إلى نهاية الشوط وقد جمعت أقصى ما أمكنها من الحصاد..
    كانت أحلام تتحدث بتدفق وحماس.. وكان جوهرها النقي يتوهج بالصدق ويلمع بالبراءة.. شعرت وأنا أستمع إليها بأني أمام ملاك طاهر يحمل رسالة السماء إلى الأرض.. أمام داعية جليل ألقى الدنيا خلف ظهره ، وجاء يبشر بعالم فاضل لا تستعبده المادة.. رنوت إليها بنظرات وَلهى تفيض بالوجد ، ورحت أصغي إليها وهي تتابع هدرها العذب.
    كانت تقول وهي في ذروة الانفعال:
    ـ لو كانت الملايين تصنع السعادة ، لكنت أسعد فتاة أنجبها أب ، لكن كل الملايين التي تنتظرني.. كل العقارات والشركات والأملاك التي ستؤول إلي.. كل هذه الثروة العريضة التي يجنيها لي أبي ، لا تساوي عندي كلمة حب خالصة منزهة عن المصالح والرغبات..
    ثم صمتت أحلام ، وجعلت ترتعش من فيض التأثر والانفعال ، ولم تلبث أن انفجرت باكية ، فأخفت وجهها الباكي خلف كفيها ، وبقيت كذلك برهة ريثما هدأت ، ثم انزلقت بكفيها ، فأسفرت عن وجه مخضل غسلته الدموع ، وقد أغمضت عينيها إغماضة من ينشد الراحة والخلاص ، وألقت برأسها إلى الخلف ، فبدت كعابدة متبتلة تستغرق في خشوع عميق..
    أدركت أخيرا بأني أسير يحاول عبثا أن يهرب من قدره.. عاشق يقمع صوت قلبه بقسوة.. مكابر عنيد يذوب حبا ويأبى أن يعترف.. من يستطيع أن يصمد أمام فتاة لها رقة الأنثى وروح الملائكة؟!..
    قالت وهي تستيقظ من إغماضتها الخاشعة:
    ـ أنت تفهمني.. أليس كذلك يا دكتور صلاح؟
    قلت وأنا مستسلم لطغيان حبها الجارف:
    ـ هل تعتقدين أن أباك سيوافق على زواجنا؟
    أشرقت عيناها بنظرة باسمة يتألق فيها الفرح ، فقد أدركت أني لم أخذلها ، فاحمرت حتى حاكت حمرتها الفاتنة لون وردتها الجميلة ، قالت وهي توشح كلماتها بابتسامة وادعة تنطق بالرضى:
    ـ أحقا.. أحقا أنت تبادلني نفس المشاعر؟!..
    أجبتها بابتسامة مُطَمئِنة ، وقلت:
    ـ أريد أن أعرف رأي والدك..
    ـ أنا لا أعرف رأي والدي ، لكني أنا التي سأتزوج وأنا صاحبة القرار..
    ـ الأمور في مجتمعنا لا تجري بهذه البساطة..
    ـ سأمهد للأمر مع أبي..
    ـ وإذا رفض؟
    ـ سأرفض رفضه..
    ـ وإذا رفض؟!..
    رمقتني بطرف عينيها ، وتساءلت:
    ـ هل هذا هو سبب ترددك؟
    ـ أريد أن أعد للأمر عُدَّتَه..
    دمعت عيناها وقالت مشفقة:
    ـ لابد أن ينتصر الحب في النهاية..
    علقت كالحالم:
    ـ ليت الحب ينتصر في هذا العالم!..
    تساءلت وقد عاثت في عينيها نظرة متوجسة:
    ـ هل يمكن أن يقف أبي في وجه سعادتي؟..
    ـ قد يقاوم اختيارك باسم مصلحتك ومستقبلك!..
    قالت في ضراعة:
    ـ صلاح.. أرجوك.. لا تعكر هذه اللحظات الرائعة بالهواجس المزعجة..
    ـ ما زلت أريد أن أعرف..
    ـ ماذا؟..
    ـ ماذا لو كان رفض أبيك قاطعا؟!..
    اربدَّ وجهها فجأة ، وغشيته كآبة خفيفة ، ولم تلبث أن نهضت ودارت حول كرسي الحديقة الذي كانت تجلس عليه ، وقالت بعد صمت وتفكر ، وقد لمعت عيناها بأنداء من الدمع:
    ـ صلاح.. إذا لم يوافق والدي على زواجي منك ، فلن تجمعني الحياة برجل من بعدك ..
    ثم استدارت نصف استدارة ، وجعلت تداعب غصنا قد تدلى من إحدى الأشجار ، وكأنها تداري حياء وانفعالا جديدا أججته كلماتها المفعمة بالإخلاص ، و ران علينا صمت لذيذ ، وهبت على الحديقة نسمات ربيعية رقيقة ، تهمس لنا بقصيدة لم يُلْقِها شاعر ، ولم يغرد بها عصفور .
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الجمعة يناير 30, 2009 5:54 pm


    ۞ الفصل الحادي و العشرون ۞
    *****************

    أخرجتُ البطاقة التي أعطتني إياها أحلام ، وأعدت قراءة عنوان شركة أبيها.. شركة عبد الغني الذهبي للتجارة العامة ـ شارع البرج ـ عمارة البرج الأزرق. و رحت أبحث عن البرج الأزرق الذي يضم مكاتب الشركة بعينين مستطلعتين ، لم أعرف في البداية سبب تسمية هذه العمارة بالبرج لكني عندما وصلت إليها ، أدركت سببا لهذه التسمية!.
    كانت عمارة شاهقة ترتفع كأسطوانة هائلة مثمنة المحيط ، تصل بين أضلاعها الثمانية ألواح كبيرة من زجاج خاص. وكان خيال السماء ينعكس على ألواح الزجاج ، فيشملها بزرقة داكنة ، تعطي المبنى مظهرا بديعا وروعة لا تنكر..
    "لابد أن الذي يستخدم مثل هذا البناء الفخم مقرا لشركته ، يدير أعمالا واسعة تحتاج إلى جيش من الموظفين!.".. هكذا حدثتني نفسي وأنا أقرأ اسم الشركة الذي كتب بأحرف برونزية نافرة..
    وقفز إلى ذاكرتي حديث أحلام عن مسؤولية والدها عن حادث انهيار العمارة السكنية ، فدخل في رَوعي أن هذا البناء العتيد يقوم على أشلاء الضحايا وجماجم الأبرياء الذين ذهبوا ضحية الجشع البغيض ، والأنانية الكريهة..
    أوقفت سيارتي في مكان قريب ، ثم ترجلت منها ، ووقفت أتأكد من سلامة هندامي ، ثم تقدمت من مدخل البرج الأزرق بخطوات بطيئة..
    ثمة شيء كان يجذبني إلى الخلف بقوة ، يعرقل خطواتي ، يزلزل كياني ، يهزني بعنف ، يسألني بلهجة لوامة تنطق بالاتهام : "إلى أين أنت ذاهب؟.. تضع يدك في يد مجرم لتخطب منه ابنته؟.. أأعماك الحب عن حقيقة هذا الرجل؟.. أم هو الطمع وبريق الثروة والغنى والمال؟..".
    تسمرت في مكاني ، وكادت إرادتي تتهاوى ، لكن طيف أحلام شد من أزري ، وعزز ثقتي بما عزمت عليه ، هدرتُ في أغواري وكأني أحاجج خصما قاسيا يحدجني بنظرات ملؤها الشك والريبة : "بل جئت لأنقذ أحلام من الوحل الذي نبتت فيه.. جئت لأحمي هذه الفتاة الطاهرة الرقيقة من الريح المجنونة التي تحطم الأغصان الخضراء وتعصف بها.. جئت لأحملها إلى عالم الطهر والبراءة الذي تحلم به.. فلتذهب ملايين أبيها إلى الجحيم.. لا أريد منه سوى قلب ابنته النبيل الذي يخفق بمشاعر الإنسان.. لا أبتغي سوى أحلام التي لم تستطع المادة أن تقتل روحها ، وتلوث جوهرها..".
    عاد ذلك الخصم العنيد يمطرني بأسئلته ، وأطلق في أعماقي ضحكة مجلجلة تسخر من كل المبررات التي تدفعني للإقدام على خطبة أحلام.. كدت أضعف ثانية!.. راودتني نفسي على الانسحاب ، لكن كلمات أحلام اندلعت في ذاكرتي فجأة ، ووضعت حدا لهذا التردد الذي اعتراني.. "صلاح إذا لم يوافق أبي على زواجي منك ، فلن تجمعني الحياة برجل من بعدك..".
    ملأتني كلماتها بشحنة جديدة من الثقة والحماس ، تخيلت نفسي فارسا عنيدا جاء ينقذ فتاة من الأسر ، وكدت أهتف كما في الحكايات "لبيك يا أميرتي.. ها أنا قد جئت على صهوة جوادي لأقتحم هذه الأسوار ، وأحملك معي إلى دنيانا الجديدة..". لكن رجلا كان قد خرج لتوه من الشركة ، صدمني فجأة ، فانتشلني من أوهام الخيال ، وأعادني إلى دائرة الوعي ، ثم ما لبث أن اعتذر قائلا وهو يعض على فوهة غليونه بأسنانه البيضاء: "سُري.. آسف"!.
    ابتسمت لهذا الاعتذار المشفوع بالترجمة العربية ، وتقدمت من الباب ، فانفتح بشكل آلي.
    حكاية علي بابا لم تكن خرافة إذن!!.. كانت تنبؤاً ذكيا بالمستقبل! هاهو الباب يفتح لي حتى دون أن أهمس له بكلمة السر ، انفتح دون أن أقول له : "افتح يا سمسم".
    اتجهت إلى مكتب الاستعلامات ، فوجدت فيه موظفا وسيما يرتدي بذلة أنيقة جعلتني أشعر بالخيبة.. متى يفرغ الناس لشراء هذه الملابس المسرفة في الأناقة؟ وأين يجدونها؟ لعلهم يستوردونها خصيصا.. ما علينا.. بذلتي أنيقة أيضا.. لا تشكو من شيء ، لكني أعترف بأنها أقل أناقة من بذلة موظف الاستعلامات! قلت في نفسي: "لعل مهمة موظف الاستعلامات تستدعي هذا المظهر المسرف في الأناقة لأنه أول من يستقبل العملاء والزوار الذين يقصدون الشركة".
    سألته عن مكتب السيد عبد الغني الذهبي صاحب الشركة ، فأجابني بلسان إنكليزي مبين : "نمبر سفن".. ما بال الناس يستثقلون استعمال لغتهم العريقة التي تتربع على عرش اللغات!.. شكرت الموظف بإيماءة مجاملة ، ومضيت إلى المصعد ، فانتظرت هبوطه حتى يحملني إلى الطابق السابع لأقبل السلطان ، وأسأله يد أميرتي الأسيرة.. ولكن.. لماذا اختار والد أحلام الشركة مكانا للقائنا؟.. هذه المناسبات ـ فيما أعلم ـ لا تناقش في أماكن العمل.. تراه هل سيوافق على زواجنا؟ أم أنه.. آه.. لعله اشترط أن يلقاني في الشركة ، ليصارحني يرفضه.. وشعرت برجة عنيفة بين الضلوع.. أتضيع مني أحلام بعد أن أودعت كل آمالي على أعتاب قلبها الكبير؟!.. و رحت أرمق اللوحة الرقمية التي تعلو بوابة المصعد بغيظ. كانت الأرقام تمضي في عدها التنازلي ببطء شديد. 6، 5، 4 ... ها هو المصعد يتوقف عند الطابق الرابع.. أسرعوا أيها الركاب ، فها هنا قلب يتمزق بين الهواجس والآمال.. ارحموا هذا القلب الولهان الذي يتطلع إلى مصيره بقلق ، لم يستجب المصعد لتوسلاتي ، قفز إلى الطابق السابق فجأة ، في حركة غادرة ، لبث في السابع قليلا ثم عاد يهبط ببطء مثير... 7، 6، 5، 4، 3، 2 ..... آه ها قد وصل. أسرعت إليه ، فانطلق بي على مهل. كانت مرآة المصعد وسيلة مفيدة للتأكد من سلامة هندامي. كل شيء على ما يرام ، عريس بدرجة مقبولة. هذا قصارى ما كنت أحلم به.. ثمة راكب اعترض مسيرة المصعد في الطابق الخامس.. أهلا وسهلا.. تابع المصعد طريقه إلى الطابق السابع ، فلفظني هناك ، ثم أغلق بابه خلفي وعاد يتابع رحلته المكوكية التي لا تنتهي..
    اقتربت من مكتب السيد عبد الغني بخطوات بطيئة يثقلها قدر من الحياء ، ومقدار من الرهبة والتردد ، استقبلتني فتاة جميلة ، أنيقة الملبس ، فاتنة البسمة ، سألتني وهي تقضم قطعة بسكويت وتغيبها خلف شفتيها الغارقتين في حمرة كثيفة:
    ـ هل من خدمة؟
    ـ أنا الدكتور صلاح الحكيم.. أريد مقابلة الأستاذ عبد الغني..
    هتفت السكرتيرة بلهجة مرحبة أحسست أن فيها قدرا كبيرا من المبالغة:
    ـ أنت؟!.. أهلا.. أهلا وسهلا.. تفضل بالجلوس..
    جلست وأنا مندهش من هذا الترحيب الذي يَشِي باطلاعها على دقائق الأمور ، قالت:
    ـ أنت دقيق في مواعيدك كما وصفك لي السيد عبد الغني..
    سررت لأن صورتي في ذهن والد أحلام صورة مشرقة ، لابد أن أحلام هي التي أوحت له بها..
    شعرت بشيء من الارتياح وجلست أنتظر..
    غابت السكرتيرة قليلا ، ثم عادت تحمل فنجانا من الشاي ، وانحنت لتقدمه لي.. تناولت الفنجان وشكرتها ، وأنا أغض الطرف عن صدرها الذي بدا من تحت سترتها الواسعة عاريا صارخ الفتنة. لم تعد ملابس اليوم كافية لستر مفاتن المرأة!.. يبدو أن عباقرة الموضة يقتصدون في استعمال القماش ، ليوفروا منه بعض ما يلزم لتمدين العراة في مجاهل أفريقية!.. صبرت على ما رأيت ، وقمعت شحنة الإثارة التي سرت في جسدي إزاء هذا المنظر ، ورحت أحتسي الشاي في صمت ، وأنا مشغول البال باللقاء المرتقب..
    قالت مضيفتي وهي تلف رجلا شبه عارية على رجل:
    ـ لقد حدثني عنك السيد عبد الغني قبل قليل عن موعده معك ، وطلب مني أن أخبرك بأنه مشغول مع بعض الخبراء الأجانب وأنه مضطر لتأخير موعده معك حوالي نصف الساعة..
    أزعجني تأخير الموعد ، لكني عذرت الرجل ، فرجال الأعمال معرضون لمثل هذه الاجتماعات الطارئة!.
    كانت نظرات السكرتيرة الفاتنة تقتحمني بجرأة وقحة ، مما جعلني أشعر بالارتباك ، لكني تشاغلت عنها بتأمل لوحة جميلة معلقة على الحائط المغلف بورق الجدران النفيس ، ابتدرتني السكرتيرة قائلة:
    ـ أنت طبيب طبعا..
    ـ هذا صحيح.
    ـ تعمل في نفس المستشفى الذي تعمل فيه أحلام.
    ـ كيف عرفتِ؟
    ـ السيد عبد الغني لا يخفي عني أمرا.. أنا سكرتيرته وأمينة أسراره.
    ابتسمتُ ولم أنبس.. هذه الآنسة أو السيدة ـ لا أدري ـ تحب الثرثرة ، ولا أريد أن أخوض معها في حديث لا طائل وراءه ، فأنا بحاجة إلى بعض الهدوء والتركيز في هذه المناسبة الحاسمة في حياتي.
    لكنها تابعت تقول:
    ـ قلت لي طبيب إذن..
    ـ لعلك تشكّين بذلك!.
    ضحكت في دلال ، وقالت:
    ـ لا ، لا ، أبدا.. لكني أريد أن أستشيرك في أمر طبي.
    قلت مجاملا:
    ـ أنا في خدمتك.
    قالت وهي تتظاهر بالقلق:
    ـ في الحقيقة يا دكتور.. أشعر أحيانا بآلام شديدة في الخاصرة اليمنى.. آلام شديدة لا تطاق ، تداهمني فجأة دون سابق إنذار.
    ـ لماذا لم تراجعي طبيبا؟
    ـ الحقيقة أني مشغولة.. مشغولة جدا.. السيد عبد الغني يملأ وقتي بالأعمال المرهقة.
    قلت وأنا أستغرب هذا الإخلاص الزائد والمبالغة المختلقة:
    ـ مع ذلك لن تعدمي ساعة في الأسبوع تذهبين فيها إلى الطبيب!..
    ـ ما حاجتي إلى الطبيب وأنت هنا؟
    نظرت إليها في دهشة:
    ـ ماذا تقصدين؟
    ـ أقصد أن تسدي لي خدمة كبيرة لو فحصت لي موضع الألم الآن ، وشخصت لي الداء في هذا الوقت الضائع ، ريثما يتفرغ السيد عبد الغني لك.
    الأمور تسير بطريقة ملتوية ، هذا النوع من النسوة المراوغات ليس غريبا عن طبيب مثلي. لقد صادفت من أمثالها الكثيرات ، ولكن ، كيف أتخلص من هذه في هذا الوقت الحرج؟!. واسترقت إلى الساعة المعلقة في صدر الغرفة نظرة خاطفة لأرى إن كان الوقت يساعدني على التخلص منها ، لكنها ضبطت نظرتي تلك ، فالتفتت إلى الساعة في خبث وقالت وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة:
    ـ اطمئن يا دكتور ، نصف ساعة في عُرْف مديري قد تعني ساعة أو أكثر ، لكنه مهما تأخر في مواعيده فإنه يَفِي بها أخيرا.. هه ماذا قلت؟
    ـ في ماذا؟
    أدركت بذكائها أني أتجاهل طلبها ، فما لبثت أن صرخت متظاهرة بالألم:
    ـ آه.. ها هي نوبة الألم تعاودني.. آي.. يا لها من آلام فظيعة!
    تساءلت في سري إن كان هذا تمثيلا متقنا أم حقيقة صادقة ، ضِعْتُ بين الشك واليقين ، واستنفر في أعماقي الطبيب الذي أقسم اليمني الطبي المغلظ ، فوضعت فنجان الشاي ، واقتربت منها لأقدم لها بعض العون ، فازدادت صرخاتها حدة وقالت:
    ـ أرجوك يا دكتور.. ساعدني.. من حسن حظي أنك هنا.
    سألتها أن تصف لي الألم الذي تشعر به ، فقالت:
    ـ إنه ألم شديد يبدأ من خاصرتي اليمنى ، ثم ينتشر إلى صدري وظهري ، فيضيق نفسي ، وأشعر بورم كبير ينمو في المنطقة التي يبدأ منها الألم.
    تساءلت في حيرة:
    ـ ورم!!.
    ـ أجل.. ورم كبير.. أخشى أني مصابة بالسرطان!..
    ابتسمت رغما عني:
    ـ لا تتوهمي كثيرا.. الأمر أبسط مما تتصوري.
    همست في ضراعة:
    ـ أرجوك يا دكتور.. بإمكانك أن تساعدني.. أليس كذلك؟
    شعرت بالحيرة والحرج ، قلت وأنا أنظر حولي:
    ـ المشكلة أن هذا المكان عام.. كيف يمكن أن أساعدك؟
    هتفت وهي تشير إلى أحد الأبواب:
    ـ هنا توجد غرفة للاجتماعات ، وهي فارغة الآن.. تستطيع أن تعالجني فيها.
    قلت في تردد:
    ـ لكن السيد عبد الغني.. أليس مجتمعا مع ضيوفه فيها؟
    قالت في ثقة:
    ـ لا ، لا.. في غرفة مكتبه ، أرجوك.. لم أعد أستطيع الاحتمال.
    لم تترك لي فرصة للتفكير ، سحبتني من يدي وأدخلتني إلى الغرفة ، ثم ألقت نفسها على إحدى الكنبات ، وهي تتلوى من الألم.. هدأت من روعها ، وطلبت منها أن ترفع طرف سترتها لأتبين موضع الألم ، ففعلت ، وما كدت أنحني لأفحص منطقة الشكوى حتى طوقتني بذراعيها بقوة ، وقبَّلتْني!..
    تملَّصت من بين يديها ، وبصقت عليها في احتقار.
    قلت لها ، وأنا في ذروة الغضب:
    ـ أنت أقذر امرأة صادفتها في حياتي.
    أطلقت ضحكة معربدة ، وقالت وهي تصلح من شأنها:
    ـ يبدو أنك ما زلتَ عذراء!..
    هتفت في ثورة:
    ـ كيف تجرئين على هذه التصرفات الداعرة في مكان كهذا؟
    قالت مستهزئة وهي تلدغ بحرف الراء:
    ـ ألم أقل لك يا عزيزي بأنك ما زلت عذراء؟
    ثم أطلقت ضحكة مجلجلة ، وخرجت غير عابثة بثورتي وغضبي ، وتركتني فريسةَ للذهول..
    من أين جاءتني هذه العاهرة؟.. وكيف تجرأت عليَّ في هذه اللحظات الحرجة ، وهي تعلم المناسبة التي جئت من أجلها؟!.. وتلفتُّ حولي في قلق خشية أن يكون أحدهم قد رآني ، وفَهِمَ موقفي على غير حقيقته ، ماذا لو أن والد أحلام قد رآني معها ، وأنا الذي جئت لأخطُب ابنته؟
    وخطر لي أن أغادر المكان بلا رجعة ، لكني خشيت أن يُفسَّر انسحابي تفسيرا خطأً ، وأن يشوه صورتي أمام والد أحلام الذي حدد الموعد للقائي ، لم يكن أمامي خيار ، خرجت إلى غرفة الانتظار ، وجلست ، لم تكن السكرتيرة في الخارج كما توقعت!.. شعرت بشيء من الارتياح لأن منظرها كان سيثير غضبي ويوتر أعصابي ، وقد يدفعني إلى تصرف عنيف لا يناسب المكان الذي أنا فيه ، ولا يخدم الغرض الذي جئت من أجله.
    كظمت غيظي ، وأنا أغالب بركانا من الغضب ، وجعل العرق يتحدر من جبهتي بغزارة ، فرحت أجففه بمنديل ورقي.. لا يوجد في الدنيا أكثر حرجا من الموقف الذي وضعتني فيه هذه المرأة الفاسدة!..
    بعد دقائق قليلة فتح باب السيد عبد الغني ، فخرجت منه السكرتيرة بصحبة رجل يعلق على كتفه آلة تصوير ، رمقتني السكرتيرة بطرف عينها اليمنى في مكر ، وكأنها تهزأ بي ، فحدجتها بنظرة متقززة ، وأنا أصر على أسناني من شدة الغيظ ، فأشاحت بوجهها عني بغير اكتراث ، والتقطت حقيبتها الجلدية من فوق مكتبها بحركة خاطفة ، وألقتها خلف ظهرها ، وقد علقت طرف حمالتها بسبابتها ومضت وهي تتمايل في مشيتها..

