دراسة نقدية لرواية محطة وخوف لذيذ بقلم علي الصيرفي

    شاطر
    avatar
    aliserafi
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 61
    العمر : 67
    مكان الإقامة : سورية حمص
    تاريخ التسجيل : 23/02/2009

    دراسة نقدية لرواية محطة وخوف لذيذ بقلم علي الصيرفي

    مُساهمة من طرف aliserafi في الخميس أبريل 30, 2009 6:20 pm

    محطة وخوف لذيذ Embarassed



    جميل بشور santa

    بقلم:علي الصيرفي Arrow



    إن العمل الروائي المتضمن القدرة النفسية والمقتضي تنميتها ، قد انصرف في حداثته إلى دراسة الواقع الموجود ، وما لبث حينما وعي رسالته الحقيقية إلى تبنيه العمل الكتابي ، طالباً الخير للإنسان وسعادته تلك هي الوظيفة التي حددها الكاتب جميل بشور في روايته محطة وخوف لذيذ وهي التعبير بطرائق سليمة عن ماهية العلاقات الإنسانية التي تعكس الاختلاف والتباين لكنها تحتوي الشجاعة والورع ، وعلى نحو أكثر عمومية إيجاد أفعال فضائلية تستخلص فكرة الخير الحقة في سبيل جعلها معترفاً بها من قبل الإنسانية في مجتمعه التراكمي ، يرى أن هذه المهمة هي من واجبات أفعال المعرفة الروائية بربطها الحدث بحقيقة المجتمع وتنويره . geek

    1- إن تحديد صفات الفعل الروائي للمتلقي بسمات وضاءة يجعله في وضع يتقبل ما يفعله الأخر، وكأن الراوي يضع بذرة لأعلى التأملات التي يتطلبها العمل الروائي ، ويعلن الكاتب بصراحة أن المثل الاجتماعية ترتبط بالفكرة التي سيقدمها من خلال عمله وحلولها تتم من خلال الحوار والعلم وأحياناً يخلط بين موضوعا ته وجوهر العلاقات ، فهو لم يميز بين الجوهر والأشياء الحسية ،ولم يستفيد الكاتب من تأملاته في طبيعة الأمور بين كائنه والكم و(هو) والكيف الذي يخرج عن مفهوم التضاد في بناء الجمع الناقص بين (رؤى) و( جورج) ليس لنا أن نتساءل كيف بنى الله العالم . ولامن أية عناصر كونه ولكن يمكن لنا أن نسأل عن أصل هذا الجزء من العالم وإننا في هذه الحالة نتجاوز حدود قوانا، حين نريد أن نرتفع إلى معرفة قد احتفظ المجتمع بها لنفسه، هذا عدا عن أن كل ما قدمه الكاتب من تطلعات تسقط ضمن المفهوم الجمعي لبناء المجتمع فـ (رؤى) ظلت تنظر إلى وجود كائنه بأنه غيمة صيف لا فائدة منها ، ويظهر ذلك من خلال التراكمية التي أجاد الكاتب استعمالها في بناء الحدث الروائي وعملية تحليل شخصية رؤى بجدية تكاد تظهر في كثير من الأحيان فشل العلاقة التي أرادها جورج ، فالأنا الجمعي عند رؤى هو الأكثر حشداً وقيماً وإحاطة بها ، وقدرتها على التجاوب مع جورج قدرة ضعيفة وآنية تشتد بإثارة الغرائز والنوازع النفسية ، ولا ترتبط بجوهر العلاقة التي تدخل في عمق الروح ويتضح ذلك من خلال السياق وتناول الحوارات التي ترسمها أفعال الكاتب بفنية أرادها أن تشعل قلب رؤى ، غير أنه يرتد دائماً خلف جدار كثيف من الوجوه والعادات وقلة الثقة وربما عدم القناعة بأن رؤى يمكنها أن تكون حبيبة لجورج المختلف عنها بكل شيئ في الانتماء والعقيدة والعادات والتقاليد – والموروث إذن لابد لتفكيرنا من التركيز على أفعال البناء الروائي في الموضوع والذي يثير اهتمامنا وأن نتعلم أن نعرف أنفسنا بأنفسنا.

