دراسة نقدية لمجموعة خرمان القصصية بقلم الناقد علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 67
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية لمجموعة خرمان القصصية بقلم الناقد علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الخميس يونيو 18, 2009 9:12 pm

    خرمان

    قوة الإبداع تزيد من مفهوم الحدث
    الكاتب نايف نوايسة Shocked
    بقلم الناقد :علي الصيرفي




    لو كان القص الإنساني غير مكتمل وهلامياً فكيف يمكن للأديب أن يزعم أنه قادر على تقديم تفسير كاف له !!!

    ومن ناحية أخرى إذا كان القص عمل فريد لانظير له ، بحيث يعتبر ضرباً من التفكير المعرفي فكيف يمكن للمرء أن يصدر حكماً على الكتابة القصصية وهو أمر لامفر منه لأنه هو الحقيقة بالنسبة لعملية الكتابة ككل !!!

    ومن المؤكد إذا لم يكن هناك معايير موضوعية تحدد لنا الوجود الأصيل للقص وتتيح لنا أن نميزه فنكون عندئذ خاضعين لأهواء فردية تعسفية لا قيمة تفاضلية فيها، وهذا يؤدي إلى إعلاء شأن التسفيه للكتابة وعدم إنصافها ، والكاتب المجد نايف النوايسة في مجموعته القصصية (خرمان ) يحاول أن يؤدي عملاً يرفع به شأن الإنسان ، ويدفع بالقص إلى فكرة عليا ترقى إلى مستوى يسمو نحو التقدم والارتقاء . Laughing

    1 – هناك سؤال يمكن أن يطرح هو أيمكن للقص أن يحقق للكتابة ذاتها الأصلية عن طريق اختيار حدثه ؟ سوف تتاح لنا الفرصة لنقول المزيد في تحليل الكاتب نايف النوايسة العميق للعلاقات بين شخوصه ، وعندما نتساءل عن ظاهرة النزوع نحو تركيب الحدث تظهر العلاقات الاجتماعية والمفاهيم التي قد حلت وهي تشكو من كل المفرزات التي تطفو فوق السطح فهي لا تخفي التوتر العميق القائم بين القص والواقع ، وربما عند الكاتب إذ تظهر المفارقات بين قطبي الكتابة والواقع فالكتابة تمثل الرأي الأكثر عمقاً وأصالة ، والواقع يضج بالمشكلات القاهرة والحق ليس من الصعب أن يبين الكاتب هذا التناقض الظاهر ، فجميع الشخوص الذين يولون أكبر قدر من الأهمية للفكر يتفقون على أن العلاقات الاجتماعية على نحو ما هي مشوهة وإلى حد مؤسف ، فالتعامل اليومي بين الآخرين هي علاقة تضمن حقيقة الذوات المشاركة في بنائه ، وينبع من هذه الذوات الطريقة التي يتركب منها المجتمع وهي علاقات لا تستحق البقاء لكثرة ما فيها من أضرار فالكاتب يرى أن الفقر والظلم والتدهور السريع نحو الهاوية حيث تنغلق الأبواب وتطفأ الأنوار حتى يسيطر الظلام ، وفي ضوء هذه العلاقات علينا أن نفهم نقد الكاتب لتلك المشكلات ودعوته للخروج من هذه الأعباء لشخوصه عن طريق وجودهم في هذا المجتمع ونضالهم المتواصل للوصول لحياة تحقق لهم القليل من الطموح . Like a Star @ heaven

    لقد تمكن النوايسة من وضع نموذجاً سيتكرر فيما بعد ، فهو لم يلق بالاً إلى المستنقع الاجتماعي الآسن وهو في الواقع يجد تعاطفاً مع الجمهور المتواجد في شرائح مجتمعه ، وهكذا يرى أن الشخوص في مفهومه أن يحيل الإفراد ما لديهم إلى ناس يحملون أحاسيس سليمة تفهم المسؤولية التي لا تقبل القسمة ولا القياس الكمي ،وهذه الطريقة يحاول الكاتب أن يدمجها في العلاقات القائمة . Like a Star @ heaven ( تذكرت صديقي سليمان ، أقنعت نفسي بالذهاب إليه فهو وإن كان موظفاً مثلي لكنه ابن رجل ثري ولا يتحدث أمامي إلا بلغة المئات والألوف.... أخرجت الخمسة قروش قبل أن أصل إلى موقف سيارات الأجرة ، ركبت وناولتها سائق السيارة الذي أسرع برد الباقي . ضحكت هازئاً من نفسي وأن أجد ثروتي في الدنيا قرشاً ونصف)ص7

