دون كيشوت

    شاطر

    شاكر شاكر
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 27
    العمر : 60
    مكان الإقامة : اللاذقية
    تاريخ التسجيل : 22/11/2008

    دون كيشوت

    مُساهمة من طرف شاكر شاكر في الجمعة مايو 15, 2009 3:10 am

    دون كيشوت آخر الفرسان .. أم ؟!!

    هل ولى عصر الفرسان واندثر إلى غير رجعة وهل بات حلما ووهما كطواحين هواء دون كيشوت وهل مازلنا ننتظر فارسا حقيقيا مخلصا أو حتى وهما نستنسخه من أنفسنا وخيالاتنا وأوجاعنا ليكون مخلصا حقيقيا وواقعا يعيش بيننا أم بات حلما مسرحيا و حلا اخراجيا .. نتوارى خلفه ليقول عنا ماتضمره أنفسنا وتجيش به عواطفنا .. وهل بتنا حقا بحاجة ماسة لوجود ذلك المخلص .. والسؤال الأهم برأيي هل يستطيع هذا المخلص أن يحل كل مشاكلنا نيابة عنا ويريحنا من عذاباتنا ويزيح عن كاهلنا ما نحن عاجزين أصلا أن نفعله .وهل باستطاعته أن يخوض حروبنا بدلا منا ؟؟

    بدعوة كريمة من الفنان مصطفى الخاني بطل العرض المسرحي دون كيشوت (فارس الزمن الحزين) شاهدت عرض الزمن الجميل على خشبة مسرح الحمراء للكاتب طلال نصر الدين وبطولة مصطفى الخاني ـ سوسن أبو عفارـ نهال الخطيب وبمشاركة طيبة للفنان زيد الظريف , والعمل من إخراج المبدع مانويل جيجي .

    المسرحية مستوحاة من رواية الكاتب الاسباني سيرفانتيس Cervant'es الذي كتب يوما ما يقول : (هناك طريقين يقودان إلى الثروة والمجد احداهما طريقق العلم والآخر طريق السلاح ) والذي يحلم وبطل روايته دون كيشوت بتغيير العالم إبان القرن السادس عشر والسابع عشرمتمثلا القيم النبيلة والأصيلة التي قرأها في قصص الفروسية مستعينا في مغامراته الملحمية الساخرة بصديقه سانشو للقضاء على تناقضات الواقع المتفسخ المنحل التي يصطدم بها ولايعي تناقضاتها وسلبياتها بسبب مثاليته الساذجة ويدرك متأخرا أن الواقع أكبر من ذاته ونضالاته وأكبر من حبه لدولسينادل ضمن مشاهد غاية في الكوميديا السوداء . ولعل استخدام المخرج مانويل الرمح الخشبي الذي تسلح به دون كيشوت طوال فترة العرض دليلا كافيا ومقنعا ورمزا جليا للخيبة السلبية الخشبية والمثالية وللتأكيد على عجز بطل عرضه الذي ينعي أخيرا الحاضر التراجيدي بنكساته ونكباته وهزائمه وهيمنة الشعارات التنظيرية والمثل الفاسدة ومتاجرتها بأسمى القيم والأخلاقيات

    من كل ماسبق أيقنت أني سأرى عرضا رائعا بكل ماتعنيه هذه الكلمة كيف لا وكل مقومات العرض المسرحي الناجح موجودة كما أسلفت .. وللآمانة أقول أني وجدت ماتوقعته فكنت أمام وجبة فنية رائعة ودسمة للغاية وجرعة مشهدية بتنا نفتقر إليها في أكثر عروضنا المسرحية وأخص بالذكر عروض المسرح القومي حصرا .

    فمنذ بداية العرض واللحظات الأولى له يضعنا المخرج أمام لوحة بصرية حركية ومشهدية في غاية الروعة يطلعنا فيها ومن خلالها على العوالم النفسية والداخلية لدون كيشيوت القرن الواحد والعشرين واضعا لصورته البصرية خلفية موسيقية امتزجت بين الشرقية الأندلسية والاسبانية ومستعينا بفرقة راقصة شابة (إشارات) جسدت وببراعة ماأراده المخرج ومعتمدا على تصميم ضوئي عالي الجودة ومتقن إلى أعلى درجات الاتقان وضمن عوالم من سينوغرافيا الزمان والمكان المتمثلة بكل جوانب هذا العرض ولاسيما الديكور الذي يشعرك للوهلة الأولى أنه بسيط جدا ويبتعد عن الفزلكات البصرية التي لامعنى لها ولاتخدم نجاح العرض المسرحي بل تجند فقط لإشعارك بالحالة الانبهارية والبصرية فقط لاغير .

