أوراق العمر

    شاطر
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الخميس أكتوبر 16, 2008 3:07 am

    أوراق العمر.. حياة وأفكار واحد مجنون!

    تمهيد (1)


    اسمي الوصيف..

    أيوة.. هو ده اسمي!

    ونظراً لصعوبة الأمر يناديني الناس باسمي مجرداً من الألف واللام، ورغم تحويلهم لي من معرفة إلي نكرة فأنا أتقبل المسألة بسعة صدر وأوقع كذلك مداخلاتي ودفتر الحضور والانصراف في العمل وكل شيك أصدره من دفتر الشيكات - عدوها دي - باسمي مجرداً من الألف واللام.. وصيف فقط..

    ما أعظم تواضعي!

    ولاسمي هذا قصة تاريخية، فقد كان والد جدي - يعني جد أبويا - يحمل اسم "الوصيف" هذا لسبب مجهول، ووالدي يعتز بأبيه - جدي يعني - اعتزازاً كبيراً فقرر أن ينجب ولداً، اللي هو أنا، وأن يسميه الوصيف، على أساس أن هذا الولد سيكبر وسيتزوج وسينجب هو الآخر ولداً - الولد الجديد ده أنا اللي حخلفه - على أن يسميه على اسم أبيه!

    أنا بالتالي مجرد "كوبري" لتحقيق تلك الرغبة لا أكثر ولا أقل، مهمتي في الدنيا إني أخلف جدي..

    لا مؤاخذة: أخلف ولد اسمه على اسم جدي!

    ***


    إن أردت تبصيرك عزيزي القارئ بطبيعة هذا الذي تقرأه هنا، فهو مجرد "أفكار"؛ ستقرأ كلاماً في السياسة، وفي الأدب، وفي الدين، وفي الحب، وفي الفن، وفي المشاعر الإنسانية، ولا أستطيع أن أصف ما أكتب في أي من هذه المجالات إلا كما تري في عنوان تلك المساحة: حياة وأفكار واحد مجنون..

    أفكار، آراء غير متخصصة من شخص كان يتمني يوماً أن يكون متخصصاً في كل شيء، فانتهي به الحال إلي اللا شيء!

    وأما الجنون، فهو ليس توصيفي لنفسي، فأنا أتمتع بنصيب وافر من العقل - خد بالك مفيش مجنون بيقول على نفسه انه مجنون - ولكن مشكلتي أنني أمشي خارج الصف، دعك من الأسباب الآن فالأيام جاية كتير، المهم أني أقف بعيداً عن خيارات الجماعة، فأعتبر من قبلهم واحد مجنون..

    وبما إني ديمقراطي فلابد أن أحترم رأي الغالبية .. أبقي مجنون!


    عدل سابقا من قبل وصيف في السبت نوفمبر 08, 2008 3:01 pm عدل 3 مرات
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الخميس أكتوبر 16, 2008 3:15 am

    تمهيد (2)


    أكتب هنا يومياتي، ولا أركز فيها على الأحداث اليومية قدر تركيزي على انطباعاتي عنها ومدى تطور تلك الانطباعات مع الوقت..

    هي تجربة بدأتها في إبريل من العام الماضي..

    كنت في الماضي، وإلى حد كبير لا أزال، شديد الانطواء، تسببت نشأتي في صعوبات أعانيها في التواصل مع الآخرين، وقد أدت تلك العزلة ضمن ما أدت إلى نشوء عادة الكلام مع النفس..

    ما أن أجد فرصة للانفراد التام بنفسي، حتى أنطلق بفرحة آثمة كمراهق يتحسس طريقه إلى الشباك بعدما أطفأ نور غرفته ليشاهد جسد جارته اللعوب من خلف الشيش وهي تمسح بلاط شقتهم!

    فإذا ما تأكدت من أن أحداً لا يسمعني، اعتدلت في وقفتي، وارتسمت ملامح الحكمة على وجهي، ورحت أشرح لكائن وهمي نظريتي في أحد شئون الحياة، متخيلاً ردوده، مصغياً لها، ثم مفنداً، وأسعد للغاية في نهاية المطاف حين يخرج من نقاشه معي مقتنعاً!

    والحمد للانترنت، فقد دخل حياتي قبل أن ألسع رسمياً وألبس المريلة بالمقلوب..

    ***


    كنت في مهمة عمل بشرم الشيخ، استدعيت إليها بسرعة على أساس أن مدتها ثلاثة أيام، ثم امتدت هناك لتتجاوز الأسبوع، فكنت أقضي النهار في العمل والليل قابعاً في مكاني، فلا أموال بعد أن نفذت ولا أصدقاء أعرفهم ولا حاجة أبداً!

    لم أجد تسلية إلا أن أكتب يومياتي، وأن أنشرها على الغير..

    ثم راقتني الحكاية ووجدتها وسيلة رائعة للفضفضة مع الأصدقاء الافتراضيين الذين لا أعرف أحدهم بشكل شخصي..

    من المهم إلى أقصى درجة أن تبوح بمكنون نفسك لآخرين. يصعب تصور تلك الأهمية، ربما، لشخص حياته الاجتماعية طبيعية حافلة بالأصدقاء، ولكنها مسألة خطيرة لمن يعاني مشكلات في التواصل، تتساوي في أهميتها مع أنبوب الأكسجين لمن يعاني اختناقاً وصعوبة في التنفس..

    ولا أعتقد أن الفائدة أحادية الاتجاه تصب فقط في مصلحتي حين أفضفض، فمعرفة أسرار نفس غريبي الأطوار من الضاربين بكل المسلمات عرض الحائط قد يكون مثيراً!

    ***


    اختيار العنوان نتج عن مشي متمهل في شارع عبد العزيز فهمي العامر بالأشجار بمصر الجديدة وقت الخريف. تم حين سقطت بين يدي ورقة لفظتها شجرتها الأم لانتهاء دورها..

    الفرق بين أيام العمر وأوراق الشجر أن تلك الأخيرة حين تقذفها الرياح إلي مصيرها المجهول تحت حذاء طفلٍ أو بين أنياب قط، تتكفل بتعويض صاحبتها بربيع جديد تورق فيه وتدب بها الحياة..

    أما أيامنا، فهي تتركنا لنرثيها، نعرف أنها لن تعود، وأن القنينة تنفد..

    فلا تضيعوا ثانية دون بحث عن السعادة وبث لها في قلوب الآخرين.
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الخميس أكتوبر 16, 2008 3:19 am

    الجمعة 10/10/2008..

    موقف درامي ممتاز!

    بعض المشاهد في حياة الإنسان تستطيع - على خلاف ما يوحي به ظاهرها - تلخيص الحياة كلها وحكمتها، أو مأساتها في حالتنا هذه، لمن يعرف لمحة بسيطة عن الخلفية دون حاجة إلى شرح أو تعليل..

    لا رغبة عندي في رواية تفاصيل كئيبة فالمهم أنني تجاوزت ضيقي وبدأت ممارسة أنشطة مختلفة من بينها كتابة تلك السطور. تلك النوعية من المواقف هي في تقديري عماد الكتابة الأدبية المعتمدة على السرد كالقصة القصيرة والرواية..

    ما يود الكاتب أن يفعله هو توصيل حالة معينة للمتلقي أو تحليل الشخصيات المركبة أو كشف تناقض مجتمعي أو توصيل رسالة أخلاقية ما.... الخ، والتحدي هنا هو أن يفعل هذا من خلال شخوصه دون تدخل منه - قدر المتاح - ودون أن يقوم أحدهم بالخطابة موضحاً رسالة العمل على غرار أفلام المرحوم حسين صدقي!

    الابتعاد عن المباشرة هو المفتاح ومدى التكثيف في المشهد يتصل بطبيعة العمل ففي الرواية يكون قليلاً نوعاً ما لأن ما يحمله السرد وعرض الخلفيات والتفاصيل بشكل مطول من الأهداف المبتغاة، وفي القصة القصيرة يصل إلى أقصاه وحرفية الكاتب أن ينجح في توصيل كل الفكرة مهما كانت أهميتها وضخامة ما تثيره في النفس من تأمل وأسئلة تحتاج إلى جواب من خلال صورة بسيطة وفي مساحة صغيرة وبكلمات حوار محدودة ودون أدنى ذكر لألفاظ مثل "الاشتراكية" أو "فائض القيمة" مثلاً إن كان المضمون ماركسياً أو "المجتمع الذكوري" لو كان الموضوع هو اضطهاد المرأة، وهكذا..

    تأريخ ونقد ذاتي!

    لم يكن "الروائي" أو "كاتب القصة" من أحلامي يوماً. كان الحلم أكبر بكثير: هؤلاء الذين ينحصر عملهم في التعبير عن أفكارهم بشكل أدبي هم المشاهير عند الناس، على خط المواجهة الأمامي مع الفئات الأقل وعياً في المجتمع ولم يكن هذا طموحي أيام جموح الطموح، هؤلاء الناس يعبرون عن "أفكارهم" وكان دوري هو تشكيل تلك الأفكار إن كانوا من هؤلاء الباحثين عن بناء فوقي أفضل..

    صحيح أن دورهم مهم لأن الأديب يكشف ويضع يده على التناقض ولديه القدرة على كشف الخلل في النظرية من خلال حياة الناس وتنبيه معلمه المفكر الكبير إن شطح ونسي المصدر الرئيسي للبناء الفوقي، وهو بهذا أهم بكثير من الشاعر لأن الأخير أغلب إنتاجه التعبير عن المشاعر الشخصية وغالباً - بالذات في الشعر العربي كما الأغنيات العربية - ما تكون محض سخف وقيمة الشعر الأساسية في موسيقاه وتمكن صاحبه من اللغة وجمالية تعبيراته - ومن الخلل الثقافي في تقديري اعتباره سيد الكلام - إلا أنني كنت أستصغر شأن دور الروائي وكاتب القصة، مقارنة بالمفكر والباحث، ولا زلت..

    ---

    كانت الإمكانية الشخصية متوفرة، والظروف تقف عقبة أحاول تخطيها وخلال تلك الفترة لم أكن مهتماً إلا بتيسير السبيل لحلمي وهو أيامها الدراسة والقراءة في الموضوع المستهدف - ولا يوجد مقرر واحد متاح عنه في الأزهر - ولذا لم أكتب حرفاً واحداً خارج هذا الإطار..

    الأول من يوليو عام 2005؛ حرقت الأجندة الحاوية لليوميات الأولى كلها ولم أحتفظ إلا بتاريخ أول ورقة وتأملته اليوم مستطلعاً دلالته؛ كتبت شيئاً عن نفسي على ورقة للمرة الأولى لحظة الهزيمة تعبيراً عن الإحباط وتطلع يائس إلى طريق بديل غامض غير محدد المعالم:

    أما الإحباط فلمعرفتي أن الخطة فشلت لأمور خارجة عن إرادتي - تماماً كتلك التي ألجأتني إليها - وليس هذا مكان الحكاية..

    وأما التطلع إلى شيء غامض فيتمثل في كتابتي تلك اليوميات القديمة التي لن يقرأها شخص آخر غيري بأسلوب من يكتب للناس كما أفعل في تلك الأوراق الإلكترونية: أكتب لمخاطب (ضبطت مرة نفسي وأنا أكتب "عزيزي القارئ"!). لاحظت هذا أيامها وحاولت وضع تعليل لتلك الظاهرة ولما كنت لا أفهم تصرفي الغريب ساعتها أقنعت نفسي بالمتاح من الإجابة: "عسى أن يقرأها غيري في يوم من الأيام" وطبعاً لم أكن أقصد المتطفلين في المنزل ممن أخفيتها عنهم وحرقتها حين اكتشفت التلصص. كنت أقصد قراء آخرين لا أعرفهم ولا أعتقد أن ما أكتبه يصلح للعرض عليهم!

    كان دفاعاً غريزياً عن النفس - حتى لو كان يائساًَ - مغزاه أنني لم أرضخ بعد لتلك الأحكام ولن تكون النهاية مجرد محاسب كفء يعمل ساعات طويلة في إنجاز أشياء عديمة القيمة - بالنسبة إلى الطموح - ويعود إلى منزله مكدوداً مهدوداً لينام وترفيهه مضاجعة زوجته تقليدية المخ يوم الخميس والتفكير في حجة ملائمة يتهرب بها من مصاحبتها يوم الجمعة حين تود الذهاب إلى حماته التي تتحول مع الوقت إلى مأزق حياته الكبير والشخصية الأهم فيها!

    طيب إلى ماذا؟ ما هذا الذي تكتب؟

    كل ما كنت أعرفه وقتها أنني أتدرب تحسباً لشيء آخر مستقبلي. الفائدة الكبرى التي حصلتها هي أن القلم - ثم الكيبورد - أصبح مطيعاً؛ حين أود الكتابة تنساب دون عوائق وهذا الذي أكتبه دون مراجعة (وأنشره فيما بعد) يتحسن مع الوقت، حتى في الشكل والتنسيق، بالتجربة والخطأ واتجاه نظري وأنا أقرأ لكبار المفكرين ليس فقط لما يُكتب وإنما إلى الكيفية التي تكتب بها السطور..

    (أخذت من الأستاذ هيكل مثلاً فصل الفقرة التوضيحية الموضوعة كملاحظة خارج السياق بين سطرين من النقط أعلاها وأسفلها، وهكذا)

    ---

    بدأت بعد شهور معدودة من تاريخ كتابة أول ورقة أفكر - متنازلاً للظروف على مبدأ: اللي ما رضي بالخوخ يرضى بشرابه - في كتابة القصة القصيرة مع تأجيل الرواية ثم توقفت عن المحاولة لسببين يشكلان الرابط بين ما قلته في بداية الكلام عن المشهد الدرامي وبين كل ما ذكرت بعده..

    الأول رئيسي، وهو عدم توفر الشروط الملائمة لكتابة مشهد جيد؛ المواصفات المطلوبة تحتاج فوق القدرة على الكتابة أو الموهبة - وتلك أعتقد أن ما عندي منها يكفي لمحاولة شاب مبتدئ - إلى معرفة كاملة وإلمام بأدق التفاصيل وخبايا النفس وتعقيدات العلاقات الإنسانية المنعكسة على الحركة والإيماءة واللفظ، وهي معرفة تتطلب معايشة وخبرة والانطواء ضد هذا كله، وبالتالي لا أملكها بشكل كامل إلا مع نفسي وهذا لا ينفع لرواية، أشخاصها كثر ولا يصح أن أتمكن من شخصية أحد الأبطال وأضع كلاماً فارغاً مع بقيتهم لأنني لا أعرف حياتهم - وتلك مشكلة كتاب يوصفون بالكبار - ومن ثم فالقصة القصيرة هي الحل، ورغم أنه حل جيد إلا أنني أؤسس لمشروع كامل (كبديل للمحاسبة!) بأن أكون كاتب قصة كبير لا كاتب قصة على ما تُفرج! لا ينفع أن أكتب مجموعة قصص مستوحاة من حياتي ثم ينتهي الزاد وأكرر نفسي بشكل ممل، فتوقفت عن المحاولة وأتلفت ما كتبته فعلاً..

    الثاني قد تبين قليلاً قبل أن أقوله، وهو الحرص على توفير كل العناصر اللازمة للعمل قبل البدء فيه، وتلك صفة متغلغلة في سلوكي وتنطبق على كل الشئون، والمبالغة في الأمر، كما أفعل، تفضي إلى نتيجة مؤكدة وهي عدم البدء أبداً، والآن أراجع الأمر بجدية..

    ---

    ما دفعني الآن للتفكير والربط بين الأمور المتباعدة، بخلاف الموقف الواقعي، ما تأثرت به أثناء جولتي الرائعة مع أجمل سيرة قرأتها بالعربية للدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري - مجلد ضخم: "رحلتي الفكرية - سيرة غير ذاتية غير موضوعية". تستحق تلك الرحلة رحلة مستقلة لتناولها لكن ما اتصل بكلامنا هنا، على نحو ما، شرحه لكيفية مواجهته للذئب المعلوماتي الهيجلي كما أسماه في كتابته للبحوث..

    ---

    تنبهت الآن وأنا أكتب إلى سبب بالغ الأثر؛ غداً سأبدأ حضور محاضرات الجزء الثاني من الشهادة الدولية ذات الأجزاء الأربعة، ولذا اندفعت لا شعورياً إلى "فتح دفاتري القديمة" كما يفعل الخواجة حين يفلس لوضع مشاريع موازية للمذاكرة تخفف من ثقل ظل قضاء الوقت ما بعد العمل مع المحاسبة وحدها!
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الخميس أكتوبر 16, 2008 3:21 am

    الثلاثاء 14/10/2008..

    تحدثت نهاية الأسبوع الماضي عن المشهد في الأدب المقروء كالقصة والرواية رابطاً إياه بأمور أخرى..