    يقول الكتاب المقدس من نظر إلى امرأة واشتهاها فقد زنى ! فلماذا لم يقول : من نظرت إلى رجل واشتهته فقد زنت ؟ لماذا التعامل مع المرأة مختلف في كل الأديان عن التعامل مع الرجل ؟ لم تكن (رؤى ) مقتنعة بذلك الحجاب فعندما تذهب خارج المدينة التي يقطنها أهلها لأمها تخلع الحجاب أما بالنسبة إليه فلم يكن مقتنعاً به ولن يقتنع به بعد أن رآى فارق جمالها بدون الحجاب / ص32

    2 – يتراءى لنا من خلال بناء الفعل الروائي وانتمائه للحدث تدخل الكاتب بشكل جدي في تفعيل الفعل وإقحامه في الحدث وترميم الضعف في حيثية العلاقة بين رؤى وجورج أي أن الفعل المعرفي الذي يبتغيه الكاتب على المتلقي أن يتفهمه وهو علم الإنسان الذي بإمكانه أن ينظم السلوك الإنساني وأن يوجهه وهذه النقطة هي التي يسعى لها الكاتب جميل بشور في عمله فهو يرى أن موضوع المعرفة الروائية في البناء الحدثي يكوّن عملاً حقيقياً إذا أجاد استعماله وهو يعتقد أن الأمور الإنسانية يمكن توجهها ببراعة قائمة على الخبرة الخالصة أكثر مما هي قائمة على الواقع والعلاقات التي تنمو في مجتمعه فقد حدث من خلال أفعاله على تخليص نفسه من علائق البدن وسلك طريق التصعيد والتسامي في سبيل الوصول إلى الغاية التي أدرك بعدها في كل المحاولات التي خلق بموجبها كائنه المتبني لفكرة العبثية رغم تأجج المشاعر في الكثير من المواقف ، و كأنها مزاجية آنية تهبط بمجرد دخول رؤى في زحمة المجتمع /مجتمعها / ثم يعمل الكاتب على إعادة هذا التأجج من خلال متغيرات يعمل من خلالها ويتدخل في بنائها ، وهي عملية إعادة بناء لتحليل شخصية رؤى تلك البنت التي تريد الزواج بأي رجل يعبر بوابة بيتها ويظل جورج (العقل ) يبرمج ويسعى أن يحتوي هذه الثورة العنيفة داخل رؤى ليكبح انجرافها نحو الهاوية ، وربما الإيثار بها كي يسيطر عليها من خلال الفعل العقلي الذي يحاول أن يحيط به حياة رؤى فيتمكن من إبعاد الشهوة القاتلة عنها وعدم السماح لمفاتنها أن تبرح أسوار عفتها لتكون فريسة سهلة المنال لمن يرغب بها وخاصة بعد اكتشافه علاقتها بشخص كاد أن يلتهمها دفعة واحدة .

    " أما عن شعورها فقد كان يعرف أنها لم تكن على علاقة حب مع صديقها الذي كان يعدها بالزواج وعندما أصرت عليه في ذلك ، هرب منها بحجة السفر دون أن يسافر و لما ندمت على إصرارها كانت تفكر بالعودة إليه لتقامر ببصيص ضوء تجده خيراً من العتمة فتعطيه ما يطلبه عسى أن تجد مدخلاً إلى قلبه " ص34

    ولكن هل يمكن للفعل الحكائي أن يعمل ضمن مزيج من العقل واللذة في تلك المحاورات التي يقدمها الفعل في بناء الرواية فالكاتب يرى أن اللذة هي قوام المبدأ الذي أراده وقد لون هذه اللذة بطرائق وجدها مناسبة لمفاهيمه وبنائية الأخلاق التي ينتمي لها ، فكثيراً ما خلط بين حبه لرؤى والوطن حيث جعل هذا الحب يختلط بالكثير من الأطيان المختلفة اللون والرائحة ، مبيناً قدرته على خلق هذا المزيج من المعطيات والرؤية، ولعل قدرة الحب على الخلق هو قوة الصورة واندفاع الجسم هو قدرة النفس وهذه القدرة هي العقل المفكر عنده فالكاتب يعمل من خلال هذه المقدمات التي تدفع بالرواية نحو التوتر والانطلاق. وإن جوهر هذه الرؤية هو الاتحاد الذي يتمثله المحبان اللذان يبغيان التمازج والانصهار في كيان واحد.

    وفي هذا الاتحاد يرى الراوي أن النفس تكف عن الشعور ببدنها وعن الشعور بذاتها مادامت قد تلاشت في تأملاتها وفي ذلك خلافاً لكل علاقة عظيمة ومعجزة قد تولد ، فالأشياء عند الكاتب تبدأ بتمايزها في العقل وكلما هبطنا في نظام المفاهيم ازدادت النتوءات التي تسعى نحو الانفصال والابتعاد فكل شيء يتوقف على ماهو مفهوم وملحوظ في نظر كائنه (رؤى) .