    تفوح من هذا المقتطع رائحة الإحباط والتمزق والفقر وربما الانهيار النفسي الذي يزكم أنف الكاتب بنوع من الرائحة الاجتماعية القاسية التي تشكل الشريحة العظمى في المجتمع إنها العلاقة غير المتكافئة بين الفرد والآخر ، وهو وصف مميز للشخوص الذين يحاولون الاندماج في بناء علاقات فيما بينهم لكن هذه العلاقات تبدو مشوهة ، فيعمل الكاتب على التجريد لأنه يرى فيها دونية تميل إلى العدم وهي بالفعل كذلك لأنها تدني وتحط من قيمة الفرد لولا تلك التحكمات التي اصطنعها الكاتب في سبيل الخروج من المأزق ، فهو رغم أنه يمضي وقتاً طويلاً في رصد ما يدور إلا أنه في النهاية يجرد هذه الأمور لتصبح رموزاً تحقق سرية ما يريد دون الضجيج والتغيير.وقد يكون من التكرار المعاد أن نرى نصوصاً تشرح مصطلح الهم والقلق بالتفصيل ، فهو يرى تلك المفرزات ويحاول أن يدخلها إلى أفكار شخوصه ويستعد لاختبارهم ويزيل عبء المسؤولية عن الفرد البطل ، فتصبح الأشياء مسطحة ويهبط بنا إليهم إلى مستوى الوسطية محدداً معايير الذوق والتأمل وأرى في هذا ذكاء حاداً عند الكاتب فهو يقدم لنا بالفعل فكرة جديدة حول علاقة الفرد في حياته اليومية فكل شخص عنده هو الآخر، ولا أحد يمكن أن يكون هو نفسه لأنه يرى بأن ذوات الأشخاص متعلقة بوجودهم القائم واليومي ،أي أن الشخوص بواسطة الحدث يمكنهم أن يمسكوا زمام الأمور، وهذا يضمن تداخلاً حتمياً بين الفرد والمجتمع ، وهي علاقة تحرم الفرد من ذاته وتجعله يخضع لسيطرة الآخرين ولكنه عند الكاتب يبقى الفرد هو نفسه يساهم ويعمل ويفكر بطريقة تنطوي على مفارقة في ضمان قوة المجتمع المسيطر ، ويستخدم الكاتب علاقات المجتمع للدلالة على السيطرة العشوائية المتكتلة من كتل غير ناضجة تسيطر على المفكرين وعلى المعايير حيث أن هذا الخطر ينتشر بدرجة قاهرة تؤثر في ظروف المعيشة المجاورة للمدن ،وهو يؤكد على أهمية الجانب الايجابي في العلاقات بين الأشخاص ويعي تماماً الوجه الآخر للمجتمع لأنه يراه مهدداً باستمرار بخطر التصادم في لحظة من اللحظات إلا أن الأديب يحافظ دائماً على هدوء أعصابه وإمساكه بخيوط النسيج الكتابي دون خلق صدمة قوية تخلق رؤية بعيدة تحمل طابع التغيير . king

    ارتقيت درجاً يختصر المسافة إلى غرفتي وخيل إلي أن صندوق موسى يقول : يا أستاذ التفت إلى الحياة ولا تنس قولك أن العمل شرف والسعي إليه منتهى الشرف ، طالعت موسى من بعيد قبل أن ألوذ بعمارة كبيرة فقدرت أن يبتسم لي أكثر) ص12

    تلك خطابية لغوية تحمل نوعاً من القبول بالواقع الراهن دون أن ندفع بهذا الكم من الركام ونخرج إلى الحياة من جديد ، هذا الصراع الذي يحوله الأديب إلى علاقات كلامية لا حول لها ،مشاهدته المستخدم (الآذن ) موسى يعمل ماسح أحذية ، واقتناعه بأن العمل لا يعيب العلاقات لأن الحاجة دفعته هو الموظف إلى البحث عن شخص يقرضه المال إذاً هناك خطاب منبري شرعي يؤسس للرضى ، ربما الخوف هو الذي دفع إلى خلق هذه المبرر التوافقي ، حيث أننا لا نرى تخليقاً جديداً لواقع يمكن تغييره .