    استكمالاً للأمر فإن لفظة "المشهد" تستخدم على سبيل المجاز؛ فالمشهد - وفق المعنى الحقيقي للكلمة - وأنا أقرأ رواية "البيضاء" ليوسف إدريس على سبيل المثال يتكون في الجزء الأساسي منه من كتاب مفتوح من القطع المتوسط أرى سطوره المكتوبة باللون الأسود على صفحاته المصفرة وعلى حوافه بنطلون البيجامة وحافة السرير. المشهد المقصود "موصوف"، ومهمة الكاتب أن يأخذني من غرفتي وبيجامتي وسريري ليزرعني في مسرح الأحداث أتابع شخصيات من لحم ودم ويدور حوارها أمامي أسمعه وأرى الانفعالات على وجوه أصحابها وأعيش الصراع النفسي الرابض خلف الهمسات..

    ليحدث هذا لابد أن يخرج الكاتب قدر المستطاع من العملية؛ قد يمهد خلفية المشاهد بالسرد على أساس وجود راوي يبلع القارئ وجوده متفهماً رغم الاستحالة العملية لذلك، فكيف يكون هذا الشخص منقطع الصلة بالأبطال معهم في كل مكان حتى غرف النوم و يعرف أفكارهم حين يصمتون إلا لو كان الكاتب من المباحث؟!

    (يضطر متابعي أنواع أخرى من الإنتاج الفني إلى تفويت بعض الصغائر؛ كما يفعل مشاهد فيلم "معبودة الجماهير" مثلاً مع عبد الحليم حافظ وهو يغني "أحبك" على الدراجة مصهيناً عن إجابة أسئلة من نوعية: من أين تأتي الموسيقى، وكيف يلاحق أفراد الفرقة الموسيقية عبد الحليم وهو يجري بالعجلة، وإن تم هذا فمن أين التناغم بينهم وهم يلهثون، وكيف يأتينا الصوت نقياً من الشارع؟!)

    وقد يجعل الكاتب الأمر أكثر إنسانية بأن يكون الراوي هو نفسه أحد الأبطال والقارئ هنا أسير عينيه وشخصيته ووجهة نظره. النقلة الخطيرة والتي قابلتها لأول مرة كانت على يد الأستاذ بهاء طاهر في رائعة "واحة الغروب" فقد انسحب تماماً من المسرح وترك كل بطل ليكون راوياً يصنع الصورة حسب وجهة نظره وبتكامل الرؤى نتتبع الأحداث من جهة والحوار المثير بين الشرق والغرب من جهة أخرى..

    ---

    هناك من أهل الفن أناس مهمتهم التوسط بين الكاتب والقارئ. يحولون الأخير إلى "مشاهد" فعلي لا "يتخيل" الأبطال وإنما يشاهدهم على الشاشة من خلال بشر حقيقيين فهموا مراد الكاتب عن طريق القراءة المباشرة للسيناريو مثلاً - القصة بعدما عولجت سينمائياً - وتقمصوا الشخصيات من خلال موهبتهم التمثيلية يشرف عليهم رجل هو المسئول عن عملية التحويل: المخرج..

    أقرب مخرجات فن التمثيل إلى قلبي هو الفيلم السينمائي ومن بعده العمل المسرحي؛ فعلى خلاف الدراما التلفزيونية تقوم السينما وكذلك المسرح على "الإيهام". المتفرج شخص يجلس في مستوى منخفض ويتابع العمل من خلال مسرح ضخم أو شاشة عرض عملاقة والأنوار مطفأة وكأن ما يراه أحداثاً حقيقية تجري الآن وبعد نهايتها يحتاج إلى دقائق - وأحياناً ساعات - ليدرك أن الفيلم قد انتهى!

    (أتحدث عن السينما، يوسف شاهين ويسري نصر الله ورضوان الكاشف وداود عبد السيد وعاطف الطيب ورفاقهم من المبدعين الحقيقيين في السينما العربية. الأفلام من عينة "الزمهلوية" حيث تجميع عدد من لاعبي الكرة المتمتعين بثقل ظل تاريخي تلبية لهيافة جماهيرهم هي أقرب إلى بيع "باكتات" البانجو منها إلى أي شيء آخر)

    بعض الأفلام أجلبها للعرض المنزلي على الكمبيوتر، وتلك مسألة متعتها ضئيلة جداً مقارنة بمشاهدة نفس الفيلم في دار العرض وللتحايل على المسألة أقوم بإطفاء نور الغرفة وإغلاق الشباك والباب والجلوس بعيداً عن الكمبيوتر مع منع نفسي من استخدام خصائص متاحة كالتقديم والتأخير حتى لو فاتني جزء لسبب ما أو أعجبني آخر وأردت إعادته..

    أحرص كذلك على عدم تناول أي نوع من المأكولات والمشروبات أثناء العرض رغم أن هذا غير ممنوع في السينما ولكن لسبب مبدأي: كيف أشاهد فيلماً كـ "الطوق والإسورة" مثلاً وأنا أتناول الفشار أو أتجرع المياه الغازية؟ تلك مهزلة أخلاقية وآية من آيات غياب الحس الإنساني وانعدام المسئولية!

    ***


    الأمور التي تدور في رأسي منذ شهور وتتحول إلى مواقف جديدة من قضايا محددة أو تدعيم مواقف سابقة - تترتب عليها قرارات وخطط - تندرج، رغم عدم تجانسها، تحت عنوان عريض واحد: مراجعة شاملة لحياتي كلها تطلعاً إلى قادم الأيام تطبيقاً لنظريتي في كيفية قضاء العمر!

    الجميل هذا العام، على خلاف ما مضى، أن أكتوبر لم يمثل لي حالة خاصة، ولم يستدع من الحزن الموسمي أو التفكير الاستثنائي ما اعتادت ذكرى الميلاد أن تثيره..

    ربما حصل العكس، لم تمنعني هواجس الماضي من التفكير في المستقبل واتخاذ الخطوات العملية لإنجاز ما أقرره. استحال التأثير إلى أمور لطيفة غير ضارة: موجة حنين وهدوء مفاجئة!

    خلال اليومين السابقين شاهدت فيلمين حافلين بالشجن: "هي فوضى" و"Atonement" ورحت أستمع لأغنيات هادئة حزينة: "انا وانتا ظلمنا الحب" و"كلمة عتاب يا حب" لفريد على العود وغيرها وأصبحت أكثر حساسية ضد الضوضاء!

    على العكس من المعتاد قررت أنه سيكون يوماً سعيداً؛ تلقيت في الصباح رسالة رقيقة بثت البهجة في نفسي وفي المساء تطورت الأحداث على غرار المآسي الإغريقية وقابلت الأمر حين انفردت بنفسي بالانفجار في الضحك!

    ***


    لدي ميعاد يومي مع الانبهار: التاسعة مساء بتوقيت القاهرة..

    مسلسل سوري، تحفة سورية اسمها "ليس سراباً"؛ مبدع اسمه فادي قوشقجي مؤلفاً وعبقري اسمه المثنى صبح مخرجاً ومن بطولة سلوم حداد وعباس النوري وكاريس بشار ومجموعة من الممثلين الرائعين..

    الزواج بين معتنقي ديانات مختلفة في مجتمع به صراع بين المحافظين المتعصبين والعقلانيين محبي الحياة، والتناول من زاوية المثقف المتموضع في جزيرته التي يصنعها داخل المحيط الكبير يتأثر على الرغم منه بأمواجه غير المواتية تهدد استقراره المنشود وحياته القلقة..

    مع الفكرة والأداء هناك ما يدفعني للجنون نشوة؛ الجميلة سلافة معمار وهي تقوم بدور فتاة أحلامي بمنتهى الإتقان، صوت هيفاء كمال بين مجموعة رام تغني أغنية "يا روح" في المقدمة، موسيقى طارق الناصر الأسطورية: قليلة هي الموسيقى التي تقتحم كيانك كإعصار حتى توشك على البكاء دون رغبة حقيقية في المقاومة..

    ***


    تساؤلات عن مدى أخلاقية "تمني" بعض الحلول: أزمة سأضع بسببها الفلسفة البراجماتية تحت الفحص!
    avatar
    إحساس مجروح
    عضو جديد
    عضو جديد

    ذكر عدد الرسائل : 9
    العمر : 34
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف إحساس مجروح في الخميس أكتوبر 16, 2008 11:59 am

    خيي وصيف ..
    أن أتابع قراءة أوراقك هنا ..
    هي بسمة عمر ثانية ..
    والأولى كانت معرفتك وصداقتك ..

    دمت بخير ..

    حسام ..
    [b]
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الخميس أكتوبر 16, 2008 6:30 pm

    أن تكون يا حسام هنا فلابد أن أكون بخير..

    فأنت يا خيي الخير..

    كن كما أنت دوماً نقياً كالياسمين..
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة أكتوبر 24, 2008 10:55 pm

    الثلاثاء 21/10/2008..

    مش قادر أستحمل!

    قبل أسابيع، وأنا أكتب عن الحب محاولاً توضيح ما أراه في طرح قيد الاكتمال، ارتأيت أن أضرب مثالاً لعلاقة إنسانية تقوم على التواصل بخلاف الحب بين رجل وامرأة، فلم أجد أكثر مناسبة من الصداقة وحاولت أن تكون حالتي هي المثال ووجدت نفسي في مشكلة: ذكر وقائع بشكل تفصيلي مفيد للغاية وسيوضح الفكرة تماماً، إلا إن نتيجته هي إعطاء انطباع منقطع الصلة بالحقيقة لدى القارئ أنني أدعي التبحر في الثقافة وأستغل هذا في التعالي على الآخرين ورسم صورة العبقري وسط الجهلاء. قررت التنازل عن المباشرة، الأسهل في التوضيح، والاستعاضة عنها بوصف الحالة العامة مجتهداً في توصيل المعنى والقصد من المثال كله وهو تبيان الاختلاف في الاهتمامات وتأثيره على الصداقة..

    حدث اليوم ما ضغط على أعصابي - رغم صغر الحادثة - وتصدرت رأسي ظاهرة مزعجة. قررت نقلها هنا - مع استمرار التحفظ في ذكر الأمثلة لانعدام نهائيتها بالأساس فضلاً عن اعتبارات عملية - وهذا النقل يتفق والهدف من إنشاء تلك المساحة الحاوية لتلك السطور: لا يوجد من يتفهم أفكاري أبداً فيمن هم حولي، ولكن لابد أن بعض الأشخاص القادرين على هذا على قيد الحياة. لا أعرفهم ولا أتواصل معهم لبعد المسافات بيننا، ولما كان الانترنت قافزاً فوق حواجزها فلينطلق صوتي عبره في الأثير عساه يحظى بأذن مرحبة في مكان ما على الأرض!

    ---

    بالنظر إلى جانبي الصورة، أنا والآخر، تتضح المشكلة:

    كلامي العادي مع الأشخاص يشبه بعض ما أتناوله في كتاباتي من حيث الموضوع: السياسة والاقتصاد والفلسفة والعلم والفن والأدب والموسيقى والتقاط مواضع التناقض والسخرية منها بمرجعية مكونة من نفس مجالات الاهتمام. تلك هي "كل" اهتماماتي. هذا هو الحاصل؛ لا أعد نفسي "مثقفاً" ولا أراني مستحقاً لهذا اللقب الذي يطلقه كثير من الجهلاء على أنفسهم. كيف أقرأ لطه حسين مثلاً بمعارفه المتنوعة المتشعبة - وهو الكفيف - وأمنح نفسي لقبه هكذا دون حياء؟!

    أصف نفسي بأنني مجرد "شخص يسعى ليكون مثقفاً جيداً ويجتهد في هذا قدر طاقته". لم أنجح في سعيي هذا حتى الآن، أي أنني لست راضياً عما وصلت إليه أبداً، وكلما قطعت مسافة على الطريق ابتعد خط النهاية أكثر وأعرف أنه غير قابل للبلوغ ولكن المهم عندي أنني أخطو وهناك تقدم منتظم..

    المشكلة أن اهتماماتي تلك غير مهمة أبداً عند الناس في غالبيتهم..

    ....................
    ....................

    الوظيفة الأكاديمية بالنسبة لي كانت تحمل حلاً جذرياً للمشكلة؛ فالمسألة ببساطة أني كلما كلمت شخصاً عن شيء ما - منذ كنت في الإعدادي - نظر لي على أنني مجنون مع رد فعل إضافي يختلف باختلاف المخاطب - كما سيتبين - وكلما سمعت شخصاً يتكلم تأكد لي أنني مجنون! والعمل الأكاديمي سيوفر لي محيطاً من الزملاء، سواء في تخصصي أو في التخصصات الأخرى بالجامعة، يتمتعون بمستوى فكري معين فسأجد أن اهتماماتنا على نحو ما مشتركة، وسنتبادل ما هو غير متطابق وسنجد مجالات واسعة للحديث والنقاش والاتفاق والاختلاف..

    تلك الوظيفة عند كثير من الناس "لقب" يحلمون به وذلك لا يهمني أبداً، سيقول الناس هذا هو الدكتور فلان وهذا يبعث على الاحترام عندهم مثلاً. لا يعنيني ذلك لأنهم - أي الناس - لا يمثلون بالنسبة لي شيئاً فكوني جيداً في نظرهم يستوي مع كوني رديئاً، ولذا كان الكثيرون يستغربون عزوفي القاطع عن وظيفة الأزهر وكنت أجيب من يغريني: "سيقول عنك الناس كذا" ببساطتي المعهودة: "يا فرحتي! وماذا سأستفيد بجملتهم تلك وأنا أكره حياتي، أنشد السعادة ولو كان تحققها في العمل جانياً للقطن باليومية في قريتنا وليقل الناس عني عامل تراحيل أرزقي!". في هذه الحالة ترتسم ملامح الشفقة ممزوجة بعدم الفهم العميق على وجه محدثي من مقدسي اللقب..

    وقد رفضتها لأن المطلوب غير موجود أبداً؛ هو - في هذا الجانب - زملاء لهم اهتمامات تتقاطع واهتماماتي، والزملاء هناك - من أصغر طالب وحتى أكبر "راس" - يشكلون حظيرة ضخمة بها أنواع مختلفة من الكائنات ليس من بينها من أسعى إلى رفقته!

    ....................
    ....................

    وحين نعكس الآية لنرى ما يهتم به الناس في غالبيتهم نجد أني لا أفقه منه شيئاً ولذا حين يدور حديث أمامي أجد نفسي في العادة غير قادر على المشاركة. شخصان يتحدثان بشغف شديد وحماس عن بعض أنواع الهواتف النقالة مثلاً - أو الأمور المشابهة كالسيارات - وخصائصها وما بها من خيارات وإمكانيات؛ لا أقول شيئاً لأنني لا أعرف شيئاً أقوله! المحمول بالنسبة لي هو جهاز يرسل المكالمات ويستقبلها ولا أعرف عن تشغيله شيئاً أزيد، ولا أود أن أعرف أصلاً. قادني تفكيري بعض المرات أن أنصت جيداً لأتعلم شيئاً أستخدمه حين يثار نفس الموضوع مع أناس آخرين ووجدتني أسرح بعيداً في قصيدة أو تناقض معين في الفكر الاقتصادي الاجتماعي الذي أؤمن به يحتاج إلى حل أو فقرة أعجبتني في كتاب أو جمل الحوار في مشهد سينمائي أذهلني، ولو أجبرت نفسي على الإنصات أصاب بالضجر وقد أنفخ متبرماً أو أتركهم وأمضي دون استئذان في جليطة ظاهرة. أقنعت نفسي بعدم جدوى هذا والاكتفاء في هذه الحالة بفتح فمي مبتسماً كالأبله والتفكير في شيء بعيد دون كلام بالمرة أو تركيز فيما يقال، ولم يحل هذا المشكلات ففي التجمعات الجديدة يعتقد الناس أن صمتي هذا وعدم مشاركتهم حديثهم دليل تعالٍ واستصغار لشأنهم، أو أنني شخص مدسوس عليهم من القيادات - في العمل - لأعرف ماذا يفعلون وإبلاغهم! (دائماً علاقتي بالقيادات - وكبار السن عموماً - طابعها الود ويعاملونني بحفاوة تثير استغراب الزملاء حتى أنهم يظنون في البدء أني قريب أو جار للرئيس)، وفي إحدى المرات ظن أحد الزملاء، لم يسمع مني جملة مفيدة لمدة أسبوع، أنني "أتهته" وأجد صعوبة في التحدث ولذا أمتنع عن الكلام خوفاً من الحرج!