    وفاجأني صوت ينبعث من باب المدير:
    ـ لا تتأخر عليَّ بالصور..
    التفت إلى مصدر الصوت.. رأيت كهلا أنيقا يقف لدى الباب.. رد عليه الرجل الذي يحمل آلة التصوير:
    ـ اطمئن.. ستكون جاهزة في غضون ساعتين.
    ـ أريد لقطة مقنِعة.
    هز الرجل رأسه في ثقة ، ومضى خلف السكرتيرة التي كانت قد توقفت قليلا تتابع الحديث.
    من هذا الرجل الذي يقف عند باب المدير؟ أيكون هو والد أحلام؟..
    ولم يلبث أن أشار إليَّ كالمتسائل:
    ـ أنت الـ....
    وقفت باحترام ، وقاطعته معرفا بنفسي:
    ـ الدكتور صلاح الحكيم..
    ـ أهلا وسهلا.. تفضل..
    تقدمت خلفه ، فوجدت نفسي أدلف إلى مكتب واسع ، يزدان بأثاثه النفيس الذي لا أذكر أني صادفت مثله من قبل!..


    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الجمعة يناير 30, 2009 5:58 pm

    كان المكتب هادئا خاليا من الزوار ، أثبت لي أن السكرتيرة اللعوب كانت تكذب علي ، عندما أخبرتني بأن السيد عبد الغني مشغول مع خبراء أجانب!..
    وأيقنت أن الشخص الذي يتقدم أمامي هو والد أحلام ، لماذا كذبت علي السكرتيرة؟ كان بإمكانها أن تخبرني بأن السيد عبد الغني مشغول مع المصور أو الصحفي الذي خرج قبل قليل!.. أيمكن أن يكون الخبراء الأجانب قد خرجوا من باب آخر؟ جُلْتُ بنظراتي في أرجاء المكان لأرى إن كان للمكتب باب آخر ، لم أجد ما يدل على ذلك ، لكني لاحظت شيئا مثيرا.. لاحظت أن جدارا من الستائر المخملية الزرقاء السميكة يفصل بين غرفة المدير ، وغرفة الاجتماعات التي جرت فيها الحادثة السخيفة قبل قليل!..
    خشيت أن تكون هذه الستائر الزرقاء هي الفاصل الوحيد بين الغرفتين ، فقلقل هذا الاحتمال كياني.. إذا كان والد أحلام قد سمع أو رأى ما حدث ، فأنا في موقف لا أحسد عليه!.. توقف السيد عبد الغني أمام مكتبه الأنيق المصنوع من الخشب النبيل ، ثم دعاني للجلوس على كرسي جلدي وثير..
    فكَّ السيد عبد الغني زر سترته الأنيقة ، وجلس قبالتي على كرسي مماثل.. ثم ابتسم ابتسامة مرحبة امتصت بعض القلق والتوتر الذي يملأني.. قال السيد عبد الغني بلهجة مرِحة:
    ـ أهلا.. أهلا بالدكتور العظيم ، أحلام حدثتني عن شخصيتك الفريدة كثيرا.. أخلاقك بالذات كانت مثار إعجابنا جميعا..
    ثم استدرك وهو يبسط يده موضحا:
    ـ من خلال حديث أحلام طبعا..
    أزاحت هذه المقدمة المشجعة كل القلق الذي يجثم على صدري ، فابتسمت ممتنا لهذا الإطراء ، وهمست:
    ـ أشكركم على هذه الثقة..
    لكن القلق عاودني ، عندما وقعت عيناي على الستائر الزرقاء! هل يعقل أن تكون هذه الستائر قد أخفت ما حدث في الغرفة المجاورة عن انتباه السيد عبد الغني؟ وراودني خاطر مريح ، لعل هذه الستائر تخفي خلفها حائطا من الإسمنت ، أو حاجزا من الزجاج!.. تنهد السيد عبد الغني وقال وهو يضرب فخذه براحته كمن يشكو من أمر:
    ـ أحلام فتاة طيبة القلب ، وتتأثر كثيرا بالآخرين.
    لم أفهم قصده بالضبط!.. قلت مجاملا:
    ـ ربيت يا سيدي ، فأحسنت التربية..
    شردت فجأة ، وأنا أردد هذه العبارة.. تذكرت أن هذا الرجل الذي أجامله وألاطفه ، وهو نفسه الرجل الذي كان سببا في سقوط عمارة كاملة فوق رؤوس ساكنيها!.. من يصدق؟.. من يحزر أن وراء هذه البسمة الوادعة والأناقة المسرفة ، ذئب يخفي مخالبه تحت قفاز من الجلد البشري؟!.. وعزاني أني جئت لأنتزع أحلام الطاهرة البريئة من بين براثنه ، لأنسج معها الحياة الفاضلة التي نهفو إليها معا ، ضحك والد أحلام وقد لحظ صمتي وشرودي ، وقال مداعبا:
    ـ تشجع يا دكتور.. هل نسيت ما جئت من أجله!
    ابتسمت وقلت وأنا أداري ارتباكا:
    ـ أنت تعرف لماذا جئت؟.. أحب أن أسمع رأيك الصريح.
    ـ أنت تحب الصراحة إذن.
    ـ الصراحة أوضح طريق.
    ـ لكن الصراحة تكون أحيانا قاسية!..
    تفاؤلي ضوى قليلا ، ماذا يعني بهذه الملاحظة؟.. لم أنبس.. أردته أن يقول ما عنده بجلاء.. تناول من فوق مكتبه علبة أنيقة ، وفتحها ، فانطلقت منها ألحان لطيفة.. قال وهو يقدم العلبة لي:
    ـ سيكارة؟
    ـ لا أدخن.
    ـ كما توقعت.
    تناول سيكارة ، ثم أعاد العلبة إلى مكانها ، قال وهو يبحث عن الولاعة في جيب سترته:
    ـ لا أذكر أني التقيت برجل لا يدخن!
    ـ لعلك لم تنتبه لهذا الأمر من قبل!
    ـ معك حق.
    أشعل السيد عبد الغني السيكارة بلهب قداحته الذهبية ، ثم امتص نفسا عميقا منها وتابع يقول:
    ـ أنت تلفت نظري الآن إلى شيء مهم.. ثمة أشياء كثيرة لا ألقي لها بالا!..
    ـ رجال الإعمال عادة لا يهتمون بالأمور الصغيرة..
    ـ لا أكتمك.. عالم الأعمال عالم غريب!.. يلتهم الوقت كما تلتهم النار الهشيم.. لكنه عالم لذيذ.. عالم ممتع.. فيه النجاح والربح والثراء.. فيه الكفاية والقوة والنفوذ.. بالمال تستطيع أن تشتري كل شيء.. حتى السعادة..
    قاطعته برفق وقلت مع شيء من الابتسام:
    ـ ليس دائما..
    حدجني بنظرة جافة لا تريح ، لكنه سرعان ما انتبه لنفسه ، فابتسم وقال:
    ـ المهم.. ماذا كنا نقول؟ أنا لم أُرَبِّ أحلام.. أحلام نبتت في هذا العالم وحدها ، كما تنمو الوردة في البراري الخضراء. وفرت لها كل شيء ، ثم تركتها تترعرع بحري’ ، حتى أمها ـ مدامتي ـ لم تضغط عليها تركتها تنمو وحدها بحرية ، أنا أؤمن بالحرية ، ومدامتي أيضا ، وظفنا لها عدة خادمات يعنين بها ، وتركناها تعتمد على نفسها ، كان واجب مدامتي أن تراقب نموها ، لأني مشغول ـ كما ترى ـ بأعمالي الواسعة ، لكن المدام ـ الله يسامحها ـ لم تراقب تطور شخصيتها كما يجب ، وهذا أكبر خطأ ارتكبته في حياتها..
    ظنتت أنه سيحدثني عن الحنان الذي حرمت منه ابنته المدللة ، والصقيع الذي عاشته في أعماقها ، بعيدا عن دفء الأبوة والأمومة ، لكنه فاجأني بتحليل غريب لم يخطر لي على بال.. قال بلهجة المحلل الخطير:
    ـ هذا الخطأ قتل الطموح في نفس أحلام ، جعلها تتأثر بخادماتها البسيطات.. أصبحت تهوى حياة الفقراء والبسطاء.. لم تتذوق السعادة التي نشأت في أحضانها ، ولم تحفل بها.. صارت تنظر إلى العالم بمنظار أسود.. تبحث عن سعادة رومانسية كاذبة كالتي تقرأ عنها في الروايات ، وتسمع عنها في الأفلام ، يؤسفني أن ابنتي فقدت قدرتها على الطموح ، إنها دائما مشدودة إلى تحت ، لا أدري كيف أنقذها من هذه الأفكار!..
    آه.. لقد بدأت التلميحات المؤذية!.. إلى أين تريد أن تصل أيها الرجل الأنيق؟.. شعرت أن من واجبي أن أدافع عن أحلام ، وأصوب نظرته إليها ، قلت متضاحكا:
    ـ أختلف معك في أن الدكتورة فتاة بلا طموح ، فما أعجبني فيها حقا أنها فتاة طموحة تبحث عن صورة تتكامل فيها لذة المادة مع سعادة الروح ونظافة الوجدان..
    وأردفت:
    ـ يبدو لي أنك تبالغ قليلا في الحكم على أحلام؟
    سدد إلي نظرة غامضة ثم قال:
    ـ أنت تحب أحلام.. أليس كذلك؟
    أحرجني هذا السؤال ، في مجتمعنا ـ فيما أعلم ـ ليس من المألوف أن يستعمل الخاطب مصطلح الحب في حضرة ولي أمر المخطوبة! قلت وأنا أحاول اختبار الكلمات المناسبة:
    ـ لقد وجدت في أحلام فتاة مؤدبة ، ذكية ، حساسة ،طيبة ، يحلم كل شاب بأن يقترن بمثلها ، فضلا عن أنها طبيبة مثلي ، ويمكن لكل واحد منا أن يتفهم ظروف الآخر بسهولة ، باختصار شديد أنا أرتاح إليها جدا ، وأطمح أن تكون لي شريكة في هذه الحياة.
    نهض وقال بنبرة حاسمة:
    ـ يعني تحبها.
    صمتُّ إعلانا للرضى.. هز رأسه كاليائس ، ثم دار حول مكتبه بخطوات متثاقلة ، وجلس خلفه.. وقال وهو ينقر حافة مكتبه برأس سبابته:
    ـ من يحب فتاة يا دكتور يجب أن يسعدها.
    ـ ما في ذلك من شك!.
    ـ هل تملك أسباب السعادة التي تحتاجها فتاة كأحلام؟
    ـ أملك أسباب السعادة التي تحتاجها أية فتاة.
    ـ أحلام ليست أية فتاة.
    أدركت ما يرمي إليه ، قلت:
    ـ لا أنكر أن لأحلام وضعا خاصا لا تتمتع به أية فتاة ، لكننا متفقان ـ أنا وهي ـ على الأساسيات التي تكفل لنا السعادة التي نرجوها.
    سألني بغتة:
    ـ هل تستطيع أن تشتري لها سيارة فخمة ، كالتي تركبها الآن؟
    فاجأني السؤال.. أجبت وأنال محرج:
    ـ في الحقيقة أملك سيارة متواضعة نستطيع أن نستخدمها ريثما تتحسن أوضاعنا.
    قذفني بسؤال آخر:
    ـ هل تستطيع أن تشتري لها "فيلا" كالتي تقيم فيها الآن؟
    لذت بالسكوت.. هذه لا أستطيعها.. لا الآن ولا غدا.. لكنه لم يرحم سكوتي فرماني بسؤال آخر:
    ـ هل تستطيع أن تقيم لها حفل زفاف يليق بها وبأقربائها ومعارف أبيها ، معارفي أنا ، أنا لا أستطيع أن أزف ابنتي الوحيدة إلى بيت الزوجية في عرس صامت كالمأتم.. لابد أن أقيم لها الأفراح وادعوا الوزراء والكبراء ورجال الأعمال.
    بدأت أشعر بالهوة السحيقة التي تفصل بيني وبين أحلام.. هذا ما حذرني منه والدي منذ البداية.. وهذا ما كان يجعلني أتردد في التفاعل مع مبادرات أحلام.. ها هو أبوها يصفعني بهذه الحقائق الجارحة ليجعلني أستسلم ، وأنسحب من حياة ابنته قبل أن يطردني منها ، صمتُّ ثانية ، لكنه لم يرحم صمتي.. قال بلهجة الواعظ المتعالي:
    ـ الدكتورة أحلام يا بني ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب ، فإذا ما سحبت هذه الملعقة من فمها تذبل.. تموت.. هل تفهمني يا دكتور؟!..
    أنا الآن متهم بالشروع بالقتل.. مجرد إقدامي على خطبة أحلام يعني تهديدا لها بالقتل ، وأداة الجريمة هي ملعقة الذهب التي يعني سحبها من فم أحلام تفجير سعادتها ، كما تنفجر القنبلة عند سحب صمام الأمان الذي يلجم طاقتها!.. ملعقة الذهب في نظره هي الروح التي تضخ الحياة في عروق أحلام!.. لُمْتُ نفسي بقسوة لأني أقدمت على هذه الحماقة ، وطرقت أعتابا لا تنبغي لشاب متواضع مثلي ، كدت أرفع الراية البيضاء ، وأعتذر للسيد عبد الغني عن محاولتي لخِطبة كريمته المرفهة الثرية ، لكن طيف أحلام الوادعة الرقيقة ، حضر فجأة ، وشحنني بدفعة جديدة من العزيمة والإصرار ، ووجدتني أقول لوالدها في ثقة:
    ـ عندما اخترت أحلام ، واختارتني.. لم تكن هذه المعاني غائبة عن ذهننا ، لقد شرحت لها ظروفي بصدق ، وهي راضية بما ستقدم عليه.
    استند السيد عبد الغني بكلتي يديه على مكتبه ، واسترخى برأسه فوق كفيه المتشابكين بقوة ، ثم تنهد وقال:
    ـ نعم.. هذا صحيح.. أحلام راضية بما ستقدم عليه ، لكنها في أعماقها ساذجة.. طفلة.. لا تقدر عواقب الأمور.. لا تقدر مسؤولية الزواج ، ومتطلبات المستوى المادي والاجتماعي الذي نشأت فيه..
    بدأت أشعر بالإهانة. كل كلمة يقولها هذا الرجل المغرور ترفضني وتجرحني وتتهمني بالوضاعة المادية!.. أي عالم هذا الذي تعيشون فيه؟
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الجمعة فبراير 13, 2009 6:31 pm