    إن هذا الوجود الزائف مع الآخرين هو نفسه الذي يفرض على الناس عدم التجانس ،وبفهم خاطىء لمبدأ المساواة بحيث يطمس أحلام الضعفاء ويظهر القناعات الدونية ،غير أن الكاتب لا يطيق الضعف كما أنه لا يطيق القوة ولا يقبل بالدونية بمقدار ما لا يتحمل ، فهو يرى أن قدراً كبيراً في العمل الجماعي على مستوى العلاقات يمكن أن يميل إلى الضغط على مراكز القوة بأدبيات يخلقها الكاتب بطريقته المائلة إلى المسالمة ، وهكذا يبدو الكاتب ميالاً إلى إظهار العلاقات بين الأشخاص كي تظل في العادة على المستوى المقبول وإن كان يحبذ التمرد على هذا الواقع المزيف .

    2 – إن الدافع الذي يحرك القص عند النوايسة لايتخلى عن بث الحياة في كائنه الرئيسي ،وحتى البديل ، فهو لا يشك بأن هذا الكائن يتعلق بنوع من الكمال والسعي نحو الخير ، فالنزوع إلى الخير يظهر في وظائف شخوصه وتوالد هذا النزوع يولد اهتمامات أخرى تجعل شخوصه تشارك ضمن حد معين فتبقى المسافة ضيقة بين الواقع وما يسعى له الكاتب والنتيجة التي تبلغها الكتابة بالفعل وهذا لا ينفي أن الدافع القوي للرغبة والتغيير هي الجاذبية التي يتحدث عنها الكاتب نحو حياة كاملة أفضل ، بيد أن الارتفاع إلى مستوى حياة كتابية متقنة الإنشاء من شأن الكاتب فقط ،فالشخوص يمكن أن يرتقوا بأدائهم لأنهم قادرون على التفكير وتحقيق المصير المطلوب والسعادة ، ويلاحظ الأديب في قصه أن كل سعي إنساني يتطلب رؤية سليمة تكون غاية له، فإذا كان هناك عدد كبير من المهام فإن أنواعَ الرؤية كثيرة أمام الأديب وهذا ما يفسح المجال أمامه للخروج من المضائق التي تخلقها الكتابة فيصنع حدثاً مفصلاً بمقاييس مطلوبة وهذا خروج للأديب من مأزقه ولكي يحدد الأديب طبيعة الحدث يتساءل عن فعالية الكائن الخاص فيلاحظ أن الهدف بالإضافة إلى كل كائن قائم يمكن الاعتقاد بأنه قادر على اختراق أنماط الحياة التي تعود أن يحياها ، فالحياة التي تمثل المتع المادية ،والحياة السياسية وحياة التأمل ، ويراها الكاتب من خلال تنقله وسط مجموعة الأحداث التي ينوي التعامل معها . cat

    إن هذا الترابط الذي يقيمه الكاتب بين الفكر والأشياء هو الذي يخلق هذا الاتساق في الكتابة ، فالحدث عنده يستند إلى ترابط الأسباب ويصرف الأشياء وفق قواعد الفهم لهذه الأسباب ، ويجعل من القص عملاً فنياً رائعاً يجهد نفسه على بقائه مستمراً لا يتزعزع ، ويعرض النوايسة في قصه الحجج التي يراها ويتفاعل معها لأنه يميل إلى تحكيم الفعل لأنه يعلم أن من يمتلك العقل هو أحسن ممن لا يفكر .

    أمر عمر بالصعود إلى السيارة ثم انطلقت بهم مسرعة تساءل في نفسه ما الذي فعلته ؟ وماذا بدر مني ؟ ما حملته هذه الكتب لا شأن له بالسياسة أتكون الثقافة دخيلاً غير مرغوب فيه ؟ كتبت بعض المقالات في بعض الصحف وماذا في ذلك ) ص 25

    إن ترتيب الحدث بهذا الشكل ثم فضحه بأنه ليس إلا كوابيس تداخلت في ذهنية البطل تدل تملص الكاتب من واقعه لأنه يقذف بهذا الحدث المتصاعد ويلملم البطل توتره ليخرج منه بدقة كتابية معرفية إنه يحلم ....!