    ---

    هذا الصمت جديد نسبياً، في الماضي كنت أبادر إلى الكلام في المواضيع التي أستطيع متعمداً لتوضيح أن لي اهتمامات جادة ظناً أن هذا له وقع إيجابي على السامع واكتشفت أن ظني غير صحيح في أغلب الأحوال:

    - الأقران في نفس السن حين أثير المسائل الجادة ولا يجدون ما يردون به أو أن يقارن الشخص بين ما قاله هو وما قلته أنا ويكتشف الفارق تتجه أدمغتهم إلى البحث عن شيء ما يقلل من شأني أو يرفع من شأنهم وإثارته والتكلم فيه وتفشل المحاولة دائماً لأنني أتلقى الأمر ببرود حقيقي شديد وبابتسامة المتفهم الحانية ما يصيب الطرف الآخر بنقطة والعياذ بالله وفي كل الأحوال تنشأ حالة حرص جماعي على عدم إتاحة الفرصة لأي موضوع جاد أن يثار حتى لا أتكلم. الاستثناء هنا نادر جداً فإما الآخر جيد الإطلاع يفرح بشخصي كما أفرح أنا به أو لا تتوفر له تلك الصفة ولكن نفسيته غير مريضة فيقبل الأمر بصدر رحب ويحثني على الكلام.

    - الأكبر مني قليلاً - حتى الخامسة والثلاثين مثلاً - خاصة من يعتقد منهم أن له تخصص يمنحه مكانة معينة أكبر من تلك التي يمنحني إياها تخصصي ولا يقتصر تفوقه المزعوم على أسبقية اليوم الذي قذفته أمه فيه إلى الدنيا على اليوم الذي شفطوا فيه رأسي؛ هؤلاء تنتابهم حالة انفعالية شديدة ويحاولون تذكيري بالوضع المجتمعي الذي يتصورونه حقيقياً وأنهم أفضل فعلاً، وأقابلهم بنفس الابتسامة التي أصبحت خطرة الآن فبعضهم حاول أن يضرني في عملي انتقاماً من استهانتي المؤدبة!

    - كبار السن رد فعلهم الأول كان يثلج صدري؛ فهناك إجماع على الاحتفاء الشديد بي إلا أن للأمر حدود قياساً على عبارة الست. توقير الكبار عندي قاعدة راسخة إلا أنها لا تصطدم مع الاختلاف الجذري والتعبير عنه وتوضيح أوجه القصور في كلام هذا الكبير، والفرق في الأسلوب الذي أخاطبه به فهو يختلف قطعاً عن مخاطبة صديق في سني مثلاً، وتلك المعاملة مني غير مقبولة منهم فالمطلوب عادة هو الاستماع والاستفادة للتعلم دون مناقشة!


    ***


    معي في الوظيفة الجديدة شاب خلوق مهذب غلب على ظني من أسلوب خطابه أن هناك بعض الأمل في وجود مواضيع مشتركة للحديث. كان مدخلنا هو الزحام الشديد في الشوارع..

    (أصبح الأمر مثيراً لأقصى درجات الضيق والمشوار اللازم لقضائه ثلث ساعة يتم في ساعتين حتى أنني فقدت الرغبة في إدراج امتلاك سيارة على جدول طموحاتي فهي الآن أداة للعذاب بدلاً من الراحة: سأصبح عالقاً دوماً أضيع الوقت بلا طائل أو قدرة على فتح كتاب أكمله من حيث انتهيت، وبعدما أصل إلى مقر عملي لن تنتهي مشاكلي وإنما ستبدأ فسيكون علي البحث عن مكان للركنة وقد تستغرق تلك العملية أكثر من ساعة، لأقتصر إن تحسنت الأحوال على التاكسي يتحمل سائقه المسكين تلك المعاناة وأقرأ أنا كتبي وأستمع إلى الموسيقى.. بلا سواقة بلا قرف!)

    تفرعنا إلى الزيادة السكانية والحجم الحقيقي للمشكلة قياساً إلى الخطاب الرئاسي والحكومي، وتحمست أنا إلى اتفاقه معي في التهويل الحكومي وأن المشكلة الاقتصادية في مصر أعمق من أن يتم اختزالها بتلك الخفة وأحلته إلى تلك الدراسة فائقة الأهمية عن الاقتصاد المصري في ثلاثين عاماً للباحث البارع الدكتور إبراهيم العيسوي ورحت أنتقل بين تجارب الدول التي فهمت كيف يتم استيعاب المشكلة السكانية من خلال المدخل التنموي الشامل دون قصر التركيز على خفض الخصوبة. وصلت إلى المستوى الفردي وكيف أن الوعي والتعليم وعمل المرأة كلها أمور مؤثرة فحين يتزوج هو مثلاً - هكذا جعلته مثالاً لإضفاء مسحة إنسانية على حديث جاف بطبعه - لا يمكن أن يفكر طبعاً في إنجاب عشرة أولاد..

    قاطعني هنا بأدب شديد وقال أنه يود أن ينجب أولاداً إلى ما شاء الله دونما تقيد بأي عامل آخر، وحين لاحظ علامات الإحباط الرهيب على وجهي أفهمني ما فهمته: المسألة عندي ليها بعد تاني، بعد ديني!

    (تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)

    ---

    لا أعرف إلى أي مدى تكون معاناة شخص مثلي محسوسة للقارئ؛ شخص غير عابئ بالدين أبداً في مجتمع يتنفسه ويعتبر أن الحياة كلها مسخرة لخدمته، من الأفضل أن أتوقف عن الكلام عن أمثلة أتعرض لها بشكل شخصي إلى هذا المثال العام وهو في تصوري كاشف جداً: في المنطقة التي أسكن فيها عمارة شاءت مقادير سكانها الحزينة أن تكون موقعاً مثالياً لرمي القمامة دون معرفة للفاعل؛ حين فاض الكيل بسكانها كتب أحدهم على الحائط عبارة لفتت انتباهي بشدة (بين من قُتلوا داخلي عالم اجتماع): "ممنوع رمي القمامة منعاً للمسائلة"..

    العبارة عجيبة في مجتمع ثقافة الحقوق فيه حالتها مأساوية وكلمات كالحق والواجب والمسائلة حري بها أنن تثير السخرية وإذا ذهب المواطن إلى مصلحة حكومية تجده يتوسل للموظف بعبارات مثل وحياة أولادك، الله يكرمك ويخليك، رغم أنه يتقاضى مرتبه لسبب وحيد هو خدمة المواطن!

    المهم، وكما توقعت تماماً، زاد معدل القمامة أمام العمارة بشكل ملحوظ!

    بدأ السكان يستوعبون حقائق الحياة وغير المتحدث باسمهم العبارة بعد حوالي الشهر إلى التالي: "الرجاء المحافظة على نظافة العمارة"..

    زاد منسوب "الرجاء" في الموضوع الآن وإن لم ينخفض منسوب القمامة، فتم اللجوء إلى السلاح الفعال: في رمضان الماضي وحيث المشاعر الدينية ملتهبة جداً كتب المتحدث الرسمي: "حسبي الله ونعم الوكيل في اللي بيرمي زبالة هنا"!

    لم يخاطب أي شخص أو جهة، لا بممنوع وتحذير من المسائلة ولا برجاء ذوقي، فقط هددهم بأن استجار إلى الله في رمضان..

    المدهش أن إلقاء القمامة توقف تماماً وإن بدأ في العودة تدريجياً بعد العيد!
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة نوفمبر 07, 2008 3:59 pm

    الاثنين 3/11/2008..

    منو زعل ست الحلوات، وخلاها بدموعها تبات؟!

    كاظم الساهر من أفضل من غنى للأطفال، وخصوصاً أغنيتيه "البنية" والجديدة "ست الحلوات" من ألبومه الجديد، الرائع، "صور"..

    اللحن لذيذ جداً خاصة الموسيقى بين الكوبليهات..

    لو حصل وأنجبت أتمنى أنثى، بشرط أن تكون وهي رضيعة في جمال من ظهرت على أنها أسمهان في نهاية الحلقة الأولى من المسلسل (في القطار) وحين تكبر قليلاً في جمال وشقاوة من ظهرت في أغنية "البنية" مع كاظم في الفيديو كليب (يلا حبيبي.. مشي!) وفي فترة الانتقال بين طفولتها ومراهقتها كجودي المصري التي قامت بدور "ليليان" في مسلسل "ليس سراباً"، وحين تصير أنثى ناضجة تصبح نسخة من يسرا اللوزي بطلة فيلم "قبلات مسروقة"!

    يفرض هذا مواصفات معينة في الأم، المشكلة أن مواصفات كل مرحلة من الأربعة تتطلب أماً مختلفة، وتلك محلولة بالزواج من أربع نساء، ولكنه سيمنحني بنات أربعة. أحتاج أن أنجب طفلة واحدة من أربع زوجات!

    ***


    حالة دهشة واستنكار شديدين لأني لم أشاهد مباراة الأهلي بالأمس!

    أجبت السائلين ببساطة: تلك مباراة محسومة فالأندية الإفريقية من غير الشمال ضعيفة وغير قادرة على الصمود في وجه تلك الشمالية بسبب التفريخ المستمر للمحترفين في سن مبكرة جداً، أما ما يستحق المتابعة فهو انتصارات منتخب مصر في إفريقيا لأن منتخبنا قياساً بمنتخبات أخرى هو الأضعف والأقل فنياً وبدنياً وما فعله ويفعله حسن شحاتة إنجاز حقيقي لأنه ينتصر على الرغم من موازين القوى المختلة. لكل هذا من السخف أن أضيع ساعتين من وقتي لمشاهدة مباراة ضعيفة وسيئة للأهلي، وحالة الجنون الجماعي والاهتمام الهستيري بشأن تافه مفيدة بالنسبة لي فقد قضيت مشواري مستمتعاً بشوارع خالية تماماً من المارة!

    (طبعاً أخفف العبارات مع المخاطب لأنه هو نفسه مصاب بنفس الجنون)

    حاول أحد الزملاء إثارة مسألة الوطنية على أساس أن الأهلي يمثل مصر، فأجبته أن الوطنية لو أدخلناها في الموضوع فلابد أن أوجه اهتمامي للطبيب المصري الذي يتعرض لعقوبة الجلد - 1500 جلدة - على يد بعض البغال في السعودية!

    ***


    شعور رائع أن يكتشف المرء أن فتاة تستلطفه وتعجب به. زميلة جميلة، قررت منذ يومين رفع الكلفة من طرف واحد! ورحت أخاطبها باسمها الأول وأمزح معها كأنها صديقة قديمة لما تبينت نظراتها المعجبة ومحاولتها لفت النظر من البداية بالضغط على مواضع القوة وتمهلت رد الفعل مستمتعاً..

    تعبيراتها لا تحتاج إلى توضيح وأنا أود الاستجابة للنداء إلا أن الأزمة قائمة: العلاقة عندي تبدأ صغيرة وقد تكبر، وعندها العكس، أريدها Girlfriend، وهي تريدني زوجاً، أو بمعنى أدق تدرس حالتي كمشروع زوج، وهو أمر مرفوض عندي من حيث المبدأ وغير ممكن عملياً لو قبلت به..

    تكرر الموقف، المعقد، كثيراً. أقع بين عاملين ضاغطين متنافرين حين تعجب بي فتاة؛ فمن ناحية عقلي وضميري أعرف أن المضي قدماً في هذا المجتمع الديني مستحيل ومن ثم من مصلحتها هي ألا أشجعها فيصبح تخلصها من مشاعرها تجاهي سهلاً كما أن الخطوات الكبرى التي يتعين عليها اتخاذها إن أصرت وفهمت العوائق أكبر من قدرتها على الاحتمال كما أن نجاحها فيها يضع على عاتقي عبئاً ضخماً وهو المقابل، حباً والتزاماً، الذي تنتظره ليوازي ما فعلته وقد يشتمل على تضحيات وهذا غير وارد لأن العلاقة، التي لم تنشأ بعد، عندي، كلها على بعضها، مجرد بذرة لشيء غير محدد ستجليه الأيام. لكل هذا أساعدها فعلياً على تجاوز المسألة قبل أن تكبر..

    ومن ناحية احتياجي الذاتي للحب أفرح كثيراً بمشاعرها وأحزن كثيراً حين تنجح محاولاتي العقلية الضميرية!

    بعيداً عن كل تلك التعقيدات، التي أفرزها وجودي في هذا البلد المحافظ، أود أن أحملها الآن إلى فرنسا ونمارس الحب في حديقة عامة!
    avatar
    mohtadyg
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 20
    العمر : 62
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف mohtadyg في السبت نوفمبر 08, 2008 8:04 am

    وصيف
    تحية و شكر على ما كتبته هنا فقد وصفت مالم يتجاسر الخوف أن يصفه فينا و فيه و فيكم
    شكراً
    و لتتابع كي تتفتح الأرصفة ورداً في قلوب الناش الشفافين كأوراق وردة من هواء الريح تنام في ثناياها الروح التي لا تصادق إلا مثيلاتها و جسدها
    مع المحبة و المودة
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت نوفمبر 08, 2008 3:21 pm

    mohtadyg كتب:
    وصيف
    تحية و شكر على ما كتبته هنا فقد وصفت مالم يتجاسر الخوف أن يصفه فينا و فيه و فيكم
    شكراً
    و لتتابع كي تتفتح الأرصفة ورداً في قلوب الناش الشفافين كأوراق وردة من هواء الريح تنام في ثناياها الروح التي لا تصادق إلا مثيلاتها و جسدها
    مع المحبة و المودة

    أستاذي الأديب الكبير مهتدي مصطفى غالب..

    تعليقك الذي لا يصدر إلا عن إنسان نقي كأنت، أسعدني لأبعد مدى..

    كل محبتي ومودتي وعميق شكري.
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة نوفمبر 21, 2008 12:52 pm