    وأي منطق هذا الذي تتحدثون به أيها المترفون المغرورون بما أوتيتم من نعمة زائلة سوف تغادرونها عاجلا أم آجلا ، لتعودوا إلى بطن الأرض التي جئتم منها حفاة عراة تتضورون جوعا وعطشا ، وتلهثون وراء قطرة لبن تمنحكم الحياة؟
    أصبح موقفه أمامي واضحا ، ولم يعد من اللائق بكرامتي أن أبقى جالسا مع إنسان متغطرس ينظر إلي من عل وكأني قزم ضئيل ، وهممت بالنهوض ، لكنه قال وهو يحملق كالذاهل:
    ـ لأول مرة في حياتي تتحدى لي أحلام رأيا ، وتفرض علي رغبتها.. لأول مرة تصرخ أحلام في وجهي ، وتقول بإصرار : "إذا لم أتزوج الدكتور صلاح ، فلن أتزوج رجلا غيره"..
    ثم نهض وأردف ، وهو يجمع نظراته الذاهلة ليركزها نحوي:
    ـ صورتك لي ملاكا يمشي على الأرض!.. فارسا نبيلا يذرع العالم على حصانه الأبيض ، ويمد يد المساعدة للمحرومين والمظلومين والمستضعفين!.. مصلحا اجتماعيا جاء يحمل الخلاص لهذا العالم المنهار!.. لقد أثارت فضولي للتعرف عليك!..
    ثم ابتسم ابتسامة محيرة ، وقال كالمازح:
    ـ ماذا فعلتَ بلبِّ الفتاة يا رجل؟ يبدو أنك شاب على درجة خارقة من الذكاء!..
    خفق قلبي بحب أحلام ، وأدركت عمق إخلاصها لي ، وطوقتني ثقتها بي بالحياء ، فتراجعت عن قراري بالانسحاب ، ووجدت في ذلك خيانة للإنسانة التي قاومت رغبة أهلها من أجلي ، وقررت أن أمضي مع والدها إلى نهاية الشوط ، لأرى ما عنده ، محتملا هذه الإشارات المؤذية التي تلوح في كلامه.
    قال السيد عبد الغني:
    ـ أنا رجل عملي.. أحب الحلول الواقعية ، ولا أحب التشنج والعناد في الصفقات الخاسرة.
    حسابات الربح والخسارة ، ولغة الصفقات تطغى على حديثه ، حتى وهو يعالج زواج ابنته!!.. أكمل أيها الرجل.. أكمل وقل ما تريد..
    ـ أنت تريد أحلام وهي تريدك ، ومن حق كل منكما أن يختار.
    بداية جميلة لا غبار عليها..
    تابع يقول:
    ـ لكن ما تريده أنت ، وما تريده هي ، لا يلغي دوري في هذا الزواج كأب حريص على مستقبل ابنته.
    سارعت بالتوضيح:
    ـ معاذ الله أن أفكر بإلغاء دورك ، أنت والد أحلام ولرأيك عندي كل احترام..
    ـ عظيم ، أنا يا دكتور صلاح فكرت في الأمر جيدا منذ أن فاتحتني أحلام بالموضوع ، وقد رأيت أن الحل لا يكمن في الوقوف في وجه هذا الزواج.
    لاح لي شعاع جديد من الأمل ، فرفّت على شفتي ابتسامة صغيرة ، وتلهفت لسماع بقية كلامه.. قال:
    ـ الحل يكمن في تحقيق عوامل الحياة لهذا الزواج حتى يعيش ويقاوم الظروف الصعبة.
    ثم سألني كمن فطن لأمر:
    ـ كيف أنت والتجارة؟
    ـ التجارة؟!! لم أجربها يوما ، ولم أفكر بها ، أنا طبيب وأحلم بالاختصاص الطبي وتطوير خبراتي الطبية ، ولدي طموحات في المستقبل لإقامة مستوصف متواضع.
    قال في استهانة ساخرة:
    ـ الطب لم يعد تجارة رابحة.
    ـ الطب ليس تجارة ، ولم يكن كذلك في يوم من الأيام.
    وضح رأيه قائلا:
    ـ أقصد أن الطب بات مهنة كاسدة ، كثر الأطباء وزادت أعدادهم ، ولم تعد مهنة الطب تلك المهنة التي تدر المال الوفير ، وتؤمن لصاحبها المستوى المادي المتفوق ، لقد انتهى عصر الشهادات والاختصاصات العلمية ، وبدأ عصر رؤوس الأموال .. بمالك اليوم تستطيع أن توظف عشرات المثقفين والمهندسين والأطباء ، إذا شئت!..
    البسمة الفرحة التي كادت تتسع توقفت عن النمو.. ما زال هذا الرجل يسيء إلي بكلماته ، ترى؟.. هل يتقصد ذلك ، أم أنه يخطئ اختيار الكلمات؟!..
    وأردف قائلا:
    ـ فيما مضى حزنت كثيرا لأني لم أستطع أن أنال شهادة أو أدخل جامعة ، لكني أدركت الآن أن ذلك كان نعمة وتوفيقا ، فلو أني انهمكت في الدارسة والتحصيل ، لما استطعت أن أقيم إمبراطورية الأعمال التي أتربع على عرشها الآن.
    قلت وأنا أرثي لقناعاته:
    ـ المال ليس كل شيء في الحياة.
    قاطعني بحدة ، وقال وهو يلوح بيد قد تشنجت أصابعها حول قبضة من الفراغ:
    ـ خطأ.. خطأ.. المال هو كل شيء.. بلا مال لا تستطيع أن تكون سعي.. لا تستطيع أن تكون قويا.. لا تستطيع أن تعيش..
    ثم بلهجة أقل حدة وعنفا:
    ـ لا تستطيع أن تتزوج..
    أزعجتني هذه اللهجة الصاخبة ، فقلت:
    ـ أنا لا أغفل دور المال في حياتنا ، لكني لا أستطيع أن أحصر السعادة فيه..
    أشاح بيده كمن يفتح صفحة جديدة ، وقال:
    ـ ما علينا.. خلنا في المهم.
    ـ تفضل.
    ـ أنت تريد أن تتزوج أحلام..
    ـ هذا يشرفني..
    ـ وزواجك منها حتى يعيش يجب أن يكون مشفوعا بدخل عال لا تحققه لك مهنة الطب.
    ـ لست مضطرا لهذا الدخل العالي!
    ـ أنا أشترطه للموافقة على زواجك من ابنتي.
    شعرت أنه يريد أن يفرض علي إرادته ، فكظمت داخلي غضبة تريد أن تنفلت لتعبر عن رفضي لهذا الأسلوب الذي يعاملني به ، قلت له متظاهرا بالهدوء:
    ـ أستطيع أن أقول بأن دخلي متوسط ، وأطمح لأن أزيده ، لكن نموه يحتاج إلى عنصري الزمن ، والدأب ، هذه ظروفي ، ولا أستطيع أن أخلق غيرها.
    قال واثقا:
    ـ بل تستطيع.
    ـ كيف؟
    ـ بصفقة واحدة.
    ـ صفقة!.
    ـ وتربح مئة ألف دولار.
    ـ مئة ألف دولار!!..
    ـ تربحها بسهولة.
    نظرت إليه في شك ، كان العرض مفاجئا ومثيرا ، قلت محذرا:
    ـ أرجوك أن تلاحظ يا سيدي بأني لا أحب المكاسب السهلة التي تقدم إلي كمساعدة.
    ـ من قال بأني أقدم لك مساعدة؟!.. أنا أعرض عليك صفقة نتبادل فيها المصالح ، تقدم لي خدمة ، وتقبض ثمنها مالا.. مئة ألف دولار تكسبها بجهدك وخبرتك ، ثم تنطلق إلى دنياك الجديدة ، وأنت تملك أسباب السعادة والرفاه.. ومن يدري؟ فقد توظف هذا المبلغ في مشروع تجاري ، فتسكب أضعاف مضاعفة وتصبح من أصحاب الملايين.. اسألني أنا.. أنا بدأت من لا شيء.. بدأت ماسح أحذية ، وانتهيت مليارديرا.. برأسمال صغير كونت إمبراطورية تجارية لا تغيب عنها الشمس ، ألم تسمع بإمبراطورية عبد الغني الذهبي؟
    ابتسمت مجاملا ، وقلت:
    ـ سمعت فقط بالإمبراطور.
    دغدغت كلماتي غروره ، فضحك ضحكة ممزوجة بالفخر ، ثم قال وهو يشير إلى نفسه في زهو بالغ:
    ـ وها هو الإمبراطور أمامك ، يفتح لك أبواب السعادة على مصراعيها ، وافق حتى تفوز بالأميرة.
    ـ أريد أن أعرف دوري في الصفقة!
    ـ لو كنت مكانك لما سألت عن دوري ، بل وافقت على الدور مهما كن ، لأفوز بالإنسانة التي أحبها.
    ثم أردف وهو يسترخي على كرسيه:
    ـ يبدو أنك زاهد بالربح الذي ستكسبه ، أم أنك زاهد بالأميرة؟
    شعرت بأني أجلس أمام داهية صعب.. مراوغ من طراز نادر.. لماذا يريد أن يثير لعابي طمعا بدولاراته؟.. لماذا يربط زواجي من أحلام بهذه الصفقة؟.. لا أنكر أن العرض كان مغريا ، وفيه قفزة مادية تساعدني على تحقيق أحلامي ، ولكن.. مئة ألف دولار؟!.. لقاء ماذا؟!!!
    وكررت في إلحاح:
    ـ مازالت مُصِرّاً على معرفة دوري!..
    ـ هذا من حقك.. حسنا.. منذ سنوات..
    ثم استدرك فجأة ، وسألني:
    ـ ماذا تشرب؟
    ـ أي شيء.
    ـ قهوة؟
    ـ فليكن..
    رفع والد أحلام سماعة الهاتف وطلب فنجانين قهوة ، ثم أعاد السماعة بهدوء وهو شارد ، وكأنه يحاول أن يرتب أفكاره ، قال بعد صمت قصير:
    ـ منذ فترة شاع استعمال الأغذية المعلبة للأطفال.. فقمت باستيراد كميات هائلة من هذه الأغذية ، بناء عل نصيحة أحد المستشارين في الشركة ، وفعلا.. طرحنا الأغذية المعلبة في السوق ، فلاقت رواجا وإقبالا من الجمهور ، لكن التجار سرعان ما انتبهوا إلى جدوى هذا النوع من التجارة ، فتهافتوا عليه ، وأغرقوا السوق بأغذية الأطفال المعلبة ، واستورد بعضهم أنواعا رخيصة من هذه الأغذية ، فأقبل الناس عليها ، فاضطررت لتخفيض أسعار الأصناف التي استوردتها ، لكن المنافسة كانت قوية ، فلم أستطع تسويق كل الكميات التي أملكها ، وكسد جزء كبير منها في المستودعات.. والآن.. أملك أكثر من نصف مليون علبة تحتاج إلى تسويق قبل نهاية هذا الشهر!..
    لم أفهم معنى التحديد في التاريخ!.. تساءلت مستفسرا:
    ـ لماذا قبل نهاية هذا الشهر؟
    أشعل والد أحلام سيكارة جديدة ، وقال:
    ـ أنت تعرف أن الشركات الصانعة للمواد العذائية المعلبة ، تضع زمنا محددا لاستهلاك هذه الأغذية ، تنتهي بانتهاء صلاحية استعمالها..
    أضفت موضحا:
    ـ هذا صحيح ، فالأغذية المعلبة يمكن أن تتعرض بعد انتهاء هذا الزمن للفساد ، لأن المواد المضافة إليها لتحفظها تفقد فعاليتها ، وقد يطرأ على هذه المواد الحافظة تحول كيميائي ، فتنقلب إلى من مواد حافظة للغذاء إلى مواد سامة..
    أحسست أنه لم يرتح لتوضيحي!.. قلت في نفسي لعلي ألقيت كلماتي بلهجة المتعالم ، أو لعله لا يحب أن يقاطعه أحد في الكلام!.. أفسحت له الفرصة ليتابع حديثه .. رمقني هنية ، ثم قال بنبرة حذرة:
    ـ لكن هناك شيء مهم لا أظنك تجهله!
    ـ ما هو؟
    ـ أن الشركات الصانعة تحتاط للأمر ، فتضع تاريخا مبكرا لانتهاء زمن الاستعمال.
    ـ هذا من باب الوقاية..
    ابتسم فيما يشبه الرضا ، ثم قال بلهجة علت فيها نبرة الحماس:
    ـ هذا يعني أن استعمال الأغذية المعلبة بعد انتهاء الاستعمال بأشهر قليلة لا يشكل خطورة على حياة المستهلك..
    أزعجني هذا الاستنتاج المتسرع ، ودفعني للاعتراض.. قلت جازما:
    ـ بل يشكل خطورة كبيرة ، وينطوي على مجازفة لا تحمد عقباها.
    قال في محاولة لإقناعي:
    ـ لكننا اتفقنا أن تاريخ انتهاء الاستعمال المسجل على علب الأغذية تاريخ وقائي للاحتياط فقط!..
    ـ هذا لا يبرر استعمالها بعد هذا التاريخ.
    ـ هذا الكلام يقال كقاعدة عامة ، لكن.. لكل قاعدة استثناء.
    أثارتني هذه السفسطة التي يمعن فيها والد أحلام ، وحِرْتُ في النهاية التي يريد أن يصل إليها!.. قلت في إصرار:
    ـ القواعد التي تتعلق بصحة الناس وسلامتهم لا تخضع للاستثناءات.
    امتعض وقال:
    ـ هل تعرف كم سأخسر إذا انتهت مدة استهلاك أغذية الأطفال المعلبة المكدسة عندي في المستودعات؟..
    ثم أردف يجيب عن سؤاله بنفسه:
    ـ سأخسر مليون دولار..
    ـ خسارة فادحة بلا شك!..
    ـ بل كارثة.
    ـ وكيف ستتصرف؟
    ـ ليس أمامي خيار.. يجب أن أسوقها بسعر التكلفة.
    ـ وتستطيع أن تسوقها قبل نهاية الشهر؟!
    ابتسم في دهاء وقال بنبرة مكر:
    ـ إذا ساعدتني أستطيع!.
    ـ أنا؟
    ـ ولك عشرة بالمئة من المليون..
    نظرت إليه في ريبة!.. ماذا يريد مني هذا الرجل؟.. وماذا يمكن أن أقدم له لإنقاذ تجارة كاسدة بقيمة مليون دولار؟..
    قلت مستوضحا:
    ـ أريد أن أعرف دوري بالضبط!..
    ـ هل نتكلم بصراحة؟
    ـ إذا سمحت..
    ودخل النادل بالقهوة ، فقدمها لنا ثم انصرف ، قال والد أحلام بعد أن تأكد من أن النادل قد أغلق خلفه الباب:
    ـ لا أخفيك يا دكتور بأني عرضت أغذية الأطفال على تجار كثيرين ، وبسعر الكلفة ، لكنهم اعتذروا ، أرادوني أن أبيعهم العلبة بسعر زهيد ، لكني رفضت.. أنا لا أتاجر لأخسر.. قد أبيع بسعر الكلفة عندما أضطر ، لكني أرفض أن أخسر.. ولم أيأس.. تابعت محاولاتي لتسويق الكمية الكاسدة عندي.. وحدث أن تعرفت على تاجر كبير في اليف.. أقنعته بالصفقة ، فوافق ، لكنه عندما علم بأن تاريخ الاستهلاك سينتهي مع نهاية الشهر أحجم.. وضحت له أن هذا التاريخ وقائي للاحتياط ، وأنه لا خطورة من استهلاك الأغذية بعده بأشهر قليلة ، لكنه أصر أن يسمع هذا الكلام من فم طبيب.. أعتقد أنك الآن فهمت دورك جيدا في الصفقة!..
    شعرت بالإهانه تسربلني من رأسي حتى قدمي!.. وقفت غاضبا ، وهدرت في وجهه:
    ـ هذه محاولة دنيئة لشرائي بحفنة من الدولارات!..
    واجه ثورتي بابتسامة ، لم يكن يستبعد ردة فعلي ، فاستعد له بشيء من الحلم والمكر ، وقال محاولا تهدئتي:
    ـ مهلا.. مهلا.. لا داعي لكل هذا الغضب.. ما هكذا يتكلم الشبان عندما يخطبون بنات الناس.. اجلس وتكلم بروية ، فنحن مازلنا في صدد الخطبة!..
    أثارني هدوؤه إلى درجة الانفجار.. قلت في حنق:
    ـ أنت تستعمل موضوع الخِطبة من أجل مآرب مريضة.
    ـ دعك من هذا التمثيل ، والتفت لما ينفعك..
    ـ أنا لا أمثل.. ولا أسمح باستخدام هذه الأساليب معي..
    ـ سأرفع مكسبك إلى مئتي ألف دولار.
    ـ إمبراطوريتك كلها لا تغريني.
    تابع بنفس الهدوء:
    ـ ثمة أطباء يرضون القيام بهذا الدور من أجل عشر المبلغ الذي ستربحه من هذه الصفقة.
    ـ لا يوجد إنسان نظيف يرضى أن يخون ضميره ، ويروج لبضاعة فاسدة يمكن أن تؤذي أطفالا أبرياء.
    ـ إنها بضاعة سليمة ، كل ما في الأمر أننا سنستفيد من زمن الوقاية.
    ـ هل تعرف لماذا استعملت الشركات الصانعة زمن الوقاية هذا؟
    كتف يديه، ووقف يسمعني في غيظ.. تابعت غير عابئ به:
    ـ زمن الوقاية هذا وضع بالحسبان خوفا من احتمال فساد واحدة بالمليون من علب الغذاء.. يعني احتمال إيذاء كفل من مليون طفل..
    ـ وإيذائي؟.. ألا يستحق أن يوضع بالحسبان؟
    ـ المال يمكن تعويضه ، أما الحياة فلا تعوض.. لا أدري كيف تجرؤ على المقامرة بأرواح الأطفال!!..
    قال في محاولة أخيرة للضغط علي:
    ـ كنت أظنك تحب أحلام.
    ـ ومازلت..
    ـ لو كنت تحبها لفعلت ما يساعدك على الاقتران بها.
    ـ من يحب لا يشتري سعادته بشقاء الناس.
    قال بحدة وقد بدأ يخرج عن طوره:
    ـ أنت إنسان ضيق الأفق لا تعرف هذه الدنيا؟
    ـ إذا كانت هذه الدنيا ، فأنا أرفضها.. سأدعها لك ولأمثالك لأنها دنيا مسمومة.
    هتفت في ثورة وحنق:
    ـ من تظن نفسك؟.. آه.. ملاكا؟.. نبيا؟.. لقد انتهى عصر الأنبياء.
    ثم أردف يقول بنفس اللهجة المتغطرسة:
    ـ كان بإمكاني أن أرفض لقاءك منذ البداية ، لكني أحببت أن أساعدك ، وها أنت ترفض مساعدتي ، وتستعلي عليها ، كان يجب أن تعرف من أنت ، قبل أن ترفع عينيك إلى فتاة لا تستحق ظفرها.
    قلت وأنا أرمقه بنظرة تنضح بالاحتقار:
    ـ بإمكاني أن أسمعك كلاما غليظا لم تسمع به من قبل ، لكني أترفع أن أنزل إلى المستوى الذي عاملتني به.
    قال متوعدا:
    ـ أنت لا تعرف من تتحدى!
    ـ أنت مغرور بنقودك.
    ـ بإمكاني أن أؤذيك.
    ـ هل أفهم هذا على أنه تهديد؟
    ـ سمه ما شئت.. وسترى....
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الجمعة فبراير 13, 2009 6:39 pm