    وإذا نظرنا إلى حرية كائنه رأينا أن له مبدأ في العقل فالأفعال التي في قدرته وهي أفعال حرة تتعلق بالإرادة وهي النزوع المنظم بالعقل فالحرية هي تحرر من انفعالات الجسد والعقل هو مبدأ الحرية الإنسانية وهو مستمد عند الكاتب من مبدأ أعلى مطلق لأنه مستقل استقلالاً عما سواه فالمصادفة لايمكن قبولها عند الكاتب جميل بشور، وليس لها وجود إلا بالإضافة إلى الموضوعات الدنيا المتكثرة ، فالمبدأ الأهم عنده والكامل هو فوق المصادفة لأنه يعطي كل كائن صورة وتحديداً يستطيع أن يتصرف وفقاً لطبيعته و يؤكد الكاتب أننا نكون مخطئين إذا تصورنا أن الكائن يكون حراً حينما يقوم بأفعال مخالفة لطبيعته فالحرية الحقيقية هي حرية الكائن الذي يبقى في ذاته وما يختاره المرء على المدى البعيد هو ذاته فالذات تنبثق منها القرارات وهذه القرارات ليست جاهزة وإنما المعطى هو حقل الممكنات في مقابل سلسلة الأفعال غير المترابطة التي لايمكن أن تظهر إلاّ إذا كان هنالك استمرار للتعهدات والخطط ، ويعني ذلك الإخلاص والولاء ، فالكائن الذي يتمثل بـ/سميراميس/ صاحبة الستة عشرة عاماً لا يمكن أن تتقدم بعهود ومواثيق تلزمها الإخلاص والولاء ومن جهة أخرى فهناك أوقات ينحط فيها الولاء ليصبح مقابلة متضادة أو حتى مجرد تعصب وعلى الرغم من أن الكاتب جميل بشور أخذ على نفسه عهداً بالالتزام برسالة معينة في حياته لكنه مع ذلك يرى أنه لابد أن يأتي يوم يرى فيه الأشياء على نحو مختلف وإن كل التزام يمكننا أن نتصور حالة صاحبه لأنه يفصح عن نفسه .

    " ولبثت وحدي بينما كانت تعد القهوة أفكر بشخصي ولماذا ... أخذتها بتلك الطريقة التي تعبر عن حالة مرضية ؟... أكنت أريدها لنفسي هل أعد خطة لتكون لي ؟ ولم أكن كذلك ... إذن لماذا أكبلها بخيوط الدين التي من السهل قطعها ؟... لماذا أضع سلسلة في عنقها وأنا الرجل المتحرر الذي لا يميز بين مواطن وآخر أو بين دين وآخر" ص186-187

    3-على الرغم من أن تفسير الكاتب للكثير من المقدمات معقول إلى حد ما إلاّ أن المجتمع يقلبه رأساً على عقب مؤكداً أن العالم الذي بناه الكاتب إنما هو عالم الحياة التي لايمكن أن يلاحظ فقط ويضع قوانينه الخاصة به، فنحن موجودون في قلب العالم ومندمجون بعمق في علاقاتنا وسميراميس لا يمكنها إلاّ أن تعيش حياتها وسنها الذي يسقط رقماً سهلاً في عمر البطل الذي تجاوز عقده الخامس لنقل بصراحة أن الكاتب اندفع نحو وجهة نظر لوّنها بألوان كثيرة عله يقدر تجاوز الزمن و العادات والدين إلاّ أنه في كل مرة كان يجد نفسه استثناء لهذا الكم ولا بمقدوره أن يدخل هذا النسيج الغريب إلى حياة سميراميس ومجتمعها إنها استثناءات حاول الكاتب أن يكون لها نصيب في النزعات المقابلة للعقل عنده وربما لابد أن نعترف بوضوح أكبر بالدافع العقلي الذي يتحكم بكل العلاقات وبالطبع لايمكن الفصل بينه و بين الكاتب ، لكن المدى الذي يستطيع أحدهما أو الآخر أن يصل إليه وتكون له الغلبة توضحه المسافة القائمة بين عالم كل يوم وعالم العقل .

    وقد نشعر بالانزعاج من الطريقة التي تعالج بها الأمور ولكن ربما من الخطأ أن نشعر أن غضب الكاتب وحسرته هي حالة قسرية بمعنى أنه يتجه نحو حالة معينة وهي سلوك الكائن في العمل الروائي ومع ذلك فإن الكائن المتحدث يعترف كذلك بأنه قد يكون مخطئاً في شعوره فهو يملك الإحساس بمشاعر صحيحة إذ يملك حساً سليماً . يغضب من الظلم و يتعاطف مع عذابات سميراميس ، فهو لديه حس مرهف ، وهو متناغم مع من هم حوله ويستجيب للانفعالات التي تطفو ضمن علاقته بـ(سميراميس) وبالتالي فهي تتجه نحو حالات موجودة في عالم الأديب لذلك لابد لنا أن نقول أن هذه العلاقة متبادلة بشكل غير متكافئ ويمكن تسميتها بأنها انفعالات وتأثيرات وهي ألفاظ توحي على ما يبدو بأن الذات صاحبة هذه المشاعر متقلبة سلبية حدثت لها هذه الأحاسيس نتيجة الظروف الخارجية عنها أو حالات نتيجة لعوامل داخلية لا سلطان لها عليها فالمشاعر تظهر وتختفي وليس في استطاعتنا أن نخلقها كما نريد .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يوليو 27, 2017 10:51 pm