    أنتقل للحديث عن الممثلين والذين أجادوا أدوارهم ببراعة وتناغم جميل وبذلوا جهدا غير عادي ليرونا عرضا مسرحيا نوعيا من الطراز الرفيع فالفنان مصطفى الخاني استطاع وضمن مساحة الدور الذي لعبه أن يتفوق على نفسه وحتى قدراته من خلال فهمه الواضح والعميق لدوره واسقاطات ذلك الدور ومن خلال التعاون والانسجام الجلي على الخشبة مع الممثلة الرائعة سوسن أبو عفار التي لعبت شخصية سانشو وهذه نقطة إيجابية لصالح العرض والمخرج والفنان مصطفى حاول جاهدا أن يرفع من حرارة العرض رغم هبوط إيقاعه أكثر من مرة وأن يبعد بعض حالات البرود التي كانت ستنسحب على النظارة في الصالة , لكن هذا لايلغي الجمالية لهذا العرض ولايقلل من جودته .

    وكما كان الفنان مصطفى ممثلا من الطراز الرفيع على الخشبة كانت الممثلة سوسن ندا جميلا له وشكلت معه ثنائيا جميلا أدخلا المتعة وأضافا البهجة للمتلقين في الصالة

    ورغم الحضور البسيط الزمني للفنانه نهال الخطيب إلا أننا شعرنا بالحاجة الماسة لدورها ووجودها ومشاركتها والتي لايمكن الاستغناء عنه.

    وهذا الكلام ينطبق على المشاركة الجميلة للفنان زيد الظريف والذي رغم المساحة الزمنية والدرامية المعطاه له حسب الدور إلا أنه كان ظريفا .. وأساسيا .

    وعن الأمور الفنية والتقنية التي رافقت العرض من ديكور وأزياء واكسسوارات ومكياج وإضاءة فأعتقد أنها لم تكن أقل أهمية من باقي مفردات العرض بل كانت في أكثر الأحيان بطلا ظاهرا للعيان ومشاركا أساسيا في نجاح هذا العرض .

    وأخيرا عودة على بدء .. وأقول أن هذا العرض وحسب رؤيتي الانطباعية له وليست النقدية من العروض الجيدة والهامة التي تحمل في طياتها مقولة ومتعة وفائدة رغم تحفظي على النهاية التي اختارها المخرج لعرضه بأن جعل من سانشو المهزوز طوال فترة العرض بطلا يحمل لواء الدفاع عن الحق نيابة عن دون كيشوت رغم الاشارات التي تبين تنامي إدراك وحس المسؤولية لدى سانشو ضمن سياق العرض ورغم أنه بدا للحظات لنا أنه أكثر معايشة والتحاما بالواقع من سيده وأنه أكثر فهما لما يجري من حوله .. فأنا أعتقد أنه من غير المعقول والمنطقي أن يكمل هذا الطريق شخص جبان مهزوز ومهزوم من الداخل والخارج ..

    شكرا لكل طاقم العرض .. شكرا مصطفى .. شكرا سوسن .. نهال .. زيد .. شكرا للمخرج الكبير سنا وفنا مانويل الذي أحب أن يوصل مقولته لنا ببساطة وشفافية بأنه مهما كنا منهزمين ومكسورين من الداخل والخارج علينا شرف المحاولة والمجابهة وعدم الاستسلام وأن لانكون دونكشيتيون نعيش على هامش الحياة وطيورا فرادى خارج السرب وأن نعي تماما أن أحلام دون كيشوت وبرغم أنها بدت لنا مجرد أوهام مختلقة من عمق خيالاته ماهي في حقيقة الأمر إلا واقعا حقيقيا لايقبل الشك والنقاش نابعا من اعماق دون كيشوت .









    مشــــــــاهدة ورؤية : شاكر شاكر

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 19, 2018 6:43 pm