    ۞ الفصل الثاني و العشرون ۞
    *****************
    خرجتُ وأنا أنتفض من الغضب ، وعندما أسلمتني قدماي إلى الشارع ، أحسست بعمق الجرح الذي خلّفه هذا اللقاء العاصف في نفسي.
    ارتميت في سيارتي كالخائر ، وألقيت برأسي على المقود ، ورحت أستذكر كل ما كان..
    الآن فهمت كل شيء.. لقد وجد والد أحلام أن رفضه لرغبة ابنته في الزواج مني ، سيزيدها إصرارا على موقفها وتمسكا برأيها ،
    فحاول بدهائه أن يستوعبها ، فأبدى استعداده للقائي وبحث الأمر معي ، وقد أعد في خياله خطة خبيثة لتشويه صورتي أمام أحلام..
    ظن أن كل الناس مثله.. يسقطون أمام بريق المال ، ويستسلمون في سبيله بسهولة..
    صور له خياله المريض أني شاب سهل المنال ، لن تصمد مُثُلُه وأخلاقه أمام عرضه المغري ،
    فحاول شرائي بمئتي ألف دولار ، أبيع بها ضميري ، وأستغل لقبي الطبي لأفتي له بصلاحية الأغذية الفاسدة ، فيسوق بضاعته الكاسدة ، وأسقط في نظر أحلام..
    هذا الذئب الأنيق.. كم أوتي من الخبث والدهاء؟!..
    كل حركة عنده مرسومة ومحسوبة بدقة..
    يريد دائما أن يربح..
    حتى الخسارة يوظفها ، ويستفيد منها في تحقيق ربح أو فوز جديد..
    وعدت أدراجي إلى البيت ، فأغلقت علي باب غرفتي.. واستلقيت فوق سريري منهكا ساخطا كئيبا ، وقد أرهقتْ نفسي الصدمة التي تلقيتها على يد والد أحلام..
    هذا الرجل القاسي الذي ملأه المال غرورا وغطرسة واستهانة بمشاعر الناس ومصائرهم!..
    واستغرق تفكيري سؤال كبير: كيف سأتمكن من إنقاذ أحلام البريئة الرقيقة من بين مخالب أبيها الذي يقف حاجزا عنيدا بيني وبينها؟..
    واعترض أفكاري طرق على الباب ، فاعتذرت عن فتحه متذرعا بالتعب والإرهاق ،
    عاد الطرق مشفوعا بصوت أمي وهي تقول:
    ـ جاءتك رسالة ، افتح وخذها..
    رسالة!.. ما هذه الرسالة؟.
    دفعني الفضول لمعرفة مصدر الرسالة وفحواها ، فنهضت متثاقلا ، وفتحت الباب ، قالت أمي وهي تراني أقطر كآبة:
    ـ ماذا بك؟ لا تبدو بخير!..
    ـ متعب قليلا.. هاتِ الرسالة.
    أعطتني الرسالة وهي تشملني بنظرات قلقة ، قالت بنبرة حانية:
    ـ هل أصنع لك شيئا؟ تبدو وكأنك مريض.
    ـ لا.. لست مريضا.. فقط دعوني أرتاح.
    ـ كما تشاء..
    وكادت تمضي ، فاستوقفتها وأنا أقلب الرسالة بين يدي:
    ـ من أحضر الرسالة؟
    ـ رجل غريب.. أعطانيها ثم مضى بسرعة!.
    ـ إنها بلا عنوان!.
    ـ لكن ، مكتوب عليها أن نسلمها لك شخصيا.
    ـ صحيح ، ولكن ، من أرسلها؟
    ـ افتحها وستعلم..
    فضضت الرسالة ، ,أخرجت ما فيها بسرعة ، فصفعتني المفاجأة ، وأذهلتني ، وقرأت أمي في وجهي غضبا وانفعالا فسألتني على الفور:
    ـ ما بك؟ لماذا انقلب لونك هكذا؟
    قلت متلعثما ، وأنا أخفي الرسالة خلف ظهري:
    ـ لا شيء.. لا شيء..
    سددت أمي نظرة ثاقبة ، وقالت:
    ـ لا تُخْفِ عني ، فأنا أمك ، وأستطيع أن أستشف ما بداخلك ، لقد أثارتك الرسالة إثارة بالغة!.
    ـ قلت لك لا شيء..
    ـ بل هناك شيء.
    ـ رسالة من صديق.. هذا كل ما في الأمر.
    ـ وتثيرك إلى هذا الحد؟!
    ـ أرجوكِ أن تتركيني لوحدي..
    ـ أنت تخفي عني أمرا خطيرا...
    ـ أرجوكِ..
    استسلمت أمي لرغبتي ، وغادرتني قلقة متوجسة.. أغلقت الباب خلفها ، وتهالكتُ على كنبة قريبة ،
    ورحت أتأمل ما حملته لي الرسالة..
    مفاجآت الذئب الأنيق عبد الغني الذهبي لم تنته بعد كما تصورت ،
    وخططه الدنيئة كانت أبعد مما أسأت به الظن..
    حادثة السكرتيرة اللعوب لم يكن صدفة بحتة ، أو تصرفا عابثا من امرأة سطت عليها الرغبة ، وفقدت كوابح الإرادة..
    بل كان تصرفا مدبرا مرسوما بإتقان!..
    وها هي الصورة التي حملتها لي الرسالة تثبت ذلك..
    لقد استطاع المصور الذي قابلته خارجا من مكتب والد أحلام ، أن يخفي كاميرته خلف الأستار المخملية الزرقاء ،
    ويلتقط لي صورا عديدة وأنا أحاول مساعدة السكرتيرة ، واختار منها لقطة مقنعة كما أوصاه سيده..
    "أريد لقطة مقنعة"..
    وهل هناك لقطة أكثر إقناعا وتشويها لسمعتي من صورة السكرتيرة اللعوب وهي تطوقني بذراعيها ، وتقبّلني؟!..
    الأوغاد..
    من يرى الصورة لا يصدق أن ما جرى كان خدعة قذرة!.. في أي عالم نعيش؟!..
    وأمعنت التأمل في الصورة وأنا أرتج من شدة الغيظ والغضب..
    إنها صورة محرجة تخيرها والد أحلام بخبث للضغط علي وابتزازي ، إنه محتاط لكل أمر ،
    ومصمم على تشويه صورتي أمام أحلام ، وقد توقع ألا تفلح معي سياسة الترغيب ، فابتكر وسيلة للترهيب..
    يا له من طاغية حقير..
    وكدت أنهض من فوري ، وأذهب إليه لأنشب أظافري في رقبته ، وأحطم جمجمته التي يطبخ فيها مؤامراته الدنيئة ،
    لكن صوت أمي عاد يناديني من خلف الباب ، لأرد على مكالمة هاتفية قد وردت للتو.
    رجوتها أن تعتذر عني ، لأني كنت في حالة نفسية لا تسمح لي بالحديث مع أحد ،
    فأخبرتني بأن المتحدث يقول بأنه صاحب الرسالة ، وأنه يريدني لأمر هام..
    عبد الغني يطاردني في بيتي! يريد أن يعرف ردة فعلي على مفاجآته ، ويساومني عليها!..
    القذر!!..
    نقلت الهاتف إلى غرفتي خشية أن يلحظ انفعالي أحد ، أو يلتقط كلماتي ويفسرها على هواه ،
    فلم أكن أدري بأية لهجة سأخاطب بها هذا الوغد!..
    قلت له وأنا أتميز من الغيظ:
    ـ كان بإمكانك أن ترفضني دون اللجوء إلى هذه الأساليب القذرة التي لا تقدم عليها إلا عصابات المافيا وحثالات البشر.
    ضحك ضحكة تفيض بالتشفي ، وقال بصوت هادئ ، وكأنه يمارس لعبة مسلية:
    ـ أنت يا عزيزي لم تترك لي خيارا ، لقد اختطفت قلب البنت وإرادتها ، ولعبت برأسها حتى جعلتها تتحداني ،
    وتفرض علي رغبتها ، التي هي في الحقيقة رغبتك.
    ـ لماذا تتصور أن أحلام خاضعة لتأثير مني؟ لماذا لا تريد أن تقتنع بأنها تعبر عن رأيها ورغبتها الخالصة؟!.
    قال بلهجة هي أميل إلى الجد:
    ـ دعك من هذا الكلام ، واستمع لما سأقوله لك ،
    أنت في ورطة جديدة وعليك أن تواجهها ، وأنا على استعداد برغم كل ما بدر نحوي منك.
    لم أفهم ما يتحدث عنه ، لكني لم أعد أستغرب منه أية مفاجأة ، فقد وصل هذا الرجل المريض في تصرفاته معي إلى أسفل الدرك.
    قال عبد الغني وهو يتظاهر بالبراءة:
    ـ سوسو تدعي..
    ـ من سوسو؟
    ـ سوسو.. ألا تعرفها؟.. إنها الفتاة التي قبَّلتها في غرفة الاجتماعات.
    ـ آه.. سوسو.. تلك السكرتيرة الساقطة التي أمرتها أن تمارس معي لعبتها الدنيئة.
    قال متظاهرا بالبراءة والحياد:
    ـ الأمر يا عزيزي لم يعد لعبة.. سوسو تدعي أنك قد اغتصبتها بعد أن وعدتها بالزواج ، وهي تزمع أن تشكو إلى العدالة ،
    وسوف تقدم صورتك معها دليلا على أيام الغرام والهيام التي قضيتماها معا!.
    لم أعد أتمالك أعصابي ، صرت أرغو وأزبد على الهاتف ، أسب وأشتم وألعن ،
    وألوح بقبضتي الثائرة ، وألكم بها الهواء..
    لم أكن أتوقع أن في هذا العالم بشر منحطون إلى هذه الدرجة..
    لأول مرة في حياتي أرتطم بالقاع ، وأغوص في أوحاله القذرة..
    لأول مرة أقع فريسة للذئاب البشرية التي تعبث في حياتنا ظلما وفسادا..
    وهرعت أمي إلى الغرفة تطرق الباب لتعرف سبب ثورتي وغضبي ، لكني لم أستجب لطرقاتها..
    من حسن حظي أنه لا يوجد في بيتنا سوى جهاز هاتف واحد ، وإلا لاستطاعت والدتي أن تفهم طرفا مما جرى ويجري..
    قال الذئب عبد الغني في هدوء مثير ، بعد أن استمع إلى حديثي الغاضب بغير اكتراث:
    ـ إذا وعدتني بأنك ستبتعد عن طريق أحلام ،
    فسأعدك بأني سأمنع سوسو من تقديم الصورة للعدالة.
    قلت وأنا ألهث من حدة الانفعال:
    ـ يؤسفني أن يتصرف رجل أعمال بارز مثلك بهذا الأسلوب الرخيص.
    ـ الغاية تبرر الوسيلة ، أنا لا أريد أن أخسر ابنتي.
    قلت وأنا أحاول استعادة هدوئي:
    ـ وهل تخسر ابنتك عندما تسمح له بالزواج من الشاب الذي اختارته بكامل إرادتها؟!
    ـ ابنتي مازالت ساذجة ، طيبة أكثر من اللازم ، ومن واجبي أن أحميها.
    ـ ابنتك فتاة ناضجة أكثر مما تظن.. وهي إنسانة ذكية وواعية ، وتحمل مؤهلا ثقافيا عاليا ،
    وليست صغيرة حتى تعالج زواجها بهذه الطريقة المؤسفة.
    ضحك بنفس الهدوء المثير الذي بدأ حديثه به معي ، وقال كالشامت:
    ـ الثقافة والشهادة ، لا تعني الوعي والإدراك دائما ، ها أنت مثقف مثلها ، ووقعت ضحية فخ بسيط.
    صككت أسناني بعنف ، وزفرت ألما وغيظا ، وقلت:
    ـ في هذه معك حق ، لم يخطر ببالي أن في البشر من يتصرفون مثلك!..
    ـ أكثر الناس يتصرفون مثلي ، لكن ، لكل طريقته..
    ألم تسمع عن توظيف نقاط الضعف؟
    ـ تقصد صناعة نقاط الضعف.
    ـ هذه قواعد اللعبة..
    إذا لم يكن لخصمك نقطة ضعف تمسكه منها ، فحاول أن تجره إلى موقف ضعف تستعمله لصالحك..
    ألم يعلّموك يا دكتور أن الدنيا حرب وصراع..
    قلت وقد بلغ بي الغيظ منتهاه:
    ـ حتى الحرب لها أخلاق.. يا سعادة الإمبراطور.
    صمت برهة أوحت لي بأنه يبتسم..
    لكلمة إمبراطور وقع خاص في نفسه ، ولم يلبث أن قال:
    ـ إني أحذرك للمرة الأخيرة ، الأفضل لك أن تبتعد عن أحلام ، وإلا سأشوه صورتك أمامها ، وأجعلها تكرهك للأبد..
    أنت تدرك كيف تكون ردة فعل أحلام ، عندما تعرف أنك كنت عشيقا لمومس.
    ـ المومس سكرتيرتك ، ويمكن إثبات ذلك بسهولة ، واكتشاف دورك الرخيص في هذه اللعبة.
    ضحك عبد الغني.. ضحك طويلا ، وقال:
    ـ ألم أقل لك بأنك ساذج؟.. هل تتصور أني يمكن أن أستخدم أشخاصا تستطيع أن تصل إليهم؟..
    سوسو يا عزيزي ليست سكرتيرتي ، إنها امرأة غريبة تتجر بجسدها ، وتخلص لمن يدفع لها أكثر..
    وقد دفعت لها أجرا مجزيا لم تكن تحلم به ، فسلمتني مقابل ذلك قيادها ، لأحركها كيفما أشاء..
    المال يا دكتور كجهاز التحكم عن بعد..
    يحرك لك الناس كيفما تريد ، وكلما كان المال سخيا كلما كانت دائرة التحكم أوسع..
    لأول مرة أمنح خلاصة تجاربي للآخرين.. علك تصحو وتتعظ..
    ثم عاد إلى الضحك ، فوصلت ضحكاته إلى سمعي كقهقهات شيطان..
    قلت وأنا أكابد شعورا بالغثيان:
    ـ لا أصدق!.. أيكون فينا من هم بمثل دناءتك وبشاعتك؟!..
    ـ سأسامحك على كل هذه الإساءات إذا ابتعدت عن أحلام..
    ـ الآن عرفت لماذا نحن أمة مقهورة!.
    قال غير عابئ بما سمع:
    ـ ماذا قلت؟ هل ستبتعد عن أحلام؟
    ـ لأول مرة في حياتي أتمنى لو كنت كاتبا متمرسا حتى أعريك وأعري أمثالك ،
    ليعرف الناس أية ذئاب تلك التي تتخفى بجلود البشر!..
    ـ كن ما شئت ، وابتعد عن أحلام.
    هدرت في أذنه عبر الأسلاك:
    ـ لكني أحبها.. ألا تعرف معنى الحب؟!..
    ـ أنت لا تحبها.. أنت تحب ثروتها.. أنت طامع في ثروتي التي ستؤول إليها..
    ـ لو كنت طامعا بثروتك الكريهة ، لرضيت بعرضك هذا الصباح.
    ـ من يفكر بثروة كأحلام لا تشبعه مئة ألف..
    ـ لماذا تعتقد بأن كل من يفكر بأحلام طامع في ثروتها؟!..
    ـ عندما يتقدم من أحلام غني شبعان مثلي ، سأقتنع بأنه قد جاء رغبة بالزواج منها ، وليس طمعا بثروتها!.
    ـ أنت تبحث إذن عن صفقة تبيع فيها أحلام.
    قال وقد نفد صبره:
    ـ لقد أضعت وقتي بما فيه الكفاية.. أنت الآن أمام خيارين..
    إما أن تنسحب من حياة أحلام ، أو تركب رأسك ، فتخسر سمعتك أمامها وأمام المجتمع..
    أنت تعرف كم هي سمعة الطبيب مهمة أمام الناس الذين يأتمنونه على أسرارهم وأعراضهم!..
    ـ هذا ابتزاز رخيص.
    ـ أريد أن أسمع قرارك قبل أن أغلق السماعة.
    ـ أنت أدنأ إنسان قابلته في حياتي.
    ـ إذا لم تفصح عن قرارك خلال ثلاثين ثانية ، فسأقوم بحماية ابنتي منك بالوسائل المناسبة..
    كدت أغلق السماعة في وجهه إعلانا عن رفضي لهذا الابتزاز الرخيص ، لكني أصبت بالجبن..
    إنه طاغية عاتٍ يعني ما يقول ، ولن يتوانى عن دفع مومسته المرتزقة لتقدم شكواها ، وتلطخ سمعتي بأكاذيبها الملفقة..
    والناس للأسف يحفظون الحكايات السيئة بسرعة ، ولا يتثبتون منها ،
    والألسنة المريضة تبحث عن قصة تثرثر بها..
    سيلتصق اسمي بأذهان الناس كطبيب فاسد ، وسيمسي مستقبلي الطبي على كف عفريت..
    حتى لو كافحت وأظهرت براءتي ، فلن أجد من يحفل بهذه البراءة ، أو يذكرها أمام الناس الذين أساؤوا بي الظن.. ووجدتني مضطرا للانحناء أمام العاصفة ، ولو إلى حين ، ريثما أمتلك وسائل الدفاع عن نفسي أمام ابتزاز والد أحلام ، وضغوطه الظالمة..
    ومضت الثواني الثلاثون ، فقال عبد الغني:
    ـ يبدو أنك تبحث عن المتاعب.
    همست في يأس:
    ـ لا.. لا داعي.. لا داعي للمتاعب.
    ـ سأخبرها بأنك لم تأت لمقابلتي في الموعد المحدد.
    ـ لماذا؟
    ـ اخترع لها ما شئت من الأسباب ، المهم أن تبتعد عنها...
    ثم صَفَقَ السماعة في لؤم ، فصفع صوتها سمعي ، وزاد من شعوري بالهزيمة..
    ولأول مرة في حياتي بكيت بمرارة..
    بكيت كما يبكي الأطفال..
    أحسست بالذل والهوان..
    فقدت احترامي لنفسي..
    اهتزت ثقتي بالعالم ، احتضرت داخلي كل الأحلام والآمال ، فتكاثف الشؤم ، وألقى بظله الأسود على كل شيء ،
    لن تخدعني المظاهر بعد الآن ، لن تخدرني البشاشة التي يلقاني بها الناس ،
    الأقنعة التي يرتدونها لن تنجح في اصطياد ثقتي..
    وتمددت فوق سريري كالميت ، أحملق بنظراتي الذاهلة في السقف الأبيض الناصع..
    كم تحوي أيها السقف تحت طلائك الجميل من بشاعة!..
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في السبت فبراير 28, 2009 12:42 pm


    ۞ الفصل الثالث و العشرون ۞

    ****************
    لا أذكر أني قضيت ليلة أطول من تلك الليلة!.. قضيتها مؤرقا مسهدا ،
    تتناوشني الأفكار والهواجس ، وتعتصرني مرارة العجز والهزيمة...
    وأعلنتْ حواسي استنفارا شاملا ، فلم يغمض لي جفن ، أو يهدأ لي فكر..
    وجلدتني نفسي بقسوة ، فألهبتني بسياط اللوم والتأنيب..
    وبدت لي كل المثاليات التي أحملها كفقاعات متهافتة من الهواء..
    تراها جميلة براقة تسبح برشاقة وانسياب ، لكنها تنفجر عند أول صدمة..
    تتلاشى ، وتمحى ، وكأنها لم تكن..
    وعاث الشك في أعماقي كمارد أحمق ، يحطم كل الصور الحبيبة إلى نفسي ،
    ليبحث تحتها عن الزيف والبشاعة التي قد تخفيها ،
    وامتدت يد هذا المارد إلى أقرب الناس إلي ، فأنشب أظافره في وجوههم ليختبرها ،
    ويتأكد من أنها وجوه حقيقة أصلية ، وليست أقنعة مزيفة كالقناع الذي يرتديه والد أحلام..
    وشعرت أن العالم داخلي يتداعي وينهار ، فيسحق تحته كل الأمثلة الطيبة التي كنت أرنو إليها باحترام ،
    بيد أن أحلام وقفت فوق أنقاض هذا العالم المتداعي كالمنارة ، تشع طهرا ونقاء ،
    فلم يجرؤ مارد الشك أن يمد يده إليها أو أن يخترق هالة الطهر والوضاءة التي تحف بها ،
    وطفق يدور حولها مبهورا بنبلها ووضاءتها ،
    يحيره ذلك الجوهر الكريم الذي يتوهج داخلها ، ويسطع بكل هذا الألق الفريد..
    والتفت حول رقبتي ضفيرة غليظة من الأسئلة ، وراحت تضغط عليها بعنف ، حتى كادت تخنقني!..
    كيف ستواجه أحلام؟.. ماذا ستقول لها؟.. كيف ستعتذر إليها؟...
    هل ستعترف لها بحبك وإذعانك للابتزاز؟..
    أم ستخفي عنها ما حدث ، وتدعي بأنك لم تذهب لمقابلة أبيها في الموعد المقرر؟..
    ستسألك ، لماذا ، فماذا سيكون الجواب؟ وكيف ستبرر لها هذا الادعاء؟...
    كيف ستصمد أمام عينيها وأنت تقرأ فيهما نعيك كرجل ، وكإنسان؟..
    وانتبهت في هدأة الليل إلى شيء!..
    أصخت السمع ، ثم تتبعت مصدر الصوت في قلق ، فقادني الصوت إلى غرفة الجلوس ،
    كانت أمي تجلس وحيدة في ركن الغرفة تغلب البكاء.. أضأت النور ،
    فأخفت وجهها المخضل خلف كفيها ، قلت لها ، وقد أثر بي منظرها الباكي ،
    وزادني ألما على ألم:
    ـ أماه.. لماذا تبكين؟..
    أجابت بصوت متهدج خنقته العبرات:
    ـ وهل تريدني أن أضحك؟.. تأتي إلى البيت واجما حزينا ، ثم تغلق عليك الباب..
    أسألك أن تصارحني بما يشغل بالك ، فتأبى.. أدعوك إلى طعام الغداء ، فتعتذر بفظاظة..
    آتيك بالطعام إلى غرفتك فتضرب عنه.. تقضي الوقت في الغرفة وأنت تحملق في الجدران كالممسوس..
    تريدني أن أرى كل هذا ولا أبكي؟!..
    تناولت راحتها بين يدي ، وطبعت على ظاهر كفها قبلة اعتذار.
    قلت في تأثر:
    ـ أماه.. أنت تبالغين في فهم الأمور.. لا شيء يدعو للقلق.. قومي فاخلدي للنوم.
    ـ لن أنام حتى أعرف ما الذي يشغلك؟
    ـ قلت لك لا شيء..
    ـ أنت تكذب!..
    ـ أماه!..
    ـ أنت تخفي عني أمرا عظيما لا يسر.
    أطرقت في صمت.. تستطيع أن تخفي كل شيء عن الناس ، لكنك لا تستطيع أن تخفي شيئا عن الأم..
    سيكتشف العلماء ذات يوم حاسة جديدة تدعى حاسة الأمومة ، وسيجدون عليها ألف برهان..
    قلت لها بنبرة مستسلمة:
    ـ لا أنكر أني قد تعرضت اليوم لتجربة مؤلمة ، لكني لا أجد ضرورة للحديث عنها..
    الحديث فيها يؤلمني أكثر ، وأنت لا تريدين لي المزيد من الألم.
    هدأتْ قليلا ، وقالت:
    ـ أتخبرني بما يشغلك فيما بعد؟
    ـ ستعرفين يوما كل شيء.
    ـ مازلت قلقة عليك!.
    ـ ألا تثقين بقدرة ابنك على مواجهة الأزمات؟
    صمتت ولم تجبْ!.... بدت كأنها ليست واثقة!... عذَّبني صمتها ، إنها تعرف أن ابنها ضعيف!...
    أطرقت في حياء ، قالت بعد تفكر:
    ـ أما زلت تفكر في أحلام؟
    مس هذا السؤال فؤادي المجروح كذرات من الملح ، فالتهبت آلامه من جديد ، قلت وأنا أتهرب من نظرتها:
    ـ أحلام كانت فكرة ، والأمر لم ينضج بعد.
    ـ أنت تحبها أليس كذلك؟
    ـ هذا الموضوع يحتاج إلى وقت آخر..
    صمتت ثانية ، وقد أدركت أن صدري مغلق أمام محاولاتها لاكتشاف سري ، ومداواة جرحي..
    قالت بعد تأمل حزين:
    ـ إذا كنت مصرا على الزواج من أحلام ، فأنا مستعدة لبيع الأرض التي ورثتها عن والدي ،
    لتؤمّن لها المستوى المادي الذي يليق بها..
    رنوت إليها في ود وفخر..
    كم هو الفارق بين إنسان يضحي بكل ما يملك من أجل سعادة ولده ،
    وبين إنسان يضحي بسعادة ولده من أجل ما يملك!..
    كم هو الفرق هائل وبعيد!!..

    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في السبت فبراير 28, 2009 12:58 pm


    ۞ الفصل الرابع و العشرون ۞

    ****************
    استقبلت صباح اليوم التالي برهبة ، كنت مشفقا من لقاء أحلام ، وترددت!..
    هل أذهب إلى المستشفى أم أبقى؟ هل أقدم على مواجهة الموقف أو أحجم؟
    كان السهر والأرق والسهاد قد تراكم على أعصابي فأرهقها.
    وسرى الوهن في جسدي كالداء ، فوجدت فيه ذريعة للهروب.
    اتصلت بالمستشفى لأطلب إجازة ، فأخبروني بأن الدكتور مأمون يحضّر لعملية مهمة
    وقد طلب من جميع الأطباء أن يكونوا حوله في غرفة العمليات ليطلعوا على الحالة الجديدة ،
    ويتعرفوا على التقنية الجراحية التي سيستخدمها...
    لم يكن أمامي مفر من الذهاب ، فالدكتور مأمون يغفر كل شيء في العمل إلا الغياب عن مثل هذه العمليات!.
    وذهبت. دلفت إلى المستشفى متثاقلا أقدم رجلا وأؤخر أخرى ،
    خفق قلبي وأنا أصافح الوجوه بنظرات حذرة.. ماذا لو ظهرت أحلام أمامي فجأة؟
    وبأي وجه سأقابلها؟ ورقيت في الدرج كالخائف ،
    ثم تسللت إلى غرفة الأطباء المقيمين. كان هاني يهندس شاربه الكث أمام المرآة..
    ألقيت عليه تحية الصباح ، فرد علي خياله المنعكس على المرآة ،
    جلست على حافة السرير كالمهدود ، وأخذتني سِنَة من الشرود..
    التفت إليَّ هاني فجأة ، وقد لحظ وجومي عبر المرآة ، قال باهتمام:
    ـ صلاح.. ما بك؟
    ـ لا شيء..
    ـ أنت حزين!
    تكلفت بابتسامة واهنة وقلت متظاهرا بالإنكار:
    ـ أنا؟
    ـ نعم.. أنت لست على ما يرام..
    ـ متعب قليلا.. لم أنم جيدا هذه الليلة.
    عاد إلى مرآته ، وراح يشد أزرار ردائه الأبيض إلى عراها بإحكام..
    قال وهو يتأكد من سلامة هندامه:
    ـ هو الأرق إذن..
    أومأت بالإيجاب ، ونهضت إلى خزانتي لأرتدي ثوب العمل..
    أردف هاني وهو يدس جهاز الإنذار في جيب ردائه المكوي بعناية:
    ـ أرق المفلس أم أرق العاشق؟
    ـ بل أرق المفجوع!
    ـ بمن؟
    ـ بهذا العالم..
    ضحك هاني ، وقال:
    ـ يا مسكين.. سيظل هذا العالم جاثما فوق صدرك حتى يسحقك تحته ،
    كفاك تفكيرا بهذا العالم ، والتفت لنفسك.. روّح عنها بعض الشيء ، و انجُ بها من الأرق والقلق..
    روّضها على عدم الاكتراث.. افعل مثلي ، فأنا لم يعد يهزني شيء..
    وكان يهم بالخروج ، فتوقف فجأة وهو يراني مازلت غارقا في همومي لا أحفل بتعليقاته الساخرة..
    قال ناصحا:
    ـ لا تنسَ أن تزين وجهك بابتسامة قبل أن تنزل ،
    فمنظرك المقطب قد يصيب المرضى بالاكتئاب.
    ثم دس يده في جيبه ، ومضى وهو يصفر في مرح.
    مازالت أعصابي مشدودة إلى لحظات المواجهة.. تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني ، ولا تراني أحلام..
    كم سأبدو في نظرها تافها وضعيفا!....
    سأبدو أخرقَ مترددا لا يملك أن يأتي بقرار ، وسأبدو وغدا كريها لا يحترم مشاعر الآخرين..
    ورن جرس الهاتف ، فرفعت السماعة بيد ثقيلة ، كان هاني على الطرف الآخر..
    ـ صلاح.. نسيت أن أخبرك.
    ـ ماذا؟
    ـ الدكتور مأمون يريدنا في غرفة العمليات.
    ـ أعلم.
    ـ أسرع إذن.. لقد دخل الآن..
    وهرعت إلى جناح العمليات كجندي جبان يحب الحرية ، ويهاب الموت!..
    غسلت يدي بالصابون ، وارتديت الملابس المعقمة الخاصة بغرفة العمليات ،
    ثم أحكمت وضع القناع الطبي فوق أنفي...
    شعرت بشيء من الارتياح لأن هذا القناع سيخفي تحته تعابير وجهي المقطبة.
    وانضممت إلى زملائي الأطباء الذي التفوا حول الدكتور مأمون في غرفة العمليات..
    لم أجرؤ في البداية على رفع نظراتي لأطوف بها على وجوه الزملاء ،
    خشية أن تلتقي بأحلام! أخذت مكاني في الحلقة التي انفرجت قليلا لتضمني ،
    وركزت بصري على جسد المريض الممدد أمامي بانتظار مبضع الجراح..
    لكن الدكتور مأمون لم يرحمني.. قال مداعبا:
    ـ أراك اليوم في ذيل القافلة يا دكتور صلاح.. عهدي بك دائما الأول!.
    وأردف هاني في محاولة ماكرة لإحراجي:
    ـ لقد أخرتنا يا دكتور صلاح.. منذ متى ونحن ننتظر!..
    ضحك الجميع لدعابة هاني ، بينما قال الدكتور مأمون لهاني مازحا:
    ـ اسكت أنت.. دائما تحب الاصطياد في الماء العكر.
    ـ ظننتك ستمنحني مكافأة!..
    ـ لماذا؟
    ـ لأني أول من حضر اليوم إلى غرف العمليات..
    ـ ستنال مكافأتك في الحال..
    ـ أرجو أن تكون مجزية..
    ـ ستقوم بتجفيف الدماء أثناء إجراء العملية.
    ابتسمت لهذا التكليف الذي لا يخلو من دعابة ، بينما ضحك الآخرون ، المعروف عن هاني أنه يؤثر الراحة ،
    وكثيرا ما كان يتقصد التأخر عن مثل هذه العلميات ،
    حتى تكون الأدوار قد وزعت ، فيكتفي بالمشاهدة ، وبدأت المجزرة كما يسميها هاني عادة ،
    فأغمد الدكتور مأمون حافة مقبضه الحادة في بطن المريض ،
    وأخذ يفتح به مدخلا إلى أحشائه المصابة..
    انتهزت فرصة انشغال الجميع بما يجري ، فاختلست إلى أحلام نظرة متسللة ،
    لكنها ضبطت نظرتي الجبانة وهي تزحف إلى وجهها الشاحب ،
    سربلني منظرها الشجي بلهيب الأسى والغم ، وقرأت في عينيها لوما موجعا ،
    وعتبا مريرا لم أصمد له ، فنكست بصري وتظاهرت بالانشغال..
    وفرغ الدكتور مأمون من جراحته ، فغادرت المكان على عجل ، ولُذْتُ بمقصف العم درويش..
    جلست مرهقا منهكا كالمحموم ، تطاردني النظرات اللوامة التي سددتها إلي أحلام.
    وجاء العم درويش يسألني عما أشتهي ، فطلبت فنجانا من القهوة ، فخف لإحضاره ،
    وقد لاحظ ما أنا فيه من ضيق.. ولم يلبث قلبي أن خفق وأنا أصغي لإيقاع خطوات أحلام ،
    وهي تدق الممر الطويل المفضي إلى الاستراحة.
    وقفت أحلام أمامي في كبرياء وسألتني بنبرة صارمة:
    ـ لماذا لم تحضر لمقابلة والدي بالأمس؟
    انفجر سؤالها داخلي كقنبلة تتشظى بالمرارة ، لقد نفذ أبوها دوره بدقة ،
    وعليَّ أن أتم الفصل الثاني من المسرحية.
    رجوتها أن تجلس ، لكنها كررت السؤال بنبرة أشد وطأة وإيلاما..
    قلت لها متجاهلا سؤالها القاسي:
    ـ ماذا تشربين؟
    جلست وقالت:
    ـ كان أولى بك أن تحزم أمرك قبل أن أضرب لك موعدا مع أبي.
    كدت أنفجر أمامها ضاحكا ، وأدلي لها بكل ما كان ، فأعري أبيها الماكر ،
    لكني تذكرت العواقب المحتملة ، فضعفت ، وتنهدت:
    ـ أحلام... يبدو أننا لم نخلق لبعضنا..
    دمعت عيناها وقالت:
    ـ الآن تقول هذا الكلام؟.. أبعد أن خضت مع أمي وأبي معركة من أجلك؟
    . هل أنا رخيصة عندك إلى هذا الحد؟.. لماذا هذا التردد؟..
    ما الذي غير رأيك بهذه السرعة؟..
    اخترقتني كلماتها كحزمة من الرماح ، تضاءلت أمامها وأحسست بالصغار..
    قلت متهربا من نظراتها الثائرة:
    ـ فكرت في أمر هذا الزواج ، فوجدت أنه لا يمكن أن يعيش!
    ـ لماذا؟
    ـ لدي أسبابي.
    رمقتني بنظرات كسيرة ، وهمست:
    ـ أنت تحكم علي بالعنوسة إلى الأبد..
    ـ ستنسيني عما قريب.
    همست بنبرة ترتعش:
    ـ كيف تجرؤ على هذا الكلام؟..
    ـ أنا عاجز عن القرار.. الآن ، على الأقل..
    رفعت هامتها في كبرياء ، وقالت:
    ـ أما أنا فقد اتخذت قراري.. إما أنت ، وإما لا..
    هتفت في ضراعة:
    ـ أحلام.. أحلام.. لا تكوني عنيدة ، لنتصرف بواقعية..
    قد يكون ما بيننا أعمق وأروع ما يمكن أن ينشأ بين شاب وفتاة ،
    لكن العواطف شيء ، والواقع شيء آخر..
    قالت في حدة:
    ـ ما قيمة هذا الواقع إذا لم نعِشْه كما نريد؟.. إذا لم نصُغْه وفق قناعاتنا وأفكارنا؟..
    ـ لكن هذه القناعات ستتبدل بعد الزواج..
    بعد الزواج ستشعرين بالفرق بين حياتك معي والحياة التي كان يوفرها لك أبوك..
    ستشعرين بأن الزواج قد حرمك من أشياء كثيرة ، وستفقدين حياة الرفاهية والنعومة التي تعودت عليها..
    ستتراكم في نفسك مشاعر التأفف والملل ،
    وستشوه التفاصيل الصغيرة العلاقة الرومانسية الحالمة التي تجمعنا..
    سنكتشف أنا خدعنا أنفسنا ونغرف في الندم..
    لماذا لا نجنب أنفسنا هذه التجربة الفاشلة منذ الآن؟
    حدجتني بنظرة قاسية وقالت:
    ـ أنت تتحدث كوالدي تماما.. أصبحت تربط كل شيء بالمادة!.. ثمة شيء أجهله قد غيرك!!..
    ـ كل ما في الأمر أني لم أصل إلى قرار..
    أطرقت كاسفة حزينة وقالت في يأس:
    ـ أنت لا تريدني.. نعم. لا تريدني..
    كان يجب أن أفهم برودك نحوي منذ البداية..
    ظننت ترددك خوفا وإشفاقا من أن أخذلك ، فشجعتك ومهدت لك الطريق ،
    فجاملتني دون أن تملك نحوي نفس الأحاسيس والمشاعر ، أنا الملامة على أية حال..
    أستطيع الآن أن أتخذ قراري..
    لن تجمعني الحياة بك بعد الآن ، ولن تجمعني برجل من بعدك.. الوداع...
    ثم مضت... مضت غاضبة حزينة بعد أن زرعت نفسي بوجد عارم ،
    تمنيت أن ألحق بها لأبوح لها بالحب الذي يضطرم بين ضلوعي ، لكني لم أجرؤ..
    فالبوح سيزيد موقفي تناقضا وغموضا!..
    هل أدوس على قلبي وأرضخ للابتزاز ، أم أبدأ المعركة مع والد أحلام؟
    ما أقسى أن تجد في طريقك سؤالا بلا جواب!...
    يتبع ..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس مارس 12, 2009 5:36 pm


    ۞ الفصل الخامس و العشرون ۞

    ****************
    ـ هل سمعت آخر الأخبار؟.
    ـ ماذا؟
    ـ الدكتورة أحلام استقالت.
    هتفت كالملدوغ:
    ـ استقالت؟!..
    قال هاني في هدوء:
    ـ ظننتك تعرف!
    ـ من أين علمت؟
    ـ الدكتور مأمون أخبرني ، التقيت به هذا الصباح ،
    فقال لي بأن الدكتورة أحلام قد جاءته البارحة في نهاية الدوام ، وطلبت منه أن يقبل استقالتها.
    ـ كان عليه أن يرفض..
    ـ كانت مصرَّة..
    ـ ألم يسألها عن السبب؟
    قال هاني متخابثا:
    ـ لعلها قد خطبت ، وقررت الاستعداد لبيت الزوجية.
    قلت حانقا:
    ـ هاني.. كف عن هذرك!
    ـ لماذا استقالت إذن؟
    ـ لعلها.. لعلها..
    ـ لعلها ماذا؟
    ـ لا أدري..
    ـ لقد ضايقك قرارها.. أليس كذلك؟..
    ـ أنت تعرف معنى أن ينقص طاقم أطباء الطوارئ واحدا.
    ـ أهذا ما يقلقك؟
    ـ ماذا تقصد؟!
    ـ لقد بات اهتمامك بأحلام ، وتعلقك بها ، واضحا..
    لا يمكن للعاشق أن يخفي وجده طويلا..
    أحرجتني ملاحظة هاني ، لابد أنه يشعر الآن بأن أحلام قد رفضته من أجلي..
    قلت وأنا أداري ارتباكا:
    ـ هاني.. دعنا من هذا الحديث أرجوك..
    همس هاني وهو يلتفت ذات اليمين وكأنه يخاطب شخصا قادما من بعيد:
    ـ اطمئن.. لقد نسيتها تماما.
    ـ بهذه السرعة؟
    ونادتني إحدى الممرضات:
    ـ دكتور صلاح.. الدكتور مأمون يريدك أن توافيه في مكتبه.
    استأذنت هاني ، ومضيت إلى جناح الإدارة ، قال لي الدكتور مأمون وهو يستقبلني في وجوم:
    ـ عرفتَ طبعا..
    ـ أخبرني هاني.
    ـ قالت أنها تريد أن تتفرغ للرسم ، هذه أول مرة أعرف أن الدكتورة أحلام رسامة!
    لقد استطاعت أحلام أن تختار حجة مناسبة للاستقالة.
    أطرقت متألما.. أنا الوحيد الذي يعرف السبب الذي يكمن وراء استقالتها..
    تابع الدكتور مأمون في حيرة:
    ـ كان يبدو عليها التعب والحزن.. أعتقد أن هناك سببا آخر دفعها للاستقالة..
    غير حبها للفن والرسم!...
    قلت في محاولة لتبديد شكوكه ، حتى لا يسترسل في بحثه عن الحقيقة:
    ـ الدكتورة أحلام ليست الطبيبة الأولى التي تهاجر من الطب إلى الفن..
    كثيرون هم الأطباء الذين يستهويهم الفن والأدب.
    ـ نعم ، لكنها كانت تستطيع أن تجمع بين الطب والفن.. لا... لا... حجتها ليست مقنعة.
    ثم أردف وهو ينظر إلي كالشارد:
    ـ ألا تستطيع أن تقنعها بالعودة؟
    فاجأني سؤاله ، تهربت من السؤال بسؤال:
    ـ لماذا أنا؟
    ـ فهمت أنها تثق بك وتحترمك!.
    ـ من الذي أوحى لك بذلك؟
    ـ العم درويش.. أنسيت أن العم درويش عيني عليكم؟
    ابتسمت وأنا ألقي برأسي إلى الخلف. العم درويش..
    لا بد أنه التقط بحدسه المعنى الذي كان يكمن خلف نجوانا..
    مال الدكتور مأمون على مكتبه ، وقال بصوت أقرب للهمس:
    ـ العم درويش يعتقد بأنك وأحلام لائقان ببعضكما البعض ،
    همس لي بذلك منذ أيام ، وأنا أشاطره الرأي..
    نكأ كلام الدكتور مأمون جرحي.. قفزت ذكرى لقائي بوالد أحلام إلى خيالي فجأة ،
    فشعرت بوخزة مؤلمة.. بعض الناس يستعذبون عذابات الآخرين!..
    لماذا يقف هذا الوغد في طريق سعادتنا؟!
    قلت متهربا من نظرات الدكتور مأمون التي حاولت سبر أغواري:
    ـ سأحاول إقناع أحلام.
    ـ إني أعتمد عليك.
    ـ وإذا لم توافق؟
    ـ أريد أن تجد بديلا بها.. أريد بديلا يكون بأخلاقها ومهاراتها.. أنت تعرف طريقتي في اختيار الأطباء..
    قلت مرددا عبارة شهيرة كثيرا ما كررها الدكتورٍ مأمون على مسامعنا:
    ـ الأخلاق أولا ، والمهارة ثانيا ، والأخلاق والمهارة معا.
    قال وهو ينهض مودعا:
    ـ حاول أن تقنع أحلام أولا.. لا أريد أن نخسرها.
    كانت المهمة صعبة ، وكان علي أن أنجزها ، يجب أن تعود أحلام ، لن أتركها تفسد مستقبلها من أجلي..
    ولكن... كيف أستطيع إقناعها بالعودة؟..
    كيف أكون الخصم والحكم في آن واحد؟!..
    واتصلت بها.. رد علي صوت نسائي رجحت أنه صوت والدتها:
    ـ الدكتورة أحلام موجودة؟
    ـ من يريدها؟
    ـ مستشفى ابن النفيس.
    غاب الصوت قليلا ، ثم جاء صوت أحلام هادئا رزينا في بحة شجية ، قلت كالعاتب:
    ـ لقد تسرعت كثيرا في قرارك.
    عرفت صوتي على الفور.. قالت بعد صمت قصير:
    ـ ألم تطلب مني أن أنساك؟ هذا أفضل طريق.
    ـ أنت تتصرفين تحت وطأة الصدمة!.
    ـ كان لابد أن نفترق.. عاجلا أم آجلا..
    وخزتني كلمة الفراق ، وأوجعتني.. قلت في ألم:
    ـ أرجوك.. لا تتحدثي عن الفراق.
    صمتت قليلا ، ثم قالت بصوت حزين:
    ـ لقد اتفقنا على مواجهة الواقع.
    ـ ليس بهذا الأسلوب.
    ـ لكل أسلوبه.
    ـ أنت غاضبة.
    ـ هل يهمك غضبي إلى هذا الحد؟
    صورتي أمامها تنهار شيئا فشيئا ، أصبحت في نظرها إنسانا مشوها لا يعبأ بأحاسيس الناس ،
    ولا يقيم لمشاعرهم وزنا ، قلت في محاولة لاستعادة ثقتها بي:
    ـ أحلام... تأكدي أني أحترمك وأحترم مشاعرك ، ولكن...
    قاطعتني بنبرة غاضبة:
    ـ أعتقد أن هذه المواضيع قد انتهت بيننا ، هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟!..
    أحسست أن صوتها يتهدج ، ونبراتها ترتعش ،همست مشفقا:
    ـ أحلام.. لا أريد أن أكون سببا في إفساد مستقبلك ، إذا كان تركك للعمل في المستشفى ، بسببي فأنا...
    ـ أنا أتخذ قراراتي بملء إرادتي ، وليس بسبب أحد..
    ـ تصرفك السريع عقب ما جرى بيننا يجعلني أشك في قرارك!.
    ـ كل ما في الأمر أني أحضر للمعرض الذي سأقيمه بعد أسابيع ،وقد رأيت أن أتفرغ للإعداد له ،
    حتى تكون لوحاتي جديرة بأن يدعى إليها الناس.
    قلت في توسل:
    ـ أحلام.. أرجوك أن تعودي.
    هتفت في ضيق:
    ـ أرجوك ألا تعود إلى هذا الموضوع.
    ـ ولكن..
    ـ هل تسمح لي بإغلاق السماعة؟
    صفعتني بطلبها اللبق الذي يخفي خلفه حزنا وغضبا ومرارة.. اجتاحتني خيبة خانقة.. قلت بنبرة عاتبة:
    ـ لم أتوقع أن حديثي معك سيكون ثقيلا إلى هذه الدرجة!
    قالت بصوت متهدج:
    ـ آسفة إذا كان طلبي هذا فظَّاً ، لكني في حالة نفسية لا تسمح لي بالحديث مع أحد.
    ثم انفجرت باكية وهي تغلق السماعة برفق ، فمزقني صوتها الباكي ، وغاص في قلبي كمُدية من الجمر..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس مارس 12, 2009 5:45 pm


    ۞ الفصل السادس و العشرون ۞

    ****************
    غربت أحلام من حياتي كما يغرب القمر ،
    وتركتني وحيدا في بيداء مظلمة كل ما فيها أسود شاحب وكئيب..
    ومرت علي الأيام التالية بلا طعم أو روح ، فأغلقت صدري على ما حدث ،
    وانكفأت إلى داخلي أتابع حركة الهزات والزلازل التي ضربتني بعنف ،
    فزعزعت أركاني ، ودمرت أحلامي ، وأحاطت برؤيتي المسالمة للحياة..
    وأدمنت الصمت ، فلا أُرَى إلا واجما ساهما غارقا في شرود عميق ، وحُبِّبتْ إلي الوحدة ،
    فوجدت راحتي في العزلة والابتعاد عن الناس..
    قال لي هاني ذات مرة :
    أنت لم تعد أنت.. إنسان لا أعرفه ، أراك ولا أجدك ،
    لا أرى فيك سوى بقايا رجل!.. ما الذي حدث لك بحق الإله؟..
    لم يستفزني كلامه ، ولم أجد رغبة في الرد، ابتسمت كالأبله ، ورنوت إليه بنظرة باردة لا معنى لها ،
    قال وهو يحدجني في تفكر:
    ـ أنت تعاني من صدمة نفسية قوية!..
    لم أعلق.. كأن حديثة لا يعنيني.. تابع قائلا:
    ـ لا شك أنك قد مررت بتجربة مثيرة!..
    نعم.. تجربة غير مألوفة أفقدتك توازنك!!..
    ثم أردف في دعابة كالذي يحزر:
    ـ لعلك قابلت كائنات غريبة قادمة من الفضاء!..
    شاهدت فيلما عن حالة مشابهه..
    كان البطل يتنزه في الحقول ، فحط قربه طبق طائر ، وخرج منه ثلاثة رجال كالقرود ،
    فاختطفوه وطاروا به بعيدا إلى أعماق الكون البعيد..
    وعندما عادوا به إلى الأرض كان قد صار هكذا مثلك..
    يحملق في الهواء ، ويغرق في التأمل ، ويخشى الناس..
    وضحك هاني ليبعث الحياة في دعابته ، لكن ضحكته جاءت نشازا ،
    شعر بالإخفاق والخذلان لأني لم أتجاوب مع ضحكاته ، غير أنه لم ييأس ،
    قال كمن وضع يده على أمر خطير:
    ـ لا.. لا.. أنت مدمن مخدرات ، بعض المخدرات تفعل هكذا!..
    تصيب الإنسان بالصمت والشرود ، وتنقله إلى عوالم مبهمة..
    تراه معك وهو ليس معك.. هائم في عالمه الغريب.. نظراته بليدة ، وحركاته واهنه ، وعقله مسافر..
    إلى أين؟.. لا تدري!.. يؤسفني أنك تحولت من مصلح إلى حشاش!..
    ابتسمت رغما عني.. قلت وأنا أشيح بوجهي عنه:
    ـ هاني دعني وشأني..
    ـ لن أدعك حتى تبوح لي بما غيّرك!..
    ـ لم يغيرني شيء..
    ـ صمتك يغيظني..
    ـ الصمت خير من الكلام..
    ـ لم تكن هذه حكمتك من قبل!.
    ***********
    وعشت في البيت كالغريب..
    أضحك للضحكات ، وأبسم مع الباسمين ،
    أراقب ما يجري حولي كطفل لم يمتلك لغة التخاطب مع البشر بعد..
    ولاحظ الجميع ما آلت إليه حالي ، ويئسوا من اختراق صدري ليعرفوا ما الذي يدور فيه؟
    وأدركت أمي أني أمر بأزمة من نوع غريب لم تعهده من قبل ،
    فانضمت إلى قائمة اليائسين ، وهي تكابد حيرة وعجزا..
    ************
    وافتقدتُ أحلام.. افتقدت حديثها الحلو الذي ينساب كلحن عذب..
    افتقدت ابتسامتها الرقيقة التي كانت تملأ الكون فرحا وبهجة..
    افتقدت نظراتها الوادعة الحالمة التي تطل من عينيها على استحياء ،
    فتدعوك لتنطوي ككرة صغيرة ، تنام في محجريها الدافئين ،
    وافتقدت روح أحلام تلك الروح الرقيقة التي تشف عن جوهرها النقي ومعدنها النبيل ،
    من يستطيع أن يُسكت نداءات الروح المشتاقة إلى توأمها الغائب الحزين؟
    من يستطيع أن يقمع آلام الروح عندما يضنيها الفراق ويوجعها الحنين؟..
    وصارت الأحلام السوداء تغزوني في الليل ، تنقض علي كالكوابيس ،
    وتقض مضجعي بمشاهدها القاسية العنيفة ،
    رأيت أحلام ذات مرة تزف إلى آخر ،
    فأفقت كالمجنون ، وقد روعني هذا الحلم الفظيع الذي حرمني من فتاتي..
    ووجدتني ذات منام أصارع ثعبانا مخيفا له جسد أفعى ورأس إنسان..
    وسرعان ما تبينت أن الرأس رأس عبد الغني الذهبي ، فدهشت!..
    وكاد الثعبان العجيب يقضي عليَّ لولا أن ظهر الأستاذ سعيد الناشف فجأة ، وهو يحمل فأسا غريبة..
    في أحد رأسيها شفرة فأس ، وفي الطرف الآخر رأس قلم!..
    ولم يلبث الأستاذ سعيد أن أغمد رأس القلم المدبب في جسد الثعبان ،
    فانشغل الثعبان عني ليواجهه الخطر الجديد ،
    فتناولت الفأس من الأستاذ سعيد وهويت بها على الثعبان ،
    ففصلت شفرة الفأس بين رأسه وجسده ، لكن رأس عبد الغني الذبيح ظل حيا ،
    وراح يضحك ويقهقه ساخرا مني ، هازئا بمحاولاتي للقضاء عليه ،
    وسرعان ما نَبَتَ له جسم ثعبان جديد ، فمد ذيله نحوي ،
    ولفه حول عنقي وراح يضغط عليه بقوة ، فأفقت وأنا أتخبط كالغريق!..
    وأفاق أهل الدار ذات ليله على صوتي ، وأنا أهتف وأصيح :
    فليسقط الظلم.. الموت للظالمين..
    وعندما أيقظوني من حلمي ، تذكرت أني كنت أقود الجموع في المنام ،
    وأحاصر بها برج عبد الغني الأزرق ،
    وأحرضها على تدمير هذا الصرح الذي قام على جماجم الأبرياء..
    وخطر لي مرة أن الذئب الأنيق عبد الغني الذهبي قد يكون نفَّذ خطته
    في تسويق أغذية الأطفال الكاسدة التي انتهى عمرها المفيد ، وبدأ فعلها السامّ!..
    نزلت إلى الأسواق كالمجنون ،
    وطفقت أطوف على محلات بيع الأغذية والصيدليات التي أعرفها لأتفقد ما لديها من أغذية أطفال ،
    واضطرابات لشراء بعض العينات حتى لا أنبه الباعة إلى غرضي ،
    لم أعثر على أية عينية مخالفة ، جميعها صالحة للاستهلاك ،
    لا يمكن أن يُسلِّم عبد الغني بخسارة مليون دولار بهذه السهولة ،
    لابد أنه قد سوَّق الأغذية الكاسدة في الريف ، هناك مازال الوعي بهذه القضايا ضعيفا ،
    والذين يهتمون بتاريخ الاستهلاك قليلون ، توقفت عند أحد أصدقائي من الصيادلة ،
    استغرب صديقي وهو يراني أحمل أصنافا من علب أغذية الأطفال ،
    قال مداعبا وهو يستقبلني في صيدليته:
    ـ أضاقت فرص العمل بالأطباء حتى صرت تعمل مروجا تجاريا لأغذية الأطفال؟..
    أرسلت تنهيدة وابتسامة وقلت:
    ـ من يدري؟ قد تلجئُنا البطالة التي تتسع في صفوفنا إلى أكثر من ذلك!.
    ضحك وقال:
    ـ لعلك تزوجت وأنجبت! كيف تفعلها ، ولا تدعوني؟
    قلت ساخرا:
    ـ لا تتفاءل كثيرا ، الأمر غير هذا تماما..
    ـ لماذا تحمل كل هذه الأصناف إذن؟
    قلت مورياً تفاصيل الحقيقة:
    ـ سمعت أن أحد التجار الجشعين قد طرح في الأسواق كمية كبيرة من أغذية الأطفال التي انتهى زمن استهلاكها ، فأحببت أن أتأكد من ذلك.
    قال صديقي بنبرة تعجب:
    ـ أما زلت تحمل الدنيا فوق ظهرك؟.. ظننت أن السنين قد غيَّرتك!..
    قلت في قلق:
    ـ أتقوم وزارة الصحة بمراقبة دقيقة للسوق؟
    فتح صديقي ثلاجة صغيرة قرب المكتب ، فأخرج منها علبتي عصير.
    قال وهو يقدم لي إحداها:
    ـ وزارة الصحة تستطيع أن تراقب السوق ، لكنها لا تستطيع أن تراقب الضمائر.
    ثم أردف وقد أحاطت بشفتيه ابتسامة ذات معنى:
    ـ إنهم يزوِّرون تاريخ الاستهلاك يا صديقي.. وأحيانا يتواطئون مع الشركات الصانعة من أجل ذلك!
    ـ الشركات الصانعة!.
    تناول صديقي الصيدلي كتابا أنيقا ، ودفعه إلي..
    ـ اقرأ هذا العنوان..
    تأملت غلاف الكتاب:
    ـ (الجرائم المنظمة في الصناعات الدوائية) تأليف "جون بريثويت" قال صديقي موضحا:
    ـ هذا الكتاب صدر في انكلترا قبل سنوات وأحدث صدوره ضجة كبيرة ، ولا سيما في العالم الثالث..
    ـ العالم الثالث!..
    ـ أجل.. مازالوا ينظرون ـ إلينا ـ بعين المستعمر الذي لا يرى في بلادنا إلا منجما للثروات
    أو سوقا لتصريف البضائع ، نحن بالنسبة إليهم مخلوقات من الدرجة الثانية
    لذلك يستهينون بشعوبنا ويصدرون إليها أغذية وأدوية غير صالحة للاستهلاك الآدمي..
    ستجد في هذا الكتاب حقائق مذهلة عن شركات تصدِّر إلينا أدوية خالية من أي تأثير ضار..
    ستقرأ عن أدوية تباع إلينا على أنها علاج لأمراض لم تصمم هذه الأدوية لها أصلا.
    ستقرأ عن تزوير في الجرعات اللازمة لمقاومة المرض..
    يزيدون الجرعات أضعافا مضاعفة ، حتى تستهلك كميات أكبر من الدواء ، فيربحون هم ،
    ونصاب نحن بالمناعة ضد مفعول الدواء ، فلا يعود يؤثر فينا ،
    بعض الشركات جربت أدويتَها الجديدة في بلادنا ،
    وزعت أدويتها الخطيرة على البسطاء والفقراء كهبات وعطايا ، لتختبر مفعولها فيهم ،
    عاملتْهم كما تعامل فئران التجربة ، ولم تحترم إنسانيتهم أو حقهم في الحياة..
    بعضهم مات ، وبعضهم أصيب بأمراض خطيرة ،
    ولم يرتفع لهؤلاء صوت لأنهم لم يدركوا أن ما تم جريمة!..
    هالني ما سمعت.. أيصل استخفاف الدنيا بنا إلى هذا الحد؟.. قلت في حماس:
    ـ يجب أن تقوم الصحافة بفضح هذه الأساليب البشعة..
    يجب أن يطلع الجمهور على هذه الحقائق..
    قاطعني صديقي بنبرة ثقة وقال:
    ـ هذا الموضوع لا ينفع معه ألف مقال ، ولا ألف كتاب..
    الحل الوحيد هو أن نتحرر من التبعية الاقتصادية المذلة.. أن نصنع دواءنا بأيدينا..
    أن نصنع غذاءنا بأيدينا.. حتى السلاح يجب أن نصنعه هنا ،
    لأن الأمة التي لا تصنع غذائها وسلاحها لا تستطيع أن تحمي استقلالها أو تصنع مستقبلها..
    قلت وأنا أهم بالنهوض:
    ـ هذا الحديث ذو شجون.. سنلتقي في فرصة أخرى ونتحدث...
    وودعته مثقَلا بالهموم ، نحن أمة كُتِب عليها التحدي ، وأمه كهذه يجب ألا تنام ، ولكن...
    كيف تواجه التحدي وعبد الغني الذهبي وأمثاله ينهشونها من الداخل؟..
    أيكون عبد الغني قد زوّر تاريخ الاستهلاك؟ يجب أن أتصرف قبل أن تصل الأغذية الفاسدة إلى أفواه الأطفال!..
    وومضت لي فكرة فلذت بها.. رفعت السماعة وطلبت وزارة الصحة..
    ـ وزارة الصحة معك.. نعم..
    ـ أريد قسم المراقبة الغذائية ، المدير لو سمحت..
    ـ لحظة من فضلك..
    وجاءني صوت المدير هادئا وعميقا:
    ـ نعم..
    ـ ثمة بلاغ هام أريد أن أدلي به.
    ـ من المتكلم؟..
    ـ لا داعي لذكر الاسم..
    ـ تفضل..
    ـ هناك تاجر جشع يستعد لطرح كمية هائلة من أغذية الأطفال التي انتهت مدة استهلاكها في السوق..
    هذا إن لم يكن قد طرحها فعلا..
    ـ من هو؟..
    ـ أعتقد أنه يخطط لبيعها في الريف مستفيدا من تخلف الوعي الصحي هناك ،
    هو الذي حدثني بذلك ، وطلب مني أن أساعده..
    ـ قل لنا من هو ونحن سنتحقق من الأمر..
    ـ قد لا يكون تاجرا واحدا!..
    صمت المدير برهة ثم قال:
    ـ أخشى أنك من هواة العبث على الهاتف!..
    قلت في إصرار:
    ـ سيدي أنا لا أعبث ، أنا أستند على حقائق..
    ـ اذكر لنا اسم التاجر إذن..
    ـ لماذا لا تقومون بحملة شاملة للتحقق من صلاحية الأغذية الموجودة في السوق؟
    إنه أمر يستحق الاهتمام..
    ـ يبدو أنك تعبث.. إما أن تعطيني معلومات محددة تساعدني على سرعة التصرف ، أو تغلق السماعة وتنصرف..
    حط علي الصمت فجأة ،
    وأنا أتخيل ما ينتظرني على يد والد أحلام ، سيدرك أني وراء البلاغ وسينفذ تهديده..
    سيلوث سمعتي ويهز مستقبلي.. وسيقلب الموازين..
    سيجعل البريء مجرما والمجرم حملا ، ويرضي شهوته للانتقام..
    وألمت بي لحظة من ضعف ، فكدت أهوي بالسماعة ،
    لأكتم أنفاس هذه المكالمة التي ستفجر في حياتي المتاعب ،
    لكن صوت المدير عاد يحثني على الكلام:
    ـ من هو؟
    قاومت ترددي وجبني بشدة:
    ـ إنه عبد الغني الذهبي.. التاجر المعروف..
    ـ يبدو لي إنك إنسان مغرِض.
    وصلتني كلماته كالصفعة.. قلت غاضبا:
    ـ أهكذا تقولون لمن يحذركم من كارثة قد تودي بأرواح المئات من الأطفال؟.
    قال بنبرة الساخر:
    ـ لا ، لا نقول هكذا لكل الناس ، لكني أقولها لك أنت بالذات ، لأنك إما مغرض فعلا ، أو عابث..
    avatar
    سوسنة
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 220
    تاريخ التسجيل : 04/01/2009

    رد: " البحث عن امرأة مفقودة " رواية في حلقات .....

    مُساهمة من طرف سوسنة في الخميس مارس 12, 2009 5:48 pm


    ـ لماذا تتحدث بهذه الثقة والإصرار؟.. ما الذي أوحى لك بأني مغرض أو عابث؟..
    ـ لأن عبد الغني الذهبي إنسان نظيف.. رجل من ألمع رجالات البر والإحسان في هذه المدينة ،
    ولا يمكن أن يقدم على عمل دنيء كالذي تتهمه فيه..
    ضحكتُ.. وشر البلية ما يضحك!.. تذكرت رسما كريكاتيرياً لأنثى الشمبانزي
    وهي تتربع على عرش ملكة جمال العالم..
    يا زمن الزيف..
    أطرف كذبة سمعتها في حياتي!...
    عبد الغني الذهبي رجل بر وإحسان..
    قال المدير وقد أحس بالسخرية التي وشت بها ضحكاتي:
    ـ أنا لا أمزح... عبد الغني الذهبي الذي تتهمه بالغش
    تبرع في الشهر الماضي فقط بخمسين ألف علبة من أغذية الأطفال ،
    وقد وزعت على الأحياء الفقيرة بإشراف إحدى الجمعيات الخيرية..
    يا له من ماكر!.. إنه يتلون كالحرباء ، ويتقن فن التمويه ، يعطي القليل ويأخذ الكثير..
    يرتكب الموبقات في السر ، ويجهر بالحسنات..
    يخدر الناس بسخاء كاذب ، ويمتص دماءهم بجشع فظيع ، وقلت في سخرية مريرة:
    ـ لا تخدعك هذه الأريحية الطارئة يا سيدي ، فأنا أعرف منك بهذا الذئب.. معلوماتي تؤكد..
    لم يمهلني حتى أكمل ، أغلق في وجهي السماعة ،
    صوت النفاق بات أعلى!..
    استطاع عبد الغني الذهبي أن يخدر الرأي العام بخمسين ألف علبة غذاء
    لم يبق من عمرها الحقيقي سوى أيام ، والكمية الباقية؟..
    الله أعلم كيف سوق ما بقي من الأغذية الفاسدة.. لعله زوَّر تاريخ استهلاكها ،
    ولعله باعها كما هي مستفيدا من جهل الجمهور.. هذا الماكر.. إنه يوظف كل شيء لصالحه..
    يستفيد من كل نقطة ضعف في هذا المجتمع المريض...
    العشرة بالمئة التي كان ينوي أن يرشيني بها رشى بها مجتمعا بأكمله!..
    وألفيت نفسي أمام مبنى جريدة الأيام.. لا.. لا..
    هذه ليست جريدة الأيام! وعدت أتأمل اليافطة الأنيقة المعلقة على صدر البناء..
    "مجلة علاء الدين للأطفال"!..
    ولكنها كانت هنا.. هذا مبنى جريدة الأيام فمن أين أتت مجلة الأطفال؟!..
    لا بد أن الأستاذ سعيد قد فعلها أخيرا ، وطلق الصحافة طلاقا بائنا لا رجعة فيه..
    كنت أتمنى أن أجدك يا أستاذ سعيد.. عندي أشياء كثيرة كنت أريد أن أحدثك بها..
    وخرجت من مبنى المجلة مجموعة من الأطفال.. كانوا ثلاثة ، وكان كل واحد منهم يحمل مجلة..
    يتصفحها وهو يسير على مهل ، وكأن لهفته للقراءة لم تمهله حتى يصل إلى البيت فيقرأ مجلته بهدوء..
    استيقظت في أعماقي طفولتي القديمة..
    "أروني هذه المجلة يا أطفال"..
    تقدم أحدهم ، ومد لي يده بالمجلة بينما وقف صديقاه على بعد خطوات منا ، يرقباني بدهشة..
    قلبت المجلة بسرور.. كم تحركت هذه الصور الملونة في خيالنا ونحن صغار!..
    كانت أحلام الطفولة المجنحة الطليقة تبعث الحياة في هذه الرسوم الجميلة ، وتحلق بنا في عالم مسحور!..
    كم طرت في طفولتي على بساط الريح ، وكم تجولت مع السندباد في أسفاره الممتعة المثيرة ،
    وكم تُقْت لمصاحبة سمير..
    ـ "عمو ، عمو.." هل تعرف حل المسابقة؟
    حضنت الطفل بنظرة ودودة وابتسمت:
    ـ أين هي المسابقة؟..
    خطف الطفل المجلة من يدي ، وراح يقلب صفحاتها ، حتى عثر على صفحة المسابقة..
    ـ اقرأ هنا.. هذه هي المسابقة..
    قرأت بصوت مسموع:
    ـ "مدينة عربية يبدأ اسمها بحرف القاف ، فتحها عمر وحررها صلاح الدين ،
    ثم احتلها اليهود عام 1967 ، وحرقوا مسجدها الشهير ، هل تعرفون ما هي؟".
    تفكر الطفل قليلا ، ثم هتف في حماس:
    ـ القدس..
    انحنيت نحو الطفل فيما يشبه الركوع ، فتقابلنا وجها لوجه ، قلت مداعبا:
    ـ ها أنت تعرف الحل ، فلماذا تريدني أن أساعدك؟
    ابتسم الطفل وقال في حياء:
    ـ ظنتها صعبة!..
    ـ يجب أن تكون واثقا بنفسك.
    ـ ما معنى "واثقا بنفسك"؟..
    ضحكت ، تذكرت أن للأطفال لغتهم وقاموسهم الخاص ، حاولت أن أقرب له المعنى:
    ـ أن تكون واثقا بنفسك يعني أن تعتقد بأنك قادر على الإجابة عن أسئلة المسابقات والدروس
    دون أن تستعين بأحد ، حاول دائما أن تعتمد على نفسك يا صديقي فأنت ذكي كما أرى!..
    لم يمهلني حتى أتم موعظتي.. بدا غير متحمس لسماع المزيد!..
    انطلق نحو صديقيه بخفة ومرح ، وقال لهما بنبرة تشي بالفخر:
    ـ لقد عرفت حل المسابقة ، إنه مدينة القدس..
    نظر إليه أحدهما في شك ، وقال له وهو يشير إلي:
    ـ هو الذي حلها لك!..
    ضرب الطفل الأرض بقدمه الصغيرة ، وقال وقد أثاره هذا الاستخفاف بقدراته:
    ـ بل أنا الذي حللتها بنفسي.. اسأله إذا أردت!..
    أسرع الطفل المرتاب إلي مستجيبا للتحدي ، ثم سألني وهو يشير إلى صديقه في شك:
    ـ "عمو ، عمو".. أصحيح أنه عرف حل المسابقة وحده..
    أسعدني هذا الحوار الطفولي الطريف ، ولأول مرة منذ مدة طويلة شعرت بأني أبتسم من الداخل..
    ابتسم ابتسامة لها جذور عميقة من الفرح..
    الأطفال هم الفرح الباقي في هذا العالم..
    قلت للطفل مطمئنا:
    ـ نعم.. هو الذي حلَّ المسابقة.. حلها وحده ودون أن أساعده.
    ثم أردفت مشجعا:
    ـ إنها مسابقة سهلة ، تستطيعون حلها جميعا والفوز بجائزتها..
    هنا تدخل الطفل الثالث.. قال لصاحبيه فجأة ، وقد اكتفى بمراقبة ما حدث:
    ـ دعونا نعود إلى الأستاذ سعيد ، ونخبره بأنا قد عرفنا الحل..
    الأستاذ سعيد؟
    عدت بنظراتي إلى اليافطة المعلقة على صدر البناء ، هل حول الأستاذ سعيد جريدته إلى مجلة أطفال؟..
    وأسرعت إلى الداخل..
    كان الأستاذ سعيد جالسا بين مجموعة من الأطفال ، يحادثهم ويحادثونه ، يحاول الاقتراب من عالمهم ،
    وفهم أفكارهم وأحلامهم..
    وحانت منه التفاته إلي فألفاني لدى الباب ، أرقبه بإكبار!..
    ـ أهلا.. أهلا بالدكتور صلاح..
    وهب لاستقبالي ببشاشة وحرارة ، وقد أطلت من عينيه نظرة متفائلة ، لم أكن أراها فيما مضى..
    قال وهو يشد علي يدي:
    ـ منذ متى لم أرك!.. ما أخبارك هذه الأيام؟
    همست كالحائر ، وأنا أجول بنظراتي الداهشة المستطلعة في وجوه الأطفال الذين ملؤوا الغرفة:
    ـ أريد أن أفهم ما يجري!..
    ـ ما كان يجب أن يجري منذ زمن بعيد!..
    ـ ما زلت لا أفهم!..
    ـ تعال ، تعال..
    وقادني من يدي إلى مكتبه ، قال وهو يأخذ مكانه مقابلي:
    ـ لأول مرة في حياتي أشعر بأني أمضي في الطريق الصحيح!..
    ثم بعد إطراقة قصيرة:
    ـ كان علي أن أفهم هذا منذ البداية.. المشكلة عند المنبع..
    هناك يبدأ التلوث ومن هناك يجب أن يبدأ العلاج..
    من العبث أن نحشد جهودنا عند المصب ونترك المنبع مكشوفا معرضا لجراثيم الجهل والتخلف والفساد..
    فهمت ذلك متأخرا للأسف ، لكني لم أضيع الوقت..
    تركت للكبار عالمهم الموبوء ، وهرعت إلى عالم الأطفال لأحميه من التلوث..
    وغلبه الابتسام فأطرق كالحالم ، ثم تابع يقول:
    ـ للعمل مع الأطفال متعة خاصة لا تدانيها متعة.. في عالمهم تجد الإنسان بفطرته الأولى..
    تجده بخصاله البكر التي لم تلوثها بعد أمراض الكبار..
    عندما بدأت مشروع مجلة الأطفال ، كنت أنوي أن أعلِّم الأطفال أشياء كثيرة ،
    لكني ما إن بدأت معهم حتى شعرت بـأني أتعلم منهم..
    تعلمت منهم الصدق.. الصراحة.. البراءة.. التفاؤل.. العدل..
    اكتشفت أن الإنسان يعشق العدل بفطرته.. ويكره الظلم.. حاول أن تراقب الأطفال..
    لا يرضى طفل أن تدلل أخاه أو صديقه أكثر منه!.. ينفر منك إن أنت ابتسمت لزميله ولم تبتسم له..
    يكرهك إن أنت اعتديت على حقوقه ، أو خدشت شخصيته ، إنه إنسان كامل له كيانه الخاص ،
    ولا يقبل منك إلا أن تعامله باحترام.
    ثم ضحك الأستاذ سعيد.. ضحك وقال:
    ـ لم يخطر لي يوما أني سأتجه إلى صحافة الأطفال!.. كنت أظن أن الكبار هم ميدان التغيير..
    تصورت أني يمكن أن أغير بخطبة أو مقال..
    تخيلت كلماتي الصادقة عصا سحرية يمكن أن تصلح الأوضاع الفاسدة بلمسة واحدة..
    وبعد سنوات طويلة اكتشفت أني كنت أعبث.. ألعب.. أنفخ في قربة مثقوبة..
    أثارت تفكيري مقولة خطيرة لعالم نفس مشهور:
    "شخصية الإنسان تتشكل في السنوات الأولى من عمره".. وأخيرا اهتديت إلى الطريق..
    عندما تثقف الأطفال وتربيهم ، فإنك تصنع أمة.. تصنع المستقبل المشرق الذي تحلم فيه..
    واستدرك الأستاذ سعيد فجأة ، فقال:
    ـ ما رأيك أن تعمل معي؟
    ابتسمت كالحائر ، هذه المرة الثانية التي يدعوني فيها الأستاذ سعيد للعمل معه!..
    ـ أستاذ سعيد.. لماذا تريدني أن أعمل معك؟
    ـ لأنك تملك ما تقوله للناس..
    ـ لا يكفي أن يجد الإنسان ما يقوله.. يجب أن يعرف كيف يقوله
    ـ سأعلمك فن الكتابة.
    ـ أنا يا سيدي طبيب ، ولا أريد أن أكون غير ذلك..
    ـ الدكتورة أحلام أيضا طبيبة!..
    أثارتني هذه الملاحظة.. لم أفهم ما يقصده!.. ما دخل الدكتورة أحلام في حديثنا؟..
    قوست حاجبي في دهشة ، وجال في عيني سؤال!..
    أردف الأستاذ سعيد وقد لمح الدهشة في نظراتي:
    ـ طبيبة ورسامة..
    ـ كيف عرفت؟..
    ـ عرفت ماذا؟..
    ـ أنها رسامة..
    ـ من الصحف طبعا..
    ـ الصحف؟!!..
    ـ ألا تقرأ الصحف؟..
    ماذا جاء في الصحف عن أحلام حتى عرف الأستاذ سعيد عنها أنها رسامة ؟..
    تناول الأستاذ سعيد إحدى الصحف من فوق مكتبه ، وفتحها على الصفحة الثقافية ،
    ثم دفع الصحيفة إلي قال:
    ـ اقرأ هنا.. العمود الأيمن في الأسفل..
    تناولت الجريدة بلهفة ، ورحت ألتهم السطور باهتمام..
    "تدعو الطبيبة الفنانة الدكتورة أحلام عبد الغني الذهبي الجمهور الكريم إلى حضور معرضها الأول
    الذي ستقيمه في قاعة المعارض في المركز الثقافي..
    وسيتم افتتاح المعرض في الساعة السادسة من مساء اليوم ويستمر ثلاثة أيام"..
    خفق قلبي للنبأ.. شعرت بشوق عارم إلى أحلام ، ها هي تخرج أخيرا من قوقعتها الحزينة..
    قال الأستاذ سعيد في حيرة:
    ـ كيف تكون زميلها في المستشفى ، ولا تعلم؟ ألم تدعك إلى معرضها؟..
    همست بنبرة أسف:
    ـ لقد استقالت منذ أسابيع..
    ـ استقالت؟.. أو تفرغت للفن؟..
    نكأ الحديث جروحي.. نهضت فجأة ، قلت:
    ـ أستاذي.. أرجو أن تسمح لي بالانصراف.
    نهض الأستاذ سعيد ، قد أثار دهشته هذا التغير الذي اعتراني!..
    سدد إلي نظرة متفحصة وقال مستوضحا:
    ـ أأنت على ما يرام؟..
    ـ على ما يرام..
    ـ لا تبدو كذلك!..
    ـ سأزورك في وقت آخر..
    ـ أنت تعاني من أزمة!..
    لم أرد أن يتشعب بنا الحديث.. مددت له يدي مودعا.. قال وهو يحتفظ بيدي بين راحتيه:
    ـ أتحبها؟
    أطرقت كمن يعترف.. همست وأنا أسحب يدي برفق:
    ـ سيأتي يوم نتحدث..
    ـ ستجد بابي مفتوحا في كل وقت..
    يتبع ..

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 2:45 pm