    الخميس 20/11/2008..
    قادر قلبي على الفرح لا يزال!
    منذ خمس سنوات وأنا أقوم بعمل عقلي صرف، شديد الوطأة، لإعادة صياغة بنود العقد المبرم بيني وبين الدنيا ليبتعد شيئاً فشيئاً عن كونه عقد إذعان إلى آخر أملك على طاولة الاتفاق بشأنه أوراقاً تفاوضية تنتج امتيازات. نتائج هذا الجهد تتحول إلى خطط وطرق عمل وأفعال محددة، وقلت أنه "عقلي صرف" لضعف إيماني بحدوث نتائج إيجابية له؛ أنتهجه مقتنعاً أنه لا بديل له متشائماً - بشكل شخصي بالإضافة إلى التشاؤم "المنهجي" الذي أعتمده! - بخصوص تحقيقه لأهدافه المرجوة..
    يثبت لي تدريجياً أن التوقع السلبي - الإضافي - لا لزوم له هنا والطريق يوصل، نظرياً، إلى المطلوب..
    للتوضيح: فلسفتي بسيطة جداً تندرج تحتها كل الأفكار التي أقتنع بها وأدعمها في كافة مجالات الحياة؛ الإنسان ولد، وكما ولد سيموت. منتهى العبث، لا شيء أبداً قبل ذلك ولا بعده - وتلك ليست نقطة جوهرية في شرح الإطار العام وأثرها، الكبير، كله يتعلق بالتفاصيل - وبين الميلاد والممات في تصرفاته جميعاً يسعى لتلبية حاجاته الشخصية البحتة. النبل الصرف خرافة والتضحية المحضة بلا مقابل وهم، وتلك الحاجات الشخصية كلها هي محاولات للحصول على غاية الإنسان في الدنيا: السعادة.
    لابد للإنسان برأيي أن يكون أخلاقياً، والأخلاق حدها الأدنى تجنب إيذاء الآخرين أثناء العمل على إسعاد النفس، تتطور للأفضل حين يسعى المرء إلى إسعاد غيره على هامش إسعاده لنفسه، وتصل إلى قمتها حين تصبح سعادة الآخرين بحد ذاتها مصدراً للرضا الشخصي..
    ---
    ما فعلته خلال الأعوام الماضية هو دراسة العوامل المتسببة في تعاستي الكبيرة ووضع خطة للتعامل معها بما يعكس أثرها. ضعف الإيمان المشار إليه نشأ عن اعتقاد ميتافيزيقي مفاده أنني فقدت القدرة على الفرح ولم يعد هناك ما يحرك مشاعري أبداً، وبسمات الأطفال وضحكاتهم، تنتزع الفرح من قلبي مهما كان الهم، كانت استثناءاً فسرته كذلك ميتافيزيقياً أنها بطبيعتها قادرة على إسعاد كل البشر. كان عقلي مقتنعاً أن تلك خرافات إلا أن منطقة عميقة من دماغي حملت لفترة طويلة تصديقاً غيبياً..
    انتقل الأمر بالتدريج إلى الأفضل، يشبه ما يسميه البعض آلام الانتقال من الشك إلى اليقين، في عكس اتجاههم بالطبع! بدأت حالتي النفسية تتبدل مع تبلور نتائج إيجابية لخططي المنطقية: الأمور تتحسن قليلاً رغم ازدياد سوء الظروف لأن عنصر الكفاءة في التعامل طرأ على المعادلة، لست سعيداً بعد إلا أني لست حزيناً. بدأت الآن مرحلة الحصاد: لحظات من الفرح الجميل، اجتماع القدرة العقلية على استخلاص النقاط الإيجابية من أحلك المواقف مع تفاعل أحاسيسي معها في شكل فرحة حقيقية..
    تنبهت إلى أفعال متكررة حين أكون سعيداً؛ فبالإضافة للغناء بصوت مرتفع، بأغنيات محمد فوزي خاصة لأنها الوحيدة التي يخرج صوتي معها غير حصاوي، والتحرك بخطوات راقصة، أنهمك في مغازلة كل النساء والفتيات في المكان مهما كان السن ودرجة الاحتشام - الفرق في الدرجة فقد أمتدح نضارة وجه زميلة وقورة في منتصف العمر بينما أتغزل في خصر أخرى - ومن ردود الأفعال تبين لي كم أنا بارع في هذا!
    على الجانب الآخر، فإن الفرحة الجديدة لا تزال هشة، ضعيفة، أمام الكدر تحتاج وقتاً لتنضج وتصمد. لازلت متقلباً في مشاعري بين الحزن والسعادة، ربما هو نتاج اختناق ما بعد الولادة قبل الصرخة الأولى وربما أشرت للأمر مرة هنا وأنا أتكلم عن حبيبي صلاح جاهين. أكتب تلك السطور وقد تبخرت فرحة الصباح تماماً ولكن المهم أنها باتت تأتي أخيراً، ولو بين حين وحين.
    ***
    انقطع اندماجي مع الرواية قبل نهايتها!
    وصل المشهد إلى ذروته قبل نهاية الفصل وراحت العلاقة تتوطد بين أورليانو، المتوحد قارئ الرقاق، وخاله خوسيه أركاديو مشروع البابا المجهض، واكتشفت أن هناك ورقة مفقودة بوجهيها!
    جن جنوني ورحت أبحث عن طبعة دار المدى السورية على الانترنت علني أكمل ما فاتني - مع التسليم بأن متعتي قد فسدت في كل الأحوال، اليوم على الأقل - ولم أجدها ووجدت بدلاً منها طبعة أخرى لمترجم آخر بخلاف صالح علماني. أول مواجهة بيني وبين أزمة المترجم إلى العربية؛ فالنسخة التي تصفحتها، بعد معرفة مقتل خوسيه أركاديو بغارة انتقامية، محبطة: 40% فقط من عدد صفحات طبعة المدى، وانتقاء متعسف للشخصيات والأحداث بواسطة المترجم العابث، وأسلوب مسطح يغلب اللفظ على الغوص في الأعماق..
    سآخذ نفساً عميقاً وأحاول البدء من جديد وكأن شيئاً لم يكن.
    ***
    ما أمتع أن تكون مديراً عاماً!
    تتلقى رسائلك وتنظم أعمالك، طوال النهار، عن طريق سكرتيرة بهذا الحسن..
    يا رب! وفقني في عملي حتى أصبح مديراً في مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام!
    يكاد عقلي يطير من أبراجه؛ منذ أتت، قبل يومين، وأنا أتردد على المكتب كثيراً أسلم عليها وأسأل هل هو مشغول طالباً مقابلته ولا أعرف ماذا سأقول له لو سمح لي بها، وأحياناً بلا سبب والمدير خارج الإدارة أسأل عن صحته أو متى انصرف بالأمس! أي حاجة المهم أن أتنفس هذا العطر وأسمعها تتكلم..
    مش عارف المكان المناسب يكون فين.. أفكر جدياً إني أزنقها عند حمام البنات!
    avatar
    شادي
    مشرف عام

    ذكر عدد الرسائل : 684
    العمر : 35
    مكان الإقامة : سلمية
    تاريخ التسجيل : 17/02/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف شادي في السبت نوفمبر 22, 2008 2:54 am

    غارق حتى الثمالة في متابعة أوراق عمرك تنثرها على رصيف المقهى كوريقات الخريف...
    أوليس العمر كفصول السنة..ولكن مهلا صديقي وصيف ما زلت في ربيع العمر...
    على أمل أن تظل حياتك ...ربيعا..

    دمت بخير..


    _________________
    أنا وحبيبي صوتان في شفةٍ واحده....
    أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشارده...
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت نوفمبر 22, 2008 3:23 pm

    شادي كتب:غارق حتى الثمالة في متابعة أوراق عمرك تنثرها على رصيف المقهى كوريقات الخريف...
    أوليس العمر كفصول السنة..ولكن مهلا صديقي وصيف ما زلت في ربيع العمر...
    على أمل أن تظل حياتك ...ربيعا..

    دمت بخير..

    وجودك هنا يا شادي نسمة ربيعية أخاذة..

    المشكلة يا صديقي أن يشوب الربيع البرد والحر لا يتركانه لصفائه ونقائه. يستعجلان المجيء على غير الأوان، ونتيجة تلك التقلبات الجوية معروفة: نزلة برد!

    محبتي يا صديقي..
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة نوفمبر 28, 2008 4:08 pm

    الخميس 26/11/2008..
    نهاية الأسبوع..
    تلقيت خلاله أسئلة كثيرة؛ في اهتمام بحالي، معتاد في التجمعات الجديدة وإن فقد بريقه القديم في قلبي. أجبتها كلها بشكل مقتضب ومنقوص لأسباب متعددة سهل استنتاجها. هنا أنا حر أكثر..
    1- ما هي أول الأشياء التي ستفعلها لو أوتيت مالاً كثيراً؟!
    أول ما سأفعل هو الحصول على شقة في وسط البلد أو أحد أحياء مصر القديمة من غرفة واحدة، ولو كان ما معي كافياً فغرفة إضافية تخصص للكتب شيء رائع..
    ---
    سأبحث بعد هذا عن أحد الأطباء النفسيين المتميزين لأكون زبوناً مستديماً..
    حين يعن لي شيء أحب إراحة نفسي من الأمر كله بتسليمه إلى مختص يتلقى مبلغاً أكبر من المعتاد مقابل تحقيق ما أريد دون جهد. في الملابس أود Stylist يخبرني ماذا ألبس لأبدو في أحسن صورة، هذا هو مرادي وهي مهنته فلن أتدخل وسأدعه يختار ما يشاء. لا أود اختيار أثاث المكان الذي أسكن فيه كيف يكون بالتفصيل، أفضل أن أسلمه لمكتب ديكورات متخصص ينجز المسألة، وهكذا..
    من الناس من يجد متعة في التجهيز والانتقاء ولست أحدهم. ربما أنا مترف بالفطرة أو جينات أحد الإقطاعيين من أجدادي القدماء تؤثر في سلوكي ولكنه الحاصل. كما هو معروف فهذا السلوك يحتاج أموالاً طائلة لا أملكها فمنهجي الحالي هو اختيار أول حاجة تقابلني على أد فلوسي وخلاص وكثيراً ما أتعرض لمقالب فيما أشتريه أتحملها عن طيب خاطر فهي أفضل كثيراً من أن أقضي يومين مثلاً لشراء قميص، والصبر النسائي على الشراء يصيبني بالضجر الشديد وأتصور أنني لو تزوجت امرأة من هذا النوع - وهو أمر مستبعد - فسأطلقها في الشارع يوم الـ Shopping!
    سأطبق نفس المبدأ مع فرق بسيط؛ في العادة أفضل تفويض أحد الأشخاص لإنجاز ما في رأسي أما الطبيب فسأعطيه رأسي نفسها! أقص عليه ما يحصل ويحلل هو بدلاً مني وفي كل الأحوال سيكون الكلام معه مريحاً، صديق بالأجر كما كان الراحل الفنان أحمد زكي يقول..
    ---
    ثم سأشتري الأعمال الكاملة لنزار قباني من دار الشروق ولفيروز عن طريق موقعها الإلكتروني الرسمي..
    ---
    بعد هذا سأشتري موتوسيكل!
    هي مسألة ملحة جداً، ومن الممكن تدبيرها الآن - موتوسيكلات صيني - ولكن تواجهها بعض العقبات حيث لا أستطيع قيادة الدراجات البخارية لأنني لا أعرف أصلاً قيادة الدراجة العادية، والعقبة هنا أن أجد من يعلمني وليست لدي مشكلة خجل من التعلم على كبر. الخوذة مشكلة سخيفة سأضطر معها إلى قص شعري بشكل دائم ولكنني سأضحي!
    (شعري هيكون منعكش على طول، وصحيح شكلي ساعتها بيبقى زي القمر بس مع الأسف قواعد الالتزام في الشغل تمنع الحكاية دي فبدل ما أوجع نافوخي في تسريحه كل شوية ححلقه أقرع!)
    يبقى أمر واحد وهو عدم التناسب بين الرداء الرسمي وركوب الموتوسيكل، لست معنياً بنظرة الناس السلبية للأمر (تبقى راجل محترم ولابس بدلة وراكب موتوسيكل؟!) وإنما مصروفات التنظيف الحالية تقطم وسطي فلو ركبته ستتضاعف خمس مرات على الأقل لأن تراب الدنيا والآخرة سيجتمع على وجهي وملابسي فضلاً عن التعرض المباشر لعوادم السيارات في الإشارات، ومادامت الأموال ستكون متوفرة، على عهدة السائل، فسأتخذ الخطوة بشجاعة الرجال!
    ---
    بعد هذا، وبمجرد انتهاء الفصل الدراسي الحالي والنجاح في الامتحان سألتحق بالدراسات الموسيقية الحرة بمعهد الموسيقى العربية وسأتخذ خطوات جادة مثابرة لتعلم العود وإتقانه، ولو كانت الأموال كثيرة لهذه الدرجة فسأبحث عن مدرسة رقص وأتعلم كل الرقصات التي أستطيع..
    حموت وأتعلم رقص؛ من المفارقات الغريبة أنني لا أحرص أبداً في متابعة التلفزيون إلا على برنامجين: "مع هيكل" و"So you think you can dance"!
    ***
    2- ألا تنوي الزواج والإنجاب إذاً؛ أليس من الأجدى أن تجمع تلك الأموال بدلاً من بعزقتها على تلك الصغائر لتفتح بيتاً وتكون أسرة؟!
    تملصت من الشق الأول، لأنه يحمل اصطداماً مباشراً بمؤسسة الزواج وانتقاد الأديان، وأجبت الثاني إجابته الحقيقية المحسومة غير القابلة للمراجعة؛ فلو افترضنا أنني الآن متزوج فعلاً فلن أقترف الإنجاب لأن له شروط غير متوفرة..
    إنجاب طفل شيء جميل يحقق لي منفعة مباشرة بالاستمتاع بتربيته واللعب معه وما إلى ذلك من أمور، ولكن الالتفات إليها وحدها بغض النظر عن العوامل الأخرى متعللاً بخرافة سنة الحياة هو الأنانية بعينها..
    هذا الطفل، ذكراً أو أنثى، سيأتي إلى الدنيا وأغلب الظن أنني سأموت وأتركه في مرحلة ما قد تكون قريبة أو بعيدة ولابد أن أوفر له الظروف الكفيلة بحياة سعيدة يصنعها بنفسه..
    ليست فزورة؛ سيصنع هو حياته بنفسه، ولكن ليفعل هذا لابد أن يكون طريقه ممهداً، بمعنى آخر لا يواجه عقبات وعوامل معطلة يفني شبابه كله في محاولة تخطيها أولاً ولو نجح يبدأ حياته بشكل طبيعي إن استطاع تجاوز التشوهات التي ستخلفها مرحلة التخطي. هذا التمهيد هو مهمتي أنا..
    وللتلخيص لابد أن أضمن، بنسبة 100%، شيئين أساسيين:
    - أنه لن يولد ومعه أية مشكلة صحية من أي نوع، لن يرث مني خلل الرؤية ولن يؤدي اجتماعي وأمه أمراضاً وراثية أو حتى ترجيحاً لها في مستقبله. بغير هذا الضمان لا إنجاب أصلاً.
    - أن مستقبله يعتمد فقط على جهده الشخصي وقدرته على العمل والفهم - ولو كانت عوامل الوراثة مني مؤثرة في هذا فهي مضمونة - ولا يبقى إلا التعليم الذي سأوفره له. هذا بلد الأغنياء وحدهم، ولهؤلاء تعليمهم الخاص وغيرهم مصيرهم إلى البطالة أو الاقتتال - بالمعنى الحرفي أحياناً - على فتات موائد السادة أصحاب الحظوة، الحمير عادة. وهذا يترجم عملياً إلى ضرورة توفر أموال كفيلة بإدخاله إحدى تلك المدارس المعدودة في مصر ثم الجامعة الأمريكية أو الإنجليزية أو الألمانية في المستقبل، وبالنظر إلى التوقعات المنطقية لدخلي في السنوات الست القادمة - قبل دخوله المدرسة - فهو دخل يكفيني بالكاد لأوفر ترفيهاً منقوصاً على حساب المأكل والمشرب والملبس، وبالتالي لا محل الآن لمثل هذا التفكير الأخرق بأن أنجب أطفالاً..
    (إلا لو طلع لي عم عايش في البرازيل، خلفه جدي من ست رابعة غير التلاتة اللي أعرف إنه اتجوزهم واحدة منهم تبقى ستي، وكان عمي ده ملياردير ومجنون زي حالاتي وكتب لي كل ثروته بعد ما عرف إني ابن أخوه عن طريق الاتصال الروحاني!)
    أية مغامرة غير واردة وأي غيبيات في الموضوع لا محل لها..
    ثم الأهم من هذا كله.. هل أنجب طفلاً في مصر؟!
    هل من العدل أن أحكم على إنسان أن يعيش في هذا البلد؛ خطر الحرب الأهلية ماثل في الأفق. المسيحيون، وهم دائماً أهدأ وأكثر عقلانية، باتوا يسافرون من مختلف البلاد لحضور عظة الأحد لسماع رجل دين وسؤاله الفتوى في أمور الحياة والمسلمون يمنعون المسيحيين من الصلاة والاشتباكات تختفي ثم تظهر بحدة أعلى وشركاء الوطن يسمون الآن "النصارى"..
    أنجب إنساناً ليقتل أم ليُقتل؟ ربما لو وجدت عملاً في دولة أخرى أهاجر إليها نهائياً لفكرت في المسألة.
    ***
    3- كيف تذهب إلى أغلى Gym في مصر لتشترك به وأنت ترتدي تلك البدلة؟
    (كنت بالكافيتيريا يوم الأحد في الاستراحة أشرح لصديقة، استفسرت عن عدم مغادرتي مكتبي طوال اليوم على عكس حركتي المعتادة، أثر الهبوط الذي تعرضت له يوم السبت لأنني خالفت تعليمات غرفة البخار Steam واستحممت بماء ساخن إلى النهاية دون التعرض للماء البارد، فتدخل متربص كان ينصت من مقعده أقصى المكان)
    أجبته: البدلة رخيصة فعلاً ولا تتسم بالأناقة. اشتريتها من شارع طلعت حرب. وانتا جاي من عند المجمع كدة على اليمين ورايح ع الميدان ناحية مكتبة الشروق، هتعدي المكتبة والميدان وتكمل على الرصيف باتجاه سينما "مترو"، هتلاقي واحد طلعلك من تحت باطك كدة يقولك: "بدلة يا أستاذ.. بدل بسعر المصنع" هي الناس دي. بميتين وتمانين جنيه فضلة خيرك!
    على أول الشارع محلات فاخرة والواحدة هناك تصل إلى أربعة أضعاف هذا المبلغ، وهناك ما هو أغلى وأفضل، ولكن السؤال هو لماذا أصلاً أستبدل الجودة في صالة اللياقة البدنية بالجودة في البدلة. يا سائلي، التمارين الرياضية أمارسها بعد ما أقلع، أي أن فائدتها خالصة لي من دون الناس، أما البدلة فأنا لها كاره من الأساس أرتديها تقيداً بلوائح المكان ومن ثم لابد أن تكون بأقل تكلفة ممكنة ولا يزيد مستواها إلا بعد إشباع كل الأمور المفتقرة إلى تلبية، ليست المسألة مقارنة بين رأيك وبين النفع العائد علي؛ فأنت - كرمز لعموم البشر - خارج المعادلة أصلاً.
    ***
    4- زميل فاضل يسأل بحنو: ليه يا بني بتشرب الشاي والقهوة من غير سكر.. في حاجة؟
    (يقصد أنني ممنوع عنه لمرض ما كالسكري)
    أجبته: أبداً، ألزمت نفسي بالأمر وبت معتاداً عليه لا تكتمل متعة المشروب إن خالطته ذرة سكر، فضلاً عن أنني سمعت ذات مرة من أحد الأطباء أن البنكرياس مهيأ أكثر للتعامل مع السكر حين يأتيه بشكل غير مباشر، وحتى لو كنت فهمت خطأ أو المعلومة نفسها غير صحيحة فالامتناع الآن عن السكر سيريحني لو منعه طبيب في يوم ما..
    سأل مجدداً، وقد اشتد جزعه: انتا ليه بتفكر كدة في السن ده؟
    أجبته: عايز أموت وأنا واقف على رجلي.
    ***
    5- لماذا لا تصلي أيها الأزهري يا من حفظ القرآن يوماً؟!
    قلت كلاماً فارغاً من عينة إن شاء الله، ولما ربنا يأذن وربنا يسهل الخ الخ الخ..
    بدأ الغم والنكد! سيشتد الإلحاح من اليوم وسأجد كل الناس، بالذات المتربصين الذين لا يجدون شيئاً يتشبثون به لتوبيخي، قد أشبعوني تقريعاً دون مقدرة من جانبي على تعريتهم، والقلة المخلصة التي تتكلم بود أقدره تماماً - الخوف علي من النار وفق منظورها - تتحدث بطيبة وعفوية ولكن أغلب التصرفات التي تسمم الحياة تصدر بطيبة وعفوية!
    عرفت من أحد الزملاء أن هناك فرص للهجرة إلى كندا؛ الضواحي الفرنسية أقرب في المدة وهذا يستلزم تسكين اللغة الفرنسية في جدول الدورات التدريبية التي أخطط لها خلال الشهور القادمة.
    avatar
    لوليتا
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    انثى عدد الرسائل : 25
    العمر : 31
    مكان الإقامة : syria
    تاريخ التسجيل : 13/11/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف لوليتا في السبت نوفمبر 29, 2008 1:50 am

    جميل صديقي وصيف
    شجعتني على كتابة مذكراتي ولكن حتما لن تكون كتابتي بمستوى ما تكتب ، ثم حتما لن أدع أحدا أقرأها إلا أنا ..وهو..
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت نوفمبر 29, 2008 1:55 pm

    رائع ان ينال ما أكتبه إعجابك صديقتي الجميلة..

    اكتبي، ودعيه يقرأ، ولتكن حياتك حلماً هنيئاً ممتداً..

    كل التحية.
    avatar
    فرح
    مشرف عام

    انثى عدد الرسائل : 135
    العمر : 33
    مكان الإقامة : salamieh
    تاريخ التسجيل : 19/11/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف فرح في الأحد ديسمبر 07, 2008 2:54 am

    الوصيف

    تنثر أوراق عمرك في حديقة مقهانا وكأنك جمعت في كل ورقة عطر مميز وخاص لها

    فأتقنت الوصف والتعبير
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد ديسمبر 07, 2008 11:09 am

    يسعدني أن تتنسم "الفرحة" عطراً من تلك الأوراق الخريفية المتساقطة..

    لتكن حياتك فرح دائم..

    تحيتي.
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد ديسمبر 07, 2008 11:12 am

    السبت 6/12/2008..



    أشعر أن عدداً من الأيدي الصلبة تمسك رقبتي لتمنع عني الأكسجين!



    الوحدة مؤلمة أشد ما يكون الألم.. وبعيدة المنال جداً لا أستطيع الحصول عليها. الحلقة تضيق والأيام تمضي خانقة والناس تنفض واحداً بعد الآخر - حتى لأسباب خارجة عن الإرادة كالانتقال الجغرافي أو الموت . أحس فراغاً في أعماقي يقتلني..



    (هو كلام متضارب وحل غموضه سهل إلا أنني لست مستعداً الآن لبذل جهد في التوضيح)



    ---



    بعض المشكلات أعدها، على نحو ما، بسيطة لجهة اعتيادي عليها. فمثلاً أقرأ حالياً سيرة الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري باستمتاع كبير وفوق ما تثيره حياته وطريقة تفكيره في نفسي من إعجاب كبير إلا أنها تثير كذلك نقاطاً للاختلاف معه في منطلقاته الأساسية وبصفة خاصة طريقة وأسباب عودته إلى الإيمان. لدي أشياء أقولها أود كتابتها ونشرها وإغراء هذا الأمر لا يوصف (قمت بالرد على الكثير من الأطروحات الساذجة لمجرد الكلام والتسلية فما بالك بعملاق موسوعي الثقافة كالمسيري؟) إلا أن التنفيذ يتطلب جهداً ووقتاً لا أملك منه شيئاً وهذا يذكرني تلقائياً بما كان له أن يحدث لو سرت الأمور على طبيعتها ما يثير الحزن، إلا أن هذا النوع من المنغصات لم يعد يضايقني كما كان في السابق أيام سخونة الآلام وحداثتها..



    ---



    انعدام الأمن، في جانبه الاقتصادي، مشكلة أكثر أهمية..



    مثلاً أول أمس كنت قد أعددت ما يشبه جدول التدفقات النقدية المتوقعة Projected Cash Flow Statement لعام 2009: كل ما أتوقع الحصول عليه من أموال مقابل ما سأضطر إلى إنفاقه، وعدت إلى المنزل شبه مطمئن إلى أن الوضع قد يكون تحت السيطرة - لا أعلم بعد كم سأتقاضى بالضبط حين أتم التعاقد مع المؤسسة التي أعمل بها الآن وهذا المبلغ الشهري المجهول هو أهم عناصر مصادر الأموال في القائمة - وحين عدت إلى المنزل فتحت الحاسوب لتفاجئني الشاشة أنها انتقلت إلى رحمة الله وغنت لي أغنية محمد فؤاد بودعك آخر وداع.. آخر وداع بودعك!



    سحبت من حسابي المتواضع المبلغ المطلوب واشتريت واحدة بالأمس لأقع في حيص بيص جديد. وبمناسبة الحساب البنكي فمن المفارقات المضحكة أنني الآن، وأنا اليساري التقدمي، أخاف خوفاً شديداً أن يمتد تأثير الأزمة العالمية إلى البنك الأجنبي الذي يضمن لي وثيقة التأمين التي اشتريتها أو إلى الشركة العالمية مصدرة الوثيقة نفسها فيفلسان ونظراً لأنه لا يوجد نص قانوني في مصر يلزم البنك المركزي بضمان الودائع فسآخذ أنا صابونة!



    الأهم من خسارة الأقساط التي دفعتها فعلاً من لحمي الحي أو ضياع ودائع الحساب هو رجوع العبء الذي تصورت أنني أزحته من فوق صدري بتأمين مدخرات لمواجهة الشيخوخة ومصروفات الرعاية الطبية حين أتقاعد ليجثم فوقه من جديد. سيكون علي أن أبحث عن وسيلة ادخار جديدة مع دفع مبلغ أعلى كل شهر لمواجهة الفرق الكبير بين العائد هنا وهناك (Time value of money) وسأدخل في مشكلة جديدة..



    ---



    كذلك رغبتي البسيطة الإنسانية التي لا تعد، أو لا ينبغي لها أن تكون، حلماً أبداً: منزل خاص أستطيع إغلاق بابه على نفسي وأمكث مطمئناً ألا أحد يراني. أحتاج مبلغاً عبيطاً من المال سيصرف أضعافه بعض الناس يعملون في نفس تخصصي ولا يفهمونه قدر عشر فهمي وإتقاني له في أجازة عيد الأضحى التي سيقضونها في تركيا أو تايلاند..



    لن أسترسل في تلك النقطة المهببة فقد غلبني الضحك حالاً وأنا أتصور نفسي أصرخ مذهولاً كزكي رستم في فيلم "امرأة في الطريق": معاكيش خمسين قرش.. خمسين قرش!



    الأنكى هنا أن هناك من العوامل الموضوعية ما يعوق المسألة بفرض حل أزمة السيولة. أشعر أن هناك تنيناً خرافياً ينفث في وجهي ألسنة لهب حارقة وأنا أهرب منه بمهارة إلا أنه مطمئن تماماً إلى الوصول إلي يدندن أغنية حسن الأسمر مش حسيبك.. مش حسيبك، لو في آخر الدنيا حجيبك!



    ---



    على المستوى الإنساني هناك مشكلة هي الأشد إيلاماً أهرب منها منذ بدأت الكتابة اليوم إلا أن الاعتراف بها ضروري. هي عندي أنا لا الآخرين: الضغوط المتراكمة تفقدني شيئاً فشيئاً القدرة على تحمل الغير..



    شخص ما أتواصل معه تضايقني تصرفاته أو تسير على نحو لا أرضى عنه وأنا أفهم تماماً الدوافع التي تشكل سلوكه على هذا النحو وصعوبة تحوله إلى ما أرغب...



    (من المرعب حقاً أن تجد نفسك تعلم كيف يتصرف كل من تحتك به وكيف يفكر وفيم يفكر وأن تستنتج العلاقات السرية بين الناس من النظرات وأن يقر لك الجميع بتلك المسألة. هو عبء شديد على العقل أظن أن من يعتقد أغلب الناس في كونه متحملاً له يعاني آلاماً رهيبة في مقره ويود التخلص منها)



    هذا الشخص المشار إليه لابد له من بذل جهود لا يستطيع تحملها ليرضيني، ولذا لا يبذلها متوقعاً مني أن أبذل أنا الجهد الأقل - من وجهة نظره - بقبوله كما هو أو التنازل المشترك ليتم اللقاء في منتصف الطريق في مقابل المنافع التي سأتلقاها من التواصل. الحاصل أن هذا التنازل لم يعد بسيطاً لأنه يتطلب تحملاً أصبح، مع التراكم، في منتهى الصعوبة..



    مثال بسيط وطريف: فتاة في العمل ظريفة وتكن نحوي مشاعر إيجابية، ولكنها كالفتيات الشرقيات لا تبادر بالتعبير عن مشاعرها؛ فبدلاً من مهاجمتي لتلقي الجاكت وتدعوني باستخدام رابطة العنق لمطارحتها الهوى على أقرب مكتب تستغرق في إرسال إشارات تجعلها واضحة مرة وغامضة أخرى وعكسية في معناها ثالثة وأنا أتلقى الأمر ضاحكاً وساخراً رافضاً التحمل والاستجابة دون ضيق لأنني أعرف كونه غير قابل للاكتمال لأسباب أشرت إليها من قبل..



    ولكن حين يكون هذا الشخص مقيماً معك في نفس المنزل ومضطر أنت إلى التعامل معه بشكل مستمر يصبح فقدان القدرة على التحمل أو التنازل أمراً قاتلاً (خاصة وأنت تعرف داخلك كيف أن هذا الشخص هو الآخر مسكين مثلك وربما أكثر وأنه هو الآخر غير قادر على التحمل) وتجد نفسك، أمام عقلك ورغباتك وضميرك ومعطيات الواقع، عاجزاً لا تعرف ماذا تفعل ولا تملك غير الحنق..



    بالأمس كانت حالتي غريبة: كم مفزع من الغضب، أتحرك على غير هدى في الشقة ولا أعرف ماذا أفعل. بداخلي من يدفعني لارتكاب جريمة وآخر يمنعني، وهناك من يدفعني لخبط رأسي في الحائط فينبري المانع بإبلاغي أن تلك حماقة لن تحل المشكلة ولكنها فقط ستصيبني بارتجاج في المخ أو صداع على الأقل. طيب أروح أعيش في حتة تانية يرد علي هذا السمج: مفيش فلوس، طب أروح أبات عند واحد صاحبي، يبلغني ببرود أن أصدقائي لا تسمح علاقتي بأي منهم بمثل هذا الطلب، فيمتد غضبي إلى هذا العقل الذي لا ينام متمنياً أن أستخرجه من رأسي وأضعه على الأرض وأدوس عليه بالجزمة، إلا أنني أعتقد أنه لن يسكت أيضاً وسيظل ينعتني بالهبل وأنا أسحقه!



    (الجزء الأخير مقتبس من فيلم "صغيرة على الحب" للسندريلا من مشهد للمخرج والممثل الجميل الراحل نور الدمرداش.. مراعاة لحقوق الملكية الفكرية!)



    لابد من وسيلة ما للهروب ولو بشكل مؤقت؛ المتدين يلجأ للغيبيات فهو يقتنع أن فرجاً ما لابد سيأتيه بشكل أو بآخر وإن لم يحصل هذا فيعتقد أن آلامه تكفير لخطاياه وسيلاقي حسن الجزاء بشكل ما في الآخرة، وفئة أخرى أكثر مادية وتعجلاً - بغض النظر عن موقفها من العقيدة - تهرب إلى مادة مخدرة تمنحها سعادة معينة لفترة تمدها ببعض التحمل. فكرت في اللجوء إلى كلا الأمرين ولم أجد أحدهما يناسبني لأسباب وضحت بعضها هنا ولم أوضح بقيتها..



    في الوقت الحالي أقوم بإلهاء عقلي عن طريق شغله بعشرات المهام في نفس الوقت استغلالاً لقدرتي على التعامل مع تلك المواقف بكفاءة. أضحيت أكره الفراغ والأجازات - كأجازة العيد التي بدأت منذ الأمس - وحتى لحظات الأكل دون قراءة شيء ما لأنها تحمل داخلها ثغرة سيفلت منها عقلي ويفكر فيما لا أود له أن يفكر فيه. أو بمعنى أدق سيفعل هذا بحرية أكبر لأن جهودي أصلاً غير ناجحة تماماً!



    خارج دائرة الهم الشخصي:



    بدأت أفلام العيد وكعادتها تافهة وسطحية وبلا أي قيمة. المقارنة جريمة بين فيلم كـ "حبيبي نائماً" مثلاً، وقد يحقق إيرادات عالية جداً، وفيلم "جنينة الأسماك" الذي شاهدته على الحاسب منذ أيام ولم يحقق إيرادات البتة! حتى هذه اللحظة أنا مذهول من تلك التحفة الغريبة ليسري نصر الله ولا يترك رأسي أينما مضيت..



    أرى شيئاً سيفهم بعد خمس عقود من الآن. الفيلم يرتكب، من الناحية النظرية، حماقة قطع الإيهام وتذكير المتلقي بأن ما يشاهده مجرد فيلم وأن هؤلاء ممثلين بأن يتوقف العرض بين الحين والآخر ليتكلم الممثل - بشخصه - عن الدور الذي يؤديه ثم يعود التمثيل من جديد، ولكن العجيب أن الاستغراق مع الفيلم لا ينقطع وشعوري بأنه داخلي ممتد حتى الآن لأن موضوع الفيلم أصلاً هو "داخلي" هذا وداخل كل إنسان.. هو باختصار فيلم عبقري لمخرج عبقري.



    ---



    كنت ذاهباً لألبي نداء الطبيعة فمررت بالتلفزيون وبه مباراة للأهلي فاستوقفني - من خلال مربع الوقت والنتيجة - أن الأهلي متعادل رغم أن المباراة على وشك الانتهاء وكذلك حماسة المعلق الشديدة وهو يتحدث عن بطولة العالم للأندية باليابان بعد أيام وكيف أنه يتمنى أن ينجح الأهلي في الفوز بها على حساب مانشيستر يونايتد الإنجليزي وأنه يعتقد أن هذا ممكن التحقيق لهذا الفريق الذي يعاني مشاكل ضخمة مع طلائع الشرطة وإنبي وغزل المحلة.. شعرت بامتنان شديد لأنني ضحكت من قلبي على هذا المذيع الأهبل وهذا الشعب الأهبل الذي يعتقد أن فريقه هو أفضل فريق في العالم!



    ---



    مسلسل "عصي الدمع" يعاد من جديد وهذا خبر رائع، واكتشفت أن المخرج المنفذ فيه هو العبقري المثنى صبح الذي أستقل مخرجاً فيما بعد. المشكلة أن موعد البث الأول والإعادة الثانية لا يلائمان ظروفي - بعد انتهاء الأجازة. كذلك مسلسل جديد اسمه "الاجتياح" يبشرني بخير كثير خاصة ومخرجه هو شوقي الماجري ويتحدث عن القضية الفلسطينية..



    حين تقول اليوم دراما عربية فهذا يعني سوريا. مشكلتي معها هي الالتزام بموعد محدد للمشاهدة وهو أمر صعب وآخر تجاربي مع "ليس سراباً " كانت متعبة للغاية؛ كنت أجبر نفسي على الاستيقاظ لأتابع إعادة الواحدة بعد منتصف الليل وحين يغلبني النوم في منتصف الحلقة لثوان يضيع فيها مشهد هام يفسد مزاجي لأيام وأتحرق الآن لمشاهدة العمل ثانية. المسلسلات تباع حالياً على اسطوانات مدمجة ولكنها فقط مصرية ولو حدث في المستقبل ودخلت السورية إلى تلك الحلبة فستدخل مسلسلات من عينة "باب الحارة" لأسباب تجارية ويضيع أمثالي كالعادة!



    ---



    كنت رايح الجيمانزيوم وبدعبس في الهدوم لقيت بنطلون هايل أوي..



    "أما أنا حمار صحيح" هكذا وبخت نفسي على عدم ارتدائي له وسألتها لماذا إهماله وقررت تصحيح الأوضاع ولبسته ونزلت. تذكرت في الشارع السبب الذي دعاني لتركه في الماضي حيث أن السوستة بتاعته بتفك لوحدها ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة التي اكتشفتها في الطريق العام فقد ضاعف من درجة حرارة الأزمة إني مش لابس أي حاجة تحت البنطلون!



    رحت أعيدها إلى مكانها بكلتا يدي كالخارج لتوه من مراحيض عمومي مرة كل نصف دقيقة وتمنيت بعمق ألا أصادف في طريقي تمرد نهد ولا نداء خصر!
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الإثنين ديسمبر 15, 2008 5:08 am

    الأحد 14/12/2008..
    تقلب غريب في الحالة المزاجية..
    الخميس الماضي كنت سعيداً للغاية، مررت بيومين سيئين بعده، حافلين بجلسات حديث مقيتة وأحلام مؤلمة..
    هي ليست كوابيس كالمعتادة في حكايات الناس: يكون الواحد قصيراً ومفزعاً يغلب عليه الطابع الخرافي كأن يظهر وحش أو مسخ بشع أو أطراف بشرية طائرة أو ما شابه. هذا النمط من الأحلام لا يزورني إطلاقاً - ربما لتفكيري العلمي المنطقي الرافض للخزعبلات!
    في المقابل تكون أحلامي طويلة كفيلم سينمائي، مترابطة تماماً وواقعية جداً تنعكس فيها مشاعري ومخاوفي وآلامي بمنتهى الوضوح (لا أذكر في حياتي كلها حلماً جميلاً رأيته فيما يرى النائم!). ما أخشى قوله أو تخيله بيني وبين نفسي يظهر على هيئة مشاهد وأحداث. من المسائل الغريبة أنني، وأنا نائم، أعرف على نحو غامض أن ما أراه ليس حقيقياً وأنني سأستيقظ وما أشاهده هو حلم..
    (ربما لا أستطيع وصف الأمر إلا أنه حقيقي)
    حالة من الإحباط العام واليأس اكتسحتني منذ فجر الجمعة ومنعت عني المذاكرة والنوم أو حتى عرض ما كتبته في الصباح بلغة - رغم الاتزان العام - ساخرة، سعيدة، مرحة..
    لا بأس من عرضه الآن، ربما هو التماس لحالة من الرضا أفتقدها الآن من خلال الكلمات..
    ---
    الخميس 11/12/2008..
    رحت الشغل في العيد!
    في نمط المؤسسات الذي أعمل به (جهات سيادية عليا!) هذا معتاد. زملائي من أتى منهم يشعر بأسى وتبرم والبقية استغلت رصيد أجازاتها وأكملت الأسبوع. ليس لدي بعد رصيد أجازات - لعدم مرور ستة أشهر على التحاقي بالعمل - إلا أنني لا أشعر بأي ضيق وعلى العكس في منتهى السعادة..
    الشوارع خالية، وفي الميكروباص جلست مرتاحاً لا يستند أحدهم على كتفي أو يتحف قفايا بأنفاسه أو نجلس في تقابل مع ضبط وضعية أقدامنا على هيئة عاشق ومعشوق فأبقى محاصراً محني الظهر غير قادر على الحركة!
    ما أجمل ميدان التحرير! هذا الميدان الذي أعشقه قبل الفجر رائع المنظر في صباح أيام الأعياد: الإسفلت نظيف يعكس أشعة رقيقة لشمس الخريف، أجمل فصول السنة، وطفلان يلعبان بالبالونات وهما في الطريق مع أبيهما إلى نزهة ولا تمر سيارة إلا كل دقيقتين. راودني إحساس أنني جزء من أحد مشاهد أفلام الأربعينات حين تصور شوارع القاهرة!
    وبما أن حالتي النفسية جيدة جداً اليوم، وأنني جديد هنا، وهؤلاء المفترض فيهم أن يعلمونني وأسألهم حين تستوقفني مسألة غير متواجدين فأنا صايع نسبياً وأمامي متسع من الوقت. عنت لي الفذلكة وسأحلل نفسي نفسياً شوية!
    ***
    أنا شخص متسرع وأستخدم تعبيرات مبالغة لوصف مشاعري!
    تلك حقيقة قديمة أحاول تغييرها من قديم. هناك ترابط بين الصفتين ولكن لا بأس من تناول كل واحدة بمفردها لأغراض التحليل..
    (1)
    التسرع المقصود له مجال محدد وهو المواقف التي تتطلب رد فعل مباشر وفوري كاستجابة لمؤثر مباغت. لا أعاني مشكلات في اتخاذ القرارات المصيرية والهامة لأنها مسبوقة، عادة، بفترة للتروي والتفكير، وإنما في التواصل المباشر مع الناس: موقف ما لابد أن أبدي تجاهه رد فعل لحظي؛ من المشاهد المعتادة جلوسي وحيداً بعده أوبخ نفسي وقد وضعت كل البدائل التي كانت تكفل نتائج أفضل بخلاف ما بدر مني..
    (يمثل التواصل مع الناس عبر الانترنت - في المنتديات حيث لا أستخدم الـ Chatting إلا نادراً عن اضطرار - استثناءاً لتلك القاعدة؛ لطبيعة وسيلة الاتصال التي تكفل فجوة زمنية تتيح التروي فضلاً عن ميزة الكتابة من خلف الشاشة ولوحة المفاتيح وهذا مريح أكثر من المواجهة المباشرة)
    ---
    نستطيع أن نقسم تلك المشكلة إلى ظاهرتين أساسيتين: الإحجام عن اتخاذ رد فعل مناسب، والمبالغة فيه عند اتخاذه..
    الأولى حالة لها أسباب متعددة أبرزها ضعف الثقة في رد الفعل كأن يحضرني تعليق ظريف على موقف ما فأمتنع عن إبداءه خشية اعتباره سخيفاً أو لا يليق، أو فتاة أود الكلام معها فتأتي الفرصة بغتة وأتهرب منها..
    (مع تحقيق نجاح ما، أشعر معه بسعادة وثقة في النفس، يتبدل الوضع تماماً كما أشرت هنا مرات وما يمنحني بعض التفاؤل أن ردود الأفعال - التي أخاف منها وأحجم عن التواصل مع الناس بسببها حال الاكتئاب - تكون أكثر من إيجابية)
    من مسببات هذا الضعف في الثقة، كعقدة عميقة، ما تركته مشكلة عيني من أثر، فكنت بسببها لا أواجه أي شخص بالنظرات وأنا أحدثه ولو أصر هو/هي أصاب بارتباك وضيق وأفتعل أي سبب لإنهاء المحادثة. النظارة الطبية الحالية تغلبت على جزء كبير من المشكلة إلا أن الرواسب موجودة..
    للإجمال: لا أبادر بحرية إلا لحظات سعادتي، وهي نادرة، وكذلك حين يتخذ الآخر خطوات تؤكد لي تماماً رد فعله الإيجابي دون لبس، ساعتها يتحرر وصيف من طبقة الوقار والصمت الكثيفة التي أخفي وراءها طاقة حبيسة للحب والفرح.
    هو على العموم قصور في شخصيتي أعمل على تلافيه والسبيل واضح بناء على ما سبق: خلق أسباب السعادة، وما أصعبه من سبيل!
    ---
    أما الثانية فمنشأها حساسية معينة تجاه بعض الأشخاص أو الموضوعات. خلفية مؤلمة تجعل أي إضافة جديدة - مهما كانت بسيطة في ذاتها - تذكيراً بالسبب التاريخي للضيق فيأتي رد الفعل على غير تناسب مع ما حصل ثم أتمنى، بعد انفرادي بنفسي، أن الأمور لم تصل إلى هذا الحد وهي حالة منطبقة تماماً على أغلب الخلافات والأوقات السيئة في المنزل مع الأسرة..
    (2)
    أفرح بعمق لا يتناسب مع الحدث وعلى نفس الكيفية أتضايق وأعبر عن الأمر بشكل متطرف جداً ويدوم هذا لوقت قصير أراجع نفسي بعده عن طريق تحليل عقلاني فأخرج بنتائج مختلفة تماماً. حتى وجوه الناس أراها على غير حقيقتها في الانطباع الأول ومع الوقت أكتشف ملامحهم..
    تلك المسألة لا تؤرقني، أو أنها تؤرقني ولا أتحمس لمراقبتها ومقاومتها فهي، مع أمور بسيطة أخرى، ما تبقى من طفل داخلي لا أود له الموت..
    ---
    من الأمثلة الحديثة تقييمي المتسرع لأفلام العيد..
    منذ أيام قليلة شاهدت إعلان فيلم اسمه "حبيبي نائماً" دون أن أعرف شيئاً عن بقية الأفلام ولما أصابني الاستياء مع مفارقة المقارنة مع "جنينة الأسماك" (الذي كبحت انفعالي بأعجوبة حتى لا أصفه - كما أصف كل ما يعجبني - بأنه أجمل فيلم شاهدته في حياتي!) وجدتني أصب اللعنات على أفلام العيد بشكل عام وأنعتها، بشكل مطلق، بالسطحية والتفاهة وهذا غير دقيق..
    الأحد الماضي، يوم الوقفة، وفي طقس مسبب للسهر حتى الصباح رأيت أفيش فيلم "الوعد" ولما كان المؤلف هو وحيد حامد وبين الأبطال محمود ياسين وأحمد عزمي وباسم سمرة فقد دخلته و"تسليت" رغم سخافة مخالطة السوقة والدهماء! خلطة مثالية للعيد: مطاردات وقصة مشوقة وإيحاءات جنسية وفي نفس الوقت فكرة مش بطالة..
    (رائد هذه المدرسة في الوقت الحالي هو المخرج خالد يوسف: حديك يا منتج اللي انتا عاوزه وحقول أنا كمان حاجة، وأنجح هذه الأفلام كان "حين ميسرة" وكان فيلم عيد بالمناسبة. أنتظر بفارغ الصبر فيلمه القادم؛ أعتقد أن فكرته ستكون جيدة كما أن بطلته هي هيفاء وهبي!)
    كذلك فيلم "بلطية العايمة" من قصة الكاتب الجميل بلال فضل شاهدت إعلانه وأظنه جيداً (رغم أن موضوع الفيلم - وأغلب أبطاله - يذكر فوراً بمسلسل "هيمة" الناجح جماهيرياً رمضان الماضي ما يرجح استغلال النجاح ومحاولة نقله من شاشة إلى أخرى وهو أمر مشروع على كل حال).
    حتى الأفلام الكوميدية الصرفة قد تكون ظريفة (أنا ضد اليساريين المتقعرين أعداء الابتسام!)، كفيلم محمد هنيدي من تأليف يوسف معاطي وهو كاتب موهوب خفيف الظل بغض النظر عن تقييمي لآرائه السياسية. مشكلة "الدادة دودي" أن تلك النوعية تعتمد بالأساس على الأطفال: ملامحهم الجميلة وخفة ظلهم، وأطفال الفيلم يفتقرون إلى الاثنين!
    الخلاصة: لابد أن أتفهم ظروف الناس، من الجيد أصلاً أن هناك من يغامر وينتج أفلاماً مثل "الغابة" و"جنينة الأسماك" ولا ينبغي أن أتوقع شيئاً كهذا في موسم العيد بالذات.
    ---
    مثال آخر هو الفرح الذي أقيم بشارعنا قبل يومين..
    كانت ليلة منيلة جداً، واحد قرر يتجوز، يعني راجل أهبل، وفرحان بالحكاية دي. كل ده كويس خالص لكن أنا مال أهلي؟! يبوظ حياتي ليه كدة؟ دي جريمة حرب!
    الصوت مرتفع بشكل ترتج معه الشبابيك وأرضية الشقة ومتولي أمر الـ D.J - ابن العاهرة - يختار أغنيات طليعية هادفة من عينة موشح تقول كلمات مذهبه بالحرف:
    زكي يا زكي يا زكي زكي يا زكي
    زكي يا زكي يا زكي زكي يا زكي
    زكي يا زكي يا زكي زكي يا زكي
    زكي يا زكي يا زكي
    فيرد على المطربة، رد السجون، الكورال ليتساءل تساؤل مشروع سأله كل الناس مع إطلاق شتائم مختلفة: هو مين زكي ده؟!
    فتعود لتكرر أوبرا "زكي" بحذافيرها وتغير بعد قليل الاسم إلى "علي": علي يا علي علي..... الخ!
    لقد باظت الليلة؛ لا مذاكرة ولا مشاهدة لفيلم ولا قراءة ولا نفع لشيء (كنت أسمع قبل اندلاع الحرب لينا شماميان!) رحت أقذف المخدات والبطاطين في الهواء وألعن الاشتراكية والماركسية وأتمنى بخاخة عملاقة بها مبيد سريع المفعول أنهي به تلك المهزلة! وبعد قليل حين هدأت رحت أحاول فهم هذا السلوك وانتقل تفكيري إلى جانب مختلف تماماً وهو التقاط كلمات الأغنيات - باستثناء زكي يا زكي طبعاً - ومحاولة ربطها بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والمعتقدات الدينية متجاوزاً عن علو الصوت..!
    ***
    أعاد لي الـ Gym ثقافتي الفيديو- كليباتية من جديد!
    أثناء الجري على الـ Cardio أشاهد على شاشته قناة للأغنيات المصورة مقاوماً إغراء CNN وهناك بعض الأغنيات الظريفة، والمحفزة على أداء التمارين الشاقة بعد الجري!
    (بتمثل لي حاجة كدة عاملة زي هداد الحيل بديل الجواز بتاع أحمد زكي - راجع فيلم "البيضة والحجر". المدرس قبل الانحراف: إذا غلا علي شيء تركته)
    في بنت مغنية اسمها قمر بتغني عن الواد القاسي الأناني. حاجة حلوة أوي ومع مشاهدة حركاتها يتجه العقل إلى نظرية المؤامرة لتفسير إيه هو ده اللي بشوية شطارة هيطلع فوق!
    (في حاجات مش محتاجة في الحقيقة نظرية مؤامرة زي الأغنية الملتزمة بتاعة دوللي شاهين، ومش هقول كلامها طبعاً لأنه كله أبيح!)
    في نفس الاتجاه تأتي أغنية لواحدة اسمها Pamela تقوم بدور بدوية في الصحراء تستبقي حبيبها ليمكث معها في الخيمة وينام معها (أغشك يعني.. هو كدة فعلاً) والحق يقال فهذا الحبيب حمار لأنه يود أن يمشي!
    بعيداً عن هذا النمط هناك أغنيات دمها خفيف كأغنية سامو زين، وأخرى لجو أشقر. في الأخيرة يتم التصوير في جو يشبه الريف الإسباني (مجرد تخيل.. يعني أنا عمري رحت إسبانيا؟!) وبعد عودته يقوم أصدقاء العريس بمساعدته في الاستحمام وكذلك تفعل صديقات العروس ويتم اللقاء بينهما في الزريبة بعد طرد الحيوانات والطيور!
    ***
    تطور نوعي في علاقتي مع الكلاب!
    لقد اضمحل إلى حد كبير خو.. أقصد عدم احترامي السابق لحضارة هوهو. بالأمس (الأربعاء) كنت عائداً إلى بيتنا في الثانية صباحاً والشوارع خالية والناس نيام أواجه لفحات رياح الشتاء بقميصي النص كم. وفي مدخل شارعنا فوجئت بسبع كلاب ينبحون بشكل جماعي ويتربصون بكلاب عدوة في الشارع اللي ورانا. انتهى الماضي؛ أكملت طريقي بمنتهى الثبات، رأسي مرفوعة، قامتي منتصبة أغني "يا سنيني اللي راح ترجعيلي" ماراً بينهم دونما اكتراث..
    (كاميرا تصورني من أعلى، ثم Zoom In وانتقال بين نظرات الهيبة على عيونهم ومنظر ختامي يجمع بين ابتسامتي الواثقة وإبراز عضلات الصدر!)
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة يناير 09, 2009 7:40 am



    الخميس 8/1/2009..




    أنهيت كتاباً رائعاً للدكتور جلال أمين هو "كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية"..




    المؤلف هو أحد هؤلاء التراثيون الجدد حسب تعبير د. المسيري. هي مجموعة لست مقتنعاً بالإطار العام لأفكارها إلا أن مخرجات جهودهم غاية في الأهمية..




    الاقتناع هو "رضوخ العقل لضرورات المصلحة"؛ تبعاً لظروفي وبيئتي وحياتي تتشكل احتياجاتي وتترجم إلى أفعال تشبعها ولابد من إطار فلسفي وأخلاقي ما يبرر لي تلك الأفعال أخلقه لنفسي اختلاقاً أو أصادفه عند آخر يشاركني إياه وصاغه على هيئة كلمات مكتوبة أو مسموعة أتلقاها فأقتنع..




    على سبيل المثال لا يمكن أن "أقتنع" أنا بأن غياب تكافؤ الفرص وتوريث التفاوت الطبقي، وهي أمور أعاني منها معاناة مستمرة منذ ولدت وحتى الآن، أشياء طبيعية أو ينبغي لها أن تحصل أو هي سيئة ولكن لا سبيل إلى حلها أو أنها تعود إلى حكمة الله... إلى آخر الحجج المختلفة التي يرددها المستفيدون من الأوضاع القائمة. الطبيعي جداً أن أجدها أوضاعاً معيبة وألا تجد أية فكرة يمينية طريقها إلى عقلي. سأعمله جاهداً للوصول إلى الصياغة الأكثر قدرة على تفسير الواقع وإصلاحه ولكنها ستظل محصورة في الإطار المحقق لمصلحتي. مثال آخر هو فكرتي عن الأخلاق وكيف أن عدم الإضرار بالغير هو أساسها الوحيد. صحيح أن جذورها فلسلفية وعقلية إلا أن الأكثر صحة أن أساس اعتقادي فيها هو إشباعها المباشر لحاجة ملحة عندي. وهكذا..




    فهم تلك الحقيقة مفيد إلى أبعد حد في قراءة وتحليل فكر الآخرين ومقارنة الأطروحات المتناقضة والمتصارعة من هذا المنظور لا للبحث عن وهم الصواب المطلق والنهائي، وإنما لضرب الأفكار بعضها ببعض وصولاً إلى إطار خاص جديد للمعتقدات، أقوى وأمتن من سابقه، يحقق المصلحة..




    بدلاً من التركيز على الدفاع عن الفكرة المقنعة الآن لإثبات صحتها بشتى السبل في مواجهة الأفكار المناهضة تحت "ظن" تمثيلها للقيم العليا، لابد أن أحررها من تلك القداسة وفهم أنها لا تمثل إلا أمنيات ومصالح واضعها وقد اقتنعت أنا بها لأن مساحة مشتركة تجمع بين حاجاتنا، أنا وهو، وجهده هذا ليس منزهاً عن الهنات من جهة كما أن مصالحنا ليست متطابقة وإن تقاربت. الأولى هنا من سماع رأي مؤيد لها يناقش تفصيلة ما - على أهمية ذلك - أن أطلع على رأي من دفعته مصلحته لمهاجمتها بمنتهى الشراسة وتوجيه كل قدراته العقلية لتفنيدها وإظهار عيوبها ومثالبها فيفتح أمامي أفقاً ونقاط بحث وتناقضات تحتاج إلى حل.




    تلك المجموعة، وفيها مفكرين رائعين منهم جلال أمين، تركز جهودها في تناول مثالب الحضارة الغربية التي أقتنع بالكثير من المرتكزات التي قامت عليها تحت ضغط عودة أفرادها إلى الإيمان بعد شك وإنكار. ولأنهم مثقفون عقلانيون سعوا إلى تبرير التعاليم غير الملائمة للعصر الحديث والتي وجدوا أنفسهم أمامها وجهاً لوجه، ولأن هذا غير ممكن لأمثالهم فالبديل - الفاسد منطقياً ولكن لا خيار لهم سواه - هو تشديد الهجوم على الحضارة الغربية ووضعها تحت المجهر للبحث والدرس ويكتشفون بالفعل ما يستحق الكثير من التأمل لا يدفع إلى تبني مواقفهم، ظاهرة الابتعاد عن العقلانية، وإنما بناء إطار جديد للحياة يختلف عن قص ولصق الفكر الغربي دون تفكير.




    ***




    في مسألة غزة يجد الخطاب الإعلامي المصري - للحكومة والإسلاميين - صداه بين عامة الناس بشكل مدمر ومؤسف بل وفي الحقيقة يبعث على النفور وكراهية الانتماء لهذا البلد الغريب!




    الفكرة الحكومية مبنية على أن مصر هي الدولة العربية الكبرى وأنها الشقيق الأكبر وأنها تقوم بدورها من هذا المنطلق ولكنها في الوقت نفسه غير متضررة فالموضوع لا يعنيها بشكل مباشر وإنما دورها دور "أخلاقي"..




    من هذه المقدمة تأتي النتيجة المنطقية وهي أن المساعدة تكون من الفائض وبما أن مصر لديها ما يكفيها من المشكلات والمصائب فما يحتاجه البيت يصبح حراماً على الجامع. فإذا أدخلنا في روع الناس أن هذا الشقيق ابن كلب ناكر للجميل لا يقدر حجم التضحيات الهائلة التي بذلت من أجله كما أنه يوقع نفسه في المشكلات رغم النصائح المتكررة فهو من ثم، وببساطة، لا يستحق المساعدة ومن الممكن تركه "يولع" بضمير مستريح.




    وفساد تلك الوجهة، المنتشرة، شديد الوضوح فمسألة فلسطين بالنسبة لمصر ليست مساعدة الشقيق وإنما الدفاع عن النفس بغض النظر عن أي انتماء للعروبة أو حتى للإنسانية كما أن مصر لم تقدم أي شيء للقضية الفلسطينية أصلاً وإنما كل ما قدمته كان لنفسها وخدمة أمنها القومي.




    ---




    البديل الآخر أقل انتشاراً وإن لم يقل فساداً، فخطاب الإسلاميين يركز على القضية الفلسطينية على أنها قضية دينية: حرب لنصرة المسلمين واستعادة المقدسات الإسلامية في فلسطين ومحاربة اليهود..




    وهو خطاب يضيع القضية ويحجمها فهو لا يتعارض مع مفهوم النظام في الصميم، فتلك نصرة أخوية وتلك نصرة أخوية والأمر في كلا الحالين لا يمس الأمن بشكل مباشر وإنما الأخ المصري متساو في درجة الأهمية التي يجب أن يوليها للموضوع مع الأخ الإندونيسي فكلاهما مسلم مهموم بنصرة أخيه المسلم واستعادة المقدسات. والنتيجة واحدة وهي أن المثل الشعبي العلماني "اللي يعوزه البيت يحرم ع الجامع" سيأخذ صياغة دينية فيصبح "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" وتظهر دعوات منطقية - أي مستقاة بشكل سليم من المقدمات الفاسدة - كذلك تقول أن الإصلاح يبدأ من النفس فلو كنا نتبع طريق الله لما عوقبنا بهذا الذل وأنه لا شيء بأيدينا إلا الابتهال إلى الله والدعاء بتشتيت شمل اليهود!




    (أغض النظر هنا عن حقيقة كيان العدو الصهيوني وخرافة يهوديته وحقيقة الصهيونية فكل حديثي منصب على الأثر المترتب على انتشار الخزعبلات)




    الأثر الأخطر لهذا المنحى من النظر أنه يجعل القضية هماً لطائفة دون أخرى ويزيد الأقطار العربية تمزيقاً أكثر مما هي عليه؛ فإذا كانت مشكلتك أيها الإسلامي هي محاربة اليهودي - يقول مسيحي - فتلك ليست مشكلتي أنا ولو كان تعاطفك مع الفلسطينيين لأنهم مسلمين فهو بالنسبة لي تعاطف إنساني بحت سأوجه المزيد منه إلى مسيحيين مضطهدين في العالم وبطبيعة الحال لن أكون مستعداً للتضحية في سبيله بالنفس أو المال كما لن أكون مستعداً للتضحية في سبيل ضحايا كارثة طبيعية في كمبوديا مثلاً.




    خراب وتخلف وحكام وكلاء للغرب يستفيدون ويعيشون على ضيق أفقنا!




    لا اعتراض عندي على "مصر أولاً" ولكنها تعني، في غير تفسير اللصوص وأهل الضلال، مصر أولاً ضد إسرائيل!




    ***




    من الطريف في عيد الميلاد المجيد للمسيحيين الشرقيين في مصر أنني لا أبعث فقط التهاني لأصدقائي وأحبائي المسيحيين وإنما أتلقاها أيضاً!




    رسائل قصيرة وبريد إلكتروني ومكالمات هاتفية كلها مبنية على ظن أنني مسيحي وأحد المكالمات كان من زميل في عملي القديم عاشرني لعام ونصف! لا أعمد إلى تصحيح المسألة أبداً فبخلاف أنني لن أستطيع التصحيح بشكل كامل فهو تصحيح غير هام أصلاً من وجهة نظري وفوق كل شيء تمنحني تلك اللحظات المبنية على سوء فهم بعض الأمل في انفراج قريب قائم على التسامح بعيداً عن ضيق الطائفية وبذور الكراهية القابلة للنمو أنها كذلك قابلة للموت.




    ***




    قمت بالخطوة الأهم والأخطر والأصعب في سعيي الحثيث لاعتلاء ظهر موتوسيكل: حلقت شعري عند الحلاق بالمكنة على رقم 2!




    مظهري أقرب لما وصفه فؤاد المهندس بأنه فضيحة المِطَّاهر يوم طلوعه ع المعاش!


    ]

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأربعاء يناير 28, 2009 6:57 am

    الثلاثاء 27/1/2009..
    رجل يملك مصنعاً في جمهورية التشيك، يقدم للسوق منتجين قادرين على تحقيق أكبر النجاحات. هو منظم بارع والعمالة شديدة المهارة والآلات هي الأحدث والأكثر إنتاجية، ولكن العمل متوقف إلى أجل غير مسمى فالمصنع يستلزم تشغيله الغاز الطبيعي وقد حرمت منه الدولة نظراً للخلافات بين روسيا وأوكرانيا..
    هذا بالضبط هو حالي!
    ---
    صاحب المصنع يهدف في النهاية إلى جني أقصى ربح ممكن. تقديم المنتجين في السوق مجرد وسيلة فقد يغير ما يصنعه في نفس المجال أو يغير النشاط كله ويتجه إلى أخر يدر عليه ربحاً أكبر. وأنا أبحث في النهاية عن السعادة - كما كل إنسان في الحقيقة - وأتخذ الوسائل إليها مطايا..
    تجد أشخاصاً كثر شكواهم أنهم لا يعرفون ماذا يريدون أصلاً وآخرون يعرف الواحد منهم مبتغاه ولكنه يجهل كيفية تحقيقه، أما أنا فأعلم بالضبط المرام، وأعرف إليه كيف السبيل لكن باباً على عتبته من دوني موصد!
    مثله أنا تماماً لدي منتجين اثنين، أي أنني أسعى لهدفين أعرف أنهما يشبعان حاجاتي الآن - والحاجات تتبدل مع الأيام وتبدل الظروف والأحوال - وهما النجاح في العمل وعلى المستوى الإنساني، بتخطي العائد منها التكلفة أحقق أنا صافي ربحي - NPAUI - من السعادة!
    ---
    الأول مطلب ضروري، فببساطة لا يمكن أن أفشل وأبرر لنفسي الأمر بأنني كنت سأنجح وأتفوق في المجال الفلاني الذي حرمت منه لظروف خارجة عن الإرادة. ما أطمح إليه أن أقول لها - وأنا الناجح البارز في مجالي ولو نسبياً: آه لو كنت التحقت بكذا لكان لي شأن آخر. تلك الأخيرة محتملة أما الأولى فلا..
    وقد وضعت خطة معينة لتحقيق هذا الأمر خلال السنوات الست القادمة، أي إلى بلوغي الثلاثين. وبدون تفاصيل مملة لا لزوم لها فإن المنحنى البياني لمسار حياتي العملية يسجل تقدماً مطرداً منذ بدأت تحت الصفر في الأزهر حتى وصلت إليه، أي الصفر، وبدأت أتقدم داخل المربع الأول. الهدف العام هو الحفاظ على التقدم فلا أسمح بتراجع وأن أحقق، من خلال خطة السنوات الست، ارتفاعاً ملحوظاً في معدله.
    ---
    أما المستوى الإنساني فعلى محورين، أولهما أن أستقل في معيشتي تماماً والثاني أن تنشأ علاقات ناجحة مع آخرين، بعبارة أخرى لابد أن يخرج من حياتي أناس، بمعنى الاتصال المباشر الدائم، ويدخل غيرهم عنهم بدلاً..
    (تحقيق هذا الهدف الثاني شديد الأهمية والارتباط بالأول؛ فالسنوات الست ستلتهمها الخطة بالكامل وبنهايتها سأصبح في العقد الرابع من عمري مودعاً مرحلة أخرى منه دون أن أستمتع بها - كما كل ما سبقها - وبعض الدفء الإنساني يمنحني تعويضاً ملائماً كما يدعم قدرتي على إنجاز الأول نفسه)
    العلاقات التي أقصدها مستوياتها متعددة أهمها الصداقة والحب: صداقة حقيقية غير عابرة أو تعتمد على جانب واحد سطحي من تبادل المنافع، وحب هو الدرجة الأعلى من اتصال أحتاجه مع المرأة..
    إلى أن أجد الحب، وهو أمر صعب لأسباب شبيهة جداً بتلك القاضية بصعوبة الحصول على الصداقة، أحتاج إلى نوع أدنى من الاتصال؛ أود ببساطة ممارسة الجنس، الآن دون إبطاء أو انتظار. من المواقف أحياناً ما ينبه إلى وضع أضحى خطيراً ولابد من حسمه وهو هنا تلك الحالة الغريبة التي أصبحت مكرهاً عليها. تضايقني وتلفت انتباه الآخرين دونما مقدرة مني على إيقافها: تمر فتاة أو امرأة أعرفها وأكن لها في الحقيقة كل احتقار وعلى الرغم من ذلك أجد صعوبة بالغة في صرف نظري عن مفاتنها!
    ما حسم الموقف ذلك الذي حدث ليلة رأس السنة أثناء حفل نصير شمة بساقية الصاوي. حفلات معدودة هناك عليها إقبال جماهيري كبير من المثقفين بالإضافة للمهتمين من العامة فيمثل إيرادها وسيلة لتمويل بقية الأنشطة الرائعة غير المدرة للربح والتي تحرص الساقية على توفيرها، ولذا تضع الكراسي في كل مكان متاح فيجلس الحاضرون دون مسافة كافية بين الواحد وجاره معتمدة على تفهم الحضور للمسألة وهو الحاصل. المهم هنا أن جلستي جاءت بحوار فتاة وكلاً منا مضطر للبقاء محتكاً بالآخر جسدياً، وما أفزعني وجعلني أقرر هو أنني لم أر وجهها ولا تفاصيل جسدها ومع هذا كنت شديد الارتياح لهذا الاتصال أتمنى له ألا يزول. باغتتني كآبة غريبة لم تنجح أنغام نصير، وهي المعتادة اصطحابي إلى أعلى عليين، ولا تلك الرسالة الرقيقة من إنسانة نبيلة، هي أغلى صديقاتي، قبل منتصف الليل في محوها..
    هي رغبة موجودة منذ عقد وربع قمعتها كوابح مختلفة. كان أقواها الوازع الديني ثم اضمحل حتى اختفى، وأشياء أخرى بهتت ولم يبق إلا الضيق بحقارة الجنس مدفوع الأجر ولكن بحساب الأرباح والخسائر لا أعتقد أن أمامي مفر. لا أبحث الآن إلا عن الأمان الصحي والبوليسي - فلا أُقفشُ ملفوفاً فِ ملاية!
    الأفضل قليلاً من هذا أن تكون العلاقة بها بعض الآدمية: علاقة قائمة على الجنس وحده بالتراضي مع امرأة أتخذها خليلة (الخط الأحمر الوحيد عندي أن تكون متزوجة)، والأحسن من كل ما سبق أن تكون حبيبتي هي عشيقتي ولا أضطر إلى "الرَفَق" المحض أو هذا اللون البائس من الاستغلال الطبقي للفقيرات.
    ---
    أنا هنا لا أصف إلا الهيئة الخارجية للمنتجات. فتفصيل خصائصها ومكوناتها وكيفية تصنيعها موضوع آخر يحتاج إلي وقفات أخرى على المستوى الإنساني خاصة. لابد أن أصطحبك صديقي القارئ خارج غرفة الاجتماعات الملحقة بمكتبي كرئيس لمجلس إدارة المصنع أشرح لك الأزمة العامة التي يمر بها إلى مديري الإنتاج والبحوث والتطوير - R&D - وغيرهم من المسئولين بشكل مباشر عن الفنيات والتفاصيل..
    معني أنا الآن بوضعي العام في تلك اللحظة الراهنة، ومشكلتي الرئيسية هي الافتقار إلى الغاز الطبيعي: الفلوس يعني!
    لو توفر للماكينات الغاز ودارت لا يعني هذا بالضرورة أن تنتج سلعاً جيدة ولكنها لن تنتج شيئاً - سواء اتسم بالجودة أو الرداءة - دونه. وهذا بالضبط هو وضع المال بالنسبة للنشاط الإنساني في نوع المجتمعات الذي نحياه..
    عادة ما يكون الاحتجاج على تلك البديهية عبيطاً، عدم المؤاخذة؛ فتجد أحدهم - ميسور الحال أو غلبان ولكنه لا يحب هذا الكلام "الحرام" الذي يناقش الرزق ويعترض على حكمة الله - ينبري ليقول بأن الفلوس مش كل حاجة وكم من الأغنياء فاشلون في حياتهم ولم تحقق لهم أموالهم شيئاً!
    اضطررت آسفاً إلى وصف هذا الدفاع بالعبط لأنه كذلك فعلاً! فلم أقل أنا أبداً أن الفلوس كل حاجة أو أن الغني بالضرورة ناجح في حياته وإنما أنت عزيزي القارئ لا تستطيع النجاح، أو فعل أي شيء، دون دفع أموال. هي حقيقة حقيرة فمحدثك يحتقر المال أصلاً والمجتمعات القائمة عليه ولكنه الواقع المؤسف..
    مثال بسيط جداً يتعلق بالمنتج الأول: من الممكن أن أدخل امتحان اجتياز الجزء الثاني من الـ CMA التي احضر لها في فبراير(شباط) أو الانتظار إلى مايو (أيار) - هذا هو النظام - وللتنفيذ أحتاج إلى تجديد عضويتي في المعهد المصدر لها، التي انتهت في يناير، ثم دفع مصروفات الامتحان وهذا حين يترجم إلى العملة المصرية يساوي أكثر قليلاً من ألفي جنيه وأنا لا أملك ربع هذا المبلغ الآن!
    أنا جاهز تماماً وستشتد جاهزيتي خلال الشهر القادم وأنا أراجع ولكنني لن أدخل لعامل لا صلة له بقدراتي الذهنية أو استيعابي وهو خلو جيبي. صحيح أن من دفع الأموال ودخل الامتحان قد يرسب - فأمواله لا صلة لها بنجاحه - ولكن هناك آخر سيدخل وينجح ويسبقني ثلاث شهور ضاعت مني ولو تكرر الأمر بنفس المعدل فستتحول السنوات الست إلى تسع مثلاً!
    ولو رحت للمنتج الثاني وإلى هدف قضاء ليالي حمراء آمنة فسنجد أنني أحتاج مكاناً مغلقاً مستقراً وهذا يساوي مبلغ، وإلى واقي ذكري بمبلغ آخر بالإضافة طبعاً إلى ثمن الليلة نفسها، وتأمين تلك المصروفات المختلفة كجزء يقتطع من الدخل الشهري..
    حتى أبعد ما يُتصور عن المادة تلعب الأموال فيه دوراً مهماً. فبما أنني مقتنع بأن نشوء الصداقة الحقيقية يحتاج أساساً إلى خلفية مشتركة، بالحد الأدنى، من القيم والثقافة فإن احتماله يكون أكبر كلما تواجدت أنا في تجمعات تعنى بالأنشطة الثقافية وهذا ببساطة يتطلب إنفاقاً لأوراق البنكنوت!
    الأمثلة بلا نهاية ولا أود الابتعاد عن وصف الواقع إلى شرح ما أتمناه فلم أخطط اليوم لكتابة أيدلوجية.
    (أقول هذا تجاوزاً فلا توجد كتابة لا تحمل هذا الوصف)
    أنا الآن مفلس: انقطعت الأموال كما انقطع الغاز ولا أعرف متى تعود تماماً كما صاحب المصنع التشيكي قبل حل المشكلة. ومصدرها الوحيد حتى الآن غير محدد ولا معروف لسبب بسيط وهو أن والدي ليس رئيساً لشركة قابضة!
    (أشرت من قبل إلى اضطراري للتحفظ لأسباب عملية وهذا هو الحال الآن)
    وبناء على كل ما سبق فحياتي متوقفة مشلولة إلى أن يأتي الفرج على مهله وأتمنى أن يأتي قبل أن أغير خططي لمستقبلي وأنضم إلى المافيا وأتاجر بأعضاء أطفال الشوارع أو أصبح واحداً منهم!
    ***
    حين يمدح الزملاء قدرتي على العمل وكفاءتي وحسن استيعابي وسرعة تعلمي أصاب بالتشاؤم رغم تطليقي البائن للخرافات!
    أحد المديرين في إدارة أخرى سوى التي أعمل بها ويتطلب عملي التعامل معها يستخدمني كرباجاً لجلد الموظفين معه: فكلما أبديت ملاحظة نابهة أو رأياً نافذاً بصيراً - من وجهة نظره - يمتدح مخي المنور بصوت عال ويتنبأ لي بأنني سأكون رئيساً لمجلس الإدارة في ظرف عشر سنوات ويقارن ذلك بصفات من كفروه في عيشته وجابوله المرارة بشكل مفصل وبطريقة ليس فيها مراعاة لمشاعرهم أو أنني بالنسبة لمعظمهم مفعوصاً اسمي الثلاثي "وصيف تعيين جديد" وكانوا من قبل عليّ يتأنزحون!
    دون ذنب اقترفته أصبحت مكروهاً لديهم لا يطيقون رؤية وجهي أو سماع اسمي، وأما التشاؤم فلأن نفس المشهد تكرر منذ ثمانية عشر عاماً بالضبط مع مدرسة اللغة العربية بمعهد العمرانية الابتدائي الأزهري التي تنبأت لي أن أكون وزيراً وأن يعمل زملائي في خدمتي بواباً وفراشاً وسايس جراج.. وها هو الحال يشهد لها بسعة الخيال!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الإثنين فبراير 09, 2009 6:58 am

    الأحد 8/2/2009..
    الشمس طلعت من بعيد.. جاية ومعاها يوم جديد
    يجعل نهارنا نهار سعيد
    صوت شادية يبعث في النفس إقبالاً على الحياة ويشحن الروح بالتفاؤل. رحت أتأمل جاري الأمامي في الميكروباص بشعره الأشيب وهو يحكي، بفخر وحمد لله، ما وصل إليه أولاده في التعليم وكيف زوج ابنته. كان سعيداً يشعر أن حياته لها قيمة راضياً عن رسالة يظن أنه أداها..
    ---
    الميدان جميل، وعسكري المرور يطلب مني بلطف وأدب أن ألتزم الرصيف للحفاظ على النظام. اللغة العربية الفصحى تستحوذ شيئاً فشيئاً على مخيلتي لتخبو اللهجات المحكية، لم أعد أطرب إلا للقصائد المغناة باستثناءات بسيطة لأصوات استثنائية تغني كلمات عامية رائعة - كأغنيات مكادي نحاس ولينا شماميان ومحمد منير. كنت واقفاً مع الجموع ننتظر على الرصيف مرور "التشريفة" حتى نعبر الشارع بينما كلمات جبران خليل جبران وألحان محمد عبد الوهاب تأتيني عبر أجمل وسيط في الكون..
    سكن الليل وفي ثوب السكون
    تختبي الأحلام
    وسع البدر وللبدر عيون
    ترصد الأيام
    فتعالي يا إبنة الحقل نزور
    كرمة العشاق
    .
    .
    .
    فعروس الجن في كهفها المسحور
    هجعت سكرى وكادت تختفي
    عن عيون الحور
    ومليك الجن إن مر يروح
    والهوى يثنيه
    فهو مثلي عاشق كيف يبوح
    بالذي يضنيه
    إذا صح أن الإنسان كائن ميتافيزيقي، فإن فيروز تمثل هذا الجانب من حياتي!
    أفرج العسكري ذو الشارب المنمنم عنا بعد مرور الباشا، ونزلت من فوق الجزء الناعم المنزلق من الرصيف فتفاعل مع نعل الحذاء المسطح وسقطت. تمالكت نفسي ودفعت كف يدي اليمنى لتلقي الصدمة كلها وخرج القميص من البنطلون ولما قمت، وكان مظهري العام آخر بهدلة، وجدت أحد قيادات العمل أمامي!
    ***
    ما بعرفش أربط الكرافت!
    أكره رابطة العنق جداً. صحيح أنني أمقت الأحذية بجميع أنواعها والجوارب والملابس الداخلية والخارجية إلا أن الكرافت تحظى بنصيب الأسد لما تسببه من اختناق حقيقي بخلاف المجازي الذي يسببه السروال الداخلي مثلاً!
    رحت اليوم وهي مفكوكة لأربطها هناك بمساعدة أحد الأصدقاء. منذ بدأت حكاية الملابس الرسمية وأنا أطلب من البائع أن يربطها لي ويتركها معقودة حتى أضع رأسي داخل الحلقة وحين تتسخ أفك ربطتها وأرسلها للتنظيف ثم أطلب من أحد الزملاء إعادة الكرة..
    (أحد جوانب شخصيتي الاستعداد لبذل جهد كبير - يراه البعض مبالغاً فيه ويحمل قسوة على النفس - لتحقيق ما يهمني والإهمال التام لما لا أحب فيصبح أي فعل تافه عبئاً ثقيلاً ولو كان ترك السرير! كما تتأثر ذاكرتي بشكل لا واعي بالمسألة: فالأمور التي تعنيني ذاكرتي فيها حديدية مذهلة والتي أكرهها أنساها كلها حتى ظن الكثير من الناس أنني أفيونجي!)
    أجد دائما من لديه الاستعداد لربطها بدوافع مختلفة؛ فهناك الأصدقاء الخدومين بطبعهم، وهناك الزملاء الوقورين كبار السن ممن يشفقون علي من تلك الخيبة ويربطونها ضاحكين، وهناك من يجدها فرصة للتشفي والانتقام المعنوي: شوف الواد الجديد الأنزوح ده محتاس إزاي ومش عارف يربط الجرافتة ها ها ها! وأنا من ناحيتي أستغل هذا الجانب النفسي عندهم وأحوسلهم بأن أطلب من أحدهم فأسعده بالتشفي وأحقق أنا الغرض!
    (تأنزح - يتأنزح - أنزحة: إذا تعامل مع الآخرين بتكبر، والأنزوح صيغة مبالغة تقال لمن كان كثير الأنزحة. وأحوسلهم من الحوسلة، وهو مصطلح نحته عبد الوهاب المسيري يعني "تحويل الآخر - المحوسل - إلى وسيلة")
    سألني الأستاذ محمد النهاردة: يابني مش هتتعلمها بقى؟ فأجبته أن هذا مستحيل فيما يبدو وحل الأمر أن ألجا إلى فرويد: أتزوج فتربطها لي زوجتي على سبيل المكافأة بعد ليلة ماجنة حافلة ممتعة!
    ***
    لمع برأسي اليوم قول صدر عن شخص رقيق راقي المشاعر من المسلمين القدماء، قد يكون النبي محمد أو لا: "ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام"..
    لا أعرف، أو الحق أنني أعرف، لماذا أعدت التفكير فيه ووجدتني أحترم صاحبه إلى أبعد حد..
    ***
    يوم كامل مضى..
    دخل الأمس التاريخ فقد تناولت مشروباً روحياً للمرة الأولى في حياتي!
    كنت بصحبة صديق عزيز لا تتسنى لي رؤيته إلا مرة كل عام ولم أجد مانعاً من مشاركته الشراب: فالتحفظ، القائم، هو على الإدمان بما يحمله من إضرار بالصحة والتسبب في مشكلة مستقبلية حيث أحتاج الشراب وأفتقر إلى ثمنه فيتحول الحل إلى جزء من المشكلة. لن يحصل التعود فهي مرة عابرة لن أخسر بسببها شيئاً وسأكسب في المقابل قتل فضولي حول ما سيحصل..
    المشكلة: تشغل رأسي عشرات الأمور في نفس الوقت ولا أستطيع إنجاز أحدها على أكمل وجه إلا إن كانت البقية على ما يرام. لابد أن تكون هناك خطة معينة تسري الأمور كلها على أساسها ولو ببطء، أن أكون مطمئناً بشكل ما أن كل شيء يتقدم وفي سبيله إلى الحل..
    حين أفقد هذا الاطمئنان، كأن تتكالب علي المشاكل دفعة واحدة كما أيامنا هذه وأصبح مطالباً باتخاذ خمس قرارات مصيرية في اليوم الواحد، ساعتها أشعر بالضياع وقد تمر أسابيع دون فعل شيء إزاء أي مشكلة منها إلى أن أجلس مجدداً وأضع خطة جديدة!
    والحل: أن أطور لنفسي المقدرة على التركيز في جانب واحد وتحقيق سعادة قصوى منه بينما بقية الجوانب لازالت سيئة كما هي.
    وكان مناط الفضول هو مدى نجاح الكأس في تحقيق هذا..
    ---
    نبيذ وطني - صناعة محلية ماركة شهرزاد! قبل أن أتناول الكأس الاول كان "كمال" في بين القصرين هو شغلي الشاغل: هل سأشعر بتلك النشوة الكبيرة التي وصفها نجيب محفوظ؟
    والحق أن شيئاً من هذا لم يحدث! ومع الثاني والثالث شعرت فقط برغبة في الحديث أكثر من المعتاد مع ثقل خفيف في اللسان وراحة واستعداد للضحك على أبسط الأشياء. أما الذهن فشديد الصفاء وكل المدركات من حولي منضبطة بلا مشكلة، وبقي الأمر كذلك إلى النهاية رغم تناولي زجاجة كاملة..
    يفسر صديقي الأمر بأن ما شربناه لا يسكر وأن الصورة الإعلامية المعتادة للسكارى، التي صنعت توقعاتي، مجرد تشويه متعمد لسمعة الشريبة! هناك احتمال منطقي أن هذا النوع مضروب وأن صناعته كانت أيام السحابة السوداء مثلاً. الاحتمال الأخير أنني شربت هذا الكم ولم أسكر لإني واد جامد أوي وهو ما أرجحه!
    فقدت الاتزان بنسبة طفيفة حوالي نصف ساعة مع صداع خفيف، وأثناء طريق العودة كنت موزوناً تماماً إلا أن رغبة في الجري ألحت علي فلم أقاومها ورحت أعدو بلا تعب. كذلك كان حديثي مع نفسي - وأنا دوماً أحدث نفسي في الشارع أو غيره - بصوت مرتفع نسبياً ولم أهتف "أنا جدع" والحمد لله!
    في الطريق رحت أختبر نفسي بأن أتذكر وأجمع المنغصات فلم أنجح في هذا. فرحت ورحت أدندن..
    دخلت منزلنا بثبات ولم أشعر برغبة قاتلة في النوم، على العكس بقيت ساعة ثم نمت ساعة ونصف وقمت إلى عملي في منتهى النشاط. رحت أتفحص ما حولي وعدت لأكتب تلك السطور من حديث المساطيل!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت فبراير 28, 2009 12:46 am

    الخميس 26/2/2009..
    أحصن نفسي بجدار عازل شفاف يفصل بين مشاعري وبين أحداث العالم الخارجي. لا تؤثر علي المنغصات فأحزن ولا الأحداث السعيدة، بفرض وجودها، فأفرح - وهذا أثر جانبي لابد منه فالجدار أصم لا يستطيع التفرقة..
    أنا مثال نموذجي لمن يوصف، على صعيد أفعاله المادية لا مشاعره، بأنه ضارب الدنيا ستين صَرْمة! أحياناً يأتيني زميل يعلق على تلك الصُرَم الستين معجباً فأجيبه بكلام لا معنى له بدلاً من تفسير السبب الحقيقي المتعلق برأيي عن هذه الدنيا شديدة القبح حتى لا أصيبه بالكآبة خاصة ومنشأ التعليق في الغالب هو ضحكه الشديد من تعليق ساخر على أحد المفارقات العجيبة..
    (الحياة في مصر هي سلسلة من المواقف التي تجري عكس المفترض تماماً وحدوث شيء جيد هو المفارقة العجيبة ولكنني أراعي هنا التواصل الفكري مع من يعيش حياة طبيعية!)
    وينعكس هذا على تصرفاتي بشكل كبير ففي حين يرتعد الكثير من الرؤساء من مخاطبة القيادات الكبرى أدخل أنا إليهم وأناقش وأجادل - مع الاحترام المطلوب لشخص أكبر مني وسماع وجهة نظره الناتجة عن خبرة أكبر حتماً مما أمتلك - وأوضح ما أراه وأدافع عنه، إن لم يستطع إقناعي، إلى النهاية وكثيراً ما أنجح في الحصول على الموافقة بين دهشة الناس وتعجبهم..
    في المقابلة الشخصية التي سبقت التحاