إليكم أقدم / د. نصر حامد أبو زيد.../ ج2 / .

    شاطر
    avatar
    برهان سيفو
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 73
    العمر : 59
    مكان الإقامة : salameah
    تاريخ التسجيل : 06/10/2008

    إليكم أقدم / د. نصر حامد أبو زيد.../ ج2 / .

    مُساهمة من طرف برهان سيفو في الثلاثاء نوفمبر 11, 2008 3:14 am

    إليكم أقدم / د. نصر حامد أبو زيد......الجزء الثاني و الأخير.
    __________________________________________________

    - دعني أنتقل إلى موضوع آخر، بعد 11 أيلول ظهرت مقولات كثيرة ومفاهيم جديدة منها "الإسلاموفوبيا" و"الإرهاب الإسلامي". هل هناك حرب على الإسلام، وهل هناك كره غربيّ له، وما رأيك في مفهوم "صراع الحضارات" الذي جاء به صموئيل هنتنغتون؟

    - الإرهاب ظاهرة لم يخلقها الغرب، دعنا نتفق على الأساسيات، بل إن الغرب قدم الحماية لبعض من اتهموا بالإرهاب حماية لهم من دولة اللاقانون واعتقال الناس وسجنهم لأجل غير مسمى لمجرد الاشتباه.

    الغرب لا يحب ولا يكره في السياسة: الأعداء يصيرون أصدقاء، والأصدقاء يصيرون أعداء وفقا لتغير مؤشرات المصالح. المسلمون يمثلون حضورا مكثفا في الغرب منذ عقود وكانوا يتمتعون بحقوقهم وحريتهم الدينية بلا مشكلات ضخمة إلا في حالات قليلة تؤكد القاعدة آنذاك.

    الخلاف اللاهوتي بين الإسلام والمسيحية قديم، ومن هنا يمكن في الفضاء الديني أن نتحدث عن "مساجلات" في الكنائس والمساجد هنا وهناك. كتبت كتب كثيرة ضد الإسلام وضد النبي محمد، كما كتبت كتب كثيرة ضد المسيحية والمسيحيين. كل هذا عادي وطبيعي. المشكلة تبدأ من تديين الصراعات السياسية بين الغرب والشرق. تبدأ حين يمتطي الاستعمار مطية "التبشير" فتحمله الكنيسة على أكتافها، وحين يمتطي المناضلون ضد الاستعمار والاحتلال مطية الدين فيؤدي بهم ذلك إلى اعتبار المواطن غير المسلم "غير وطني" ولو ضمنا.

    إسرائيل، وإنشاء دولة إسرائيل مثال وشاهد حي على ما أقول؛ فالمشروع الصهيوني كمشروع هو مشروع علماني، وقادة المشروع كانوا ملاحدة. لكنهم احتاجوا "الدين" غطاء لتحقيق أحلامهم السياسية. المقاومة مشروع سياسي علماني، لكنها تحتاج الدين كمحفز، فتقع في "الدوقماطيقية"، وتحرم "غير المسلم"، ضمنيا إن لم يكن فعليا، من أن يكون جزءا من المقاومة.

    مفهوم "صراع الحضارات" نبوءة سياسية لا يجب فصلها عن مفهوم "نهاية التاريخ"، وهذا الأخير يبدو مفهوما سياسيا، لكنه مشبع بدلالات دينية "يوم الحق".

    الاحتقانات السياسية المحلية والدولية أدت إلى خلق مشروع اسمه "القاعدة": تضافرت مصالح الأمريكان – السياسية والاقتصادية – بمصالح الأنظمة العربية المحلية، الأولي تريد جلاء الروس عن أفغانستان لتضع أقدامها في آسيا عن طريق تطويق إيران والعراق. الأنظمة المحلية فشلت في التعامل مع الإرهاب بكل أدواتها الأمنية القمعية، فوجدت حلا في السماح لهم في السفر لأفغانستان.

    انتهت المشكلة، وتضخم تنظيم القاعدة، فكان حدث البرجين. هكذا تجمعت الخطوط؛ فثبتت نبوءة "صراع الحضارات"، وبدأت مسيرة "الحرب على الإرهاب" لاستكمال المشروع الأمريكي. أوضاع المسلمين في المجتمعات الأوروبية عامة تعرضت لانتكاسة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة نتيجة لاقتصاد العولمة الذي يجد معارضة شعبية كبيرة في كل مكان.

    قدم حدث الحادي عشر من سبتمبر مبررا كافيا لتحميل المهاجرين بشكل عام – والمسلمين بصفة خاصة – مسئولية هذه الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية وعجز الأنظمة اليمينية عن التعامل معها. اكتسب هذا التبرير مشروعيته من التأثير الإعلامي الطاغي وتأثير الأموال الخليجية – والأموال السعودية بصفة خاصة – على خطاب الإسلاميين – أو بعضهم – في الغرب.

    استطاع هؤلاء أن يجعلون من معاناة العراقيين والفلسطينيين زادا يوميا للشباب المسلم بصفة خاصة، الأمر الذي جعل الإحباط الذي يعانونه يجد متنفسا في صور البطولة (!) في العراق وفلسطين، الأمر الذي أدى إلي منح خطابات القاعدة الصوتية والمرئية مذاق عالم الشجاعة والحرية. هكذا اختلط كل شيء بكل شيء عند الجميع بلا تمييز، وهكذا وصلنا إلى ما نحن فيه من تعقيدات يظنها الجميع من الدين، وصار الإسلام سجين هذه التعقيدات بلا ذنب جناه.

    - في ذات السياق كيف تفسر نشر الرسوم المسيئة للرسول، والتي أعادت نشرها مؤخرا عدد من الصحف الأوروبية؟ وكيف تقرأ ردود الأفعال المختلفة عليها، بدءا بمظاهر العنف وإحراق السفارات، ومرورا بالرسوم الإيرانية للمحرقة، وانتهاء بمقاطعة البضائع الدنمركية؟

    - أراها بالونات اختبار للمسلمين هنا وهناك، بالونات اختبار ليس إلا. فشل المسلمون ونجح كل من يدعي أن الإسلام ضد الحريات.

    - لا شكّ أنّ الرسوم السابقة تدخل في إطار حرية التعبير عن الرأي، وهي حرّيّة نفتقد لها في مجتمعاتنا، ولكن هناك من يأخذ على الحكومات الغربية تضييقها على بعض الأقليات ومنعها من ممارسة شعائرها الدينية، فضلا عن رفضها بعض الرموز الدينية كالحجاب مثلا، ما رأيك بذلك؟

    - نعم إنها تدخل في إطار حرية التعبير، وتضييق الحكومات على المسلمين يدخل في نفس الإطار. علينا الدفاع عن الحق أولا، وليس تبرير الباطل – أعني الضيق بهذه الحرية والاستجابة بالعنف ضدها – بباطل آخر. أعني التخلي عن "السجالية".

    - بعيدا عن وهم الأسئلة وسجالاتها، دعني أسألك: نصر حامد أبو زيد من أنت؟ وماذا يعني لك الشيخ أمين الخولي الذي أجده في أغلب كتاباتك؟ ومصر "أمك" لماذا تركتها "بخاطرك يا مصر" ؟ وهل يُعقل أن تتحول الجامعة "هذه المؤسسة الفكرية" من مركز فكري تنويري إلى منبر تكفيري؟ وهل حقيقة نحن نعاني هذه الدرجة الكبيرة من الانحدار الفكري كي تنسحب الثقافة من الجامعات إلى الجوامع، ويتحول دعاة الدين الجدد إلى "مفكرين" وناظمين لشؤون الحياة، فيما يقبع أعمدة الثقافة والفكر في السجون والمنافي؟

    - أظنني أجبت عن كل ذلك في إجاباتي السابقة المطولة. أمين الخولي هو الشيخ الذي حاول اختراق الأسوار الكلاسيكية لحماية القرآن – أسوار اللامساس – بتأكيده أن بنية القرآن بنية أدبية، وأن المقاربة الناجعة هي المقاربة الأدبية قبل التشريع والأخلاق واللاهوت ... الخ. هذا هو المنهج الذي يمثل بدايتي وأرجوا أن أكون بعملي أساهم في تطويره.

    في احتفالية جامعة القاهرة بعيدها المئوي دعيت للمشاركة في مؤتمر عقدته كلية الآداب بهذه المناسبة. بالمناسبة هذه هي الدعوة التي طال انتظاري لها خلال الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة. لبيت الدعوة وقدمت ورقة بعنوان: "مدرسة التفسير الأدبي وكسر احتكار فهم النص"، عرضت فيها لبذور هذا المنهج عند "محمد عبده" وتطوره عند "طه حسين"، وتأزمه في قضية "الفن القصصي" لمحمد احمد خلف الله.

    هكذا يمكن أن تقول أن المصالحة اكتملت، لأنني كنت قد بدأت المصالحة بزيارتي لأمي مصر عام 2003 بمناسبة بلوغي الستين، وقد احتفل مثقفو مصر بعيد ميلادي احتفالا لم يكن ممكنا أن أحلم به. في الأسبوع الأول من هذا الشهر أيضا وقبل مؤتمر كلية الآداب ألقيت محاضرة بعنوان "الفن وخطاب التحريم" نظمتها مؤسسة المورد الثقافية بالقاهرة بالتعاون مع مؤسسة "شمس" في بيروت.
    في بيروت ألقيت المحاضرة في "مسرح الشمس"، لم تكن أول محاضرة لي في بيروت، فأنا ضيف دائم في لبنان. أما محاضرة القاهرة فلم تتسع لها سوى القاعة الشرقية في الجامعة الأمريكية. قبل ذلك كنت ضيفا دائما في الندوات السنوية للجمعية الفلسفية المصرية. اكتملت عناصر المصالحة والتأمت الجراح بالجمهور الذي شرفني بالحضور في القاهرة، أغلبية من الشباب من الجنسين. كم هذا مفرح وجميل. عمار يا مصر رغم الاستبداد والطغيان والوراثة – أو التوريث – فالمستقبل محمل بالبشارة.

    - سؤالي الأخير، أود الاطلاع حقيقة على طبيعة حياتك في المنفى، وهل هو منفى اختياري، أم أنك لا تريد العودة إلى مصر؟ وما هي الصعوبات التي تعانيها الآن على الصعيد الشخصي والفكري؟ ثم لماذا اخترت هولندا ولم تلجأ للتدريس في إحدى الجامعات العربية؟ وأخيرا: ما هي آخر الأبحاث التي تعمل عليها الآن؟

    - قلت الكثير عن ذلك أيضا فيما سبق. أنا منذ البداية أرفض أن يصنف وجودي في هولندا بالمنفى؛ إنها غربة ليست أسوأ من غربة الداخل. لكني أطل دوما على الأوطان – وليس مصر فقط – كما أنها تطل علي. سافرت إلى بلاد عربية كثيرة بدعوات من مؤسسات غير حكومية. أخر هذه السفرات كانت إلى قطر بدعوة من جامعة "جورج تاون" الأمريكية في الدوحة. المؤتمر – التجديد في الإسلام – باللغة الإنجليزية، شاركت فيه أسماء كثيرة مثل حسن حنفي ومحمد أركون وأدونيس وطارق رمضان.

    أحس عدم رضا أن أتكلم الإنجليزية في منتدى يعقد في أي بلد عربي. اختياري هولندا – واستمراري فيها رغم كثير من العروض المغرية من جامعات أمريكية مشهورة – كان نابعا من علاقة قديمة مع مؤسسة "بريل" للطباعة والنشر، المؤسسة التي نشرت الموسوعة الإسلامية منذ العشرينات (طبعتان وبدأت الطبعة الثالثة).

    وقت الأزمة كنت مشغولا مع "بريل" في مشروع "الموسوعة القرآنية" الذي اكتمل وصدر في خمس مجلدات باللغة الإنجليزية. كان طبيعيا إذن أن تكون هولندا هي اختياري بحكم الصلة لا بدار النشر ومشروعاتها فقط، بل المؤسسات الهولندية الأكاديمية في هولندا بصفة عامة.

    هناك سبب آخر عملي، هو أنك في هولندا يمكن أن تمارس حياتك دون أن تضطر إلى تعلم اللغة الهولندية. هذا كلام لا تحبه الحكومة الهولندية الآن. لكني أدرس وأمارس حياتي بالإنجليزية دون عقبات تذكر.

    مع أجمل التحيات و أطيب الأمنيات. _ برهان محمّد سيفو.




    _________________
    " محبة الآخرين هي الدين الحقيقي لغير الأغبياء "

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 9:18 am