    هب عمر من رقدته ، أوقف السائق السيارة مرعوباً وسأل عمر : ماذا حدث لك لماذا صرخت ؟ فرك عمر عينيه وقال كان حلماً رهيباً وتمتم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ص28

    3 – يعمل الأديب على تصوير الأشياء المحسوسة في حدثه ويرى أن قوامها ليست المادة فقط بل تلك المنمنمات التي تختزنها ذاكرته الرائعة ، فيدلق هذا الدفق ويرتب تلك المعطيات وينصهر مع التجديد فهو قادر على فهم الواقع الاجتماعي بدقة رائعة ، ويعمل به بحرية تدل على تمكنه عكس رؤيته السياسية التي يموهها ويغلفها ، فالواقع الاجتماعي أسهل في التناول عنده وربما تفكيكه يدفع الأديب بجرأة أكبر فتفكيره يتضمن في ذاته الآثار الفنية التي هي نموذج لرؤيته ، ونعني بذلك الآثار الجميلة للكتابة ذلك لأن الكتابة والجمال هما العالم المعقول عند الأديب ويمكن بهما أن يتحدا في وجه يحمل معه كل البوح الذي حافظ الأديب على إرساله ضمن فهم لكل المكونات التي تكون هذا النسيج الاجتماعي الذي يعيشه وهذا ما نراه في قصه (خرمان ) حيث التحليل الناضج والمسك بناصية الحدث بحنكة تدل على القدرة في سياق المفاهيم كما هي ودخول الكائن في عمق الرؤية التي رسمها الكاتب هي نجاحات حققها الأديب وبمهارة تدل عل الإبداع في خلق الصور التي اختزنتها الذاكرة إنها الدقة في العمل الإبداعي والنهوض في خلق الحدث .

    ماتت أمهم عليهم كانوا سبعة كضمامة ورد يانعة كالعشب الغض الذي تبزغ وريقاته بدلع على أسطح البيوت الطينية ، قصرت عليهم حياتك وتنقلت بهم من واد إلى واد ) ص 30

    هنا نرى التمسك بالعمل الإبداعي حتى النهاية دون تردد من إضاءات يمكن أن تسبب العتمة للكاتب ،إنه الواقع الاجتماعي يراه الكاتب يحمله ينقله ويصنع منه رؤيته الإبداعية فهو يملك حرية الفعل الإبداعي والفعل الكتابي فتنطلق الرؤية ساطعة .

    لقد تحرك القص من هذه المصادفات الضيقة في المجتمع والفعل ، وعاد ثانية إلى مخيلة الأديب النوايسة في دائرة رائعة تحمل كل الأمل رغم رسمه لكل المحبطات المجتمعة إلا أنه عقد العزم على تخطي المثبطات ، وتحكيم الفكر لأنه يرى أن القص غايته الأخيرة الحكمة والحكمة في حد ذاتها ضرب من المعرفة، ويرى أن رغباتنا الكتابية لا تنتهي وأن إشباع هذه الرغبة تؤدي إلى بعث قضايا أخر يكون من الأفضل لنا أن نقتنع ونرضى بها ، وهي بلوغ المنى والمراد في ذلك الامتلاك والشبع فالإنسان السليم العقل يبحث عن الحقيقة والسعادة بقدر ما يبحث عن الفرص التي تمكنه من ممارسة قواه ومواهبه ، ويدفع الكاتب النوايسة عن طيب خاطر ثمن حريته من عنائه وألمه لأنه يعتبر نفسه جزءاً من هذا الواقع .

    (وبدرت من يدي حركة مفاجئة انتزعت بها أذني من بين أصابعي المدير فهوت حجرة صغيرة تلقيتها بكفي حاول المدير استرجاعها ، انتصبت البسمة من جديد وتشكلت بين شفتي ... دسست الحجر في جيبي وخرجت من الصف تبعني المدير وناداني بحزم ، وقفت وقال مبتسماً :

    - احتفظ بها إنها رافقتني من غزة ) ص45

    تمكن الكاتب النوايسة من رصد الوقائع التي تحيط بمجتمعه وخاصة هذا المكان المستلب من الآخر الذي يفرض قوانينه وعلاقاته فتحولت المفاهيم إلى حجر لأن الحجر هو الأقسى بين العلاقات ، فالرؤية حجرية ترمز إلى نضج القيم والمفاهيم عند الكائن الذي يرمز له النوايسة والتي تمثلت بالمقاومة .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 23, 2017 6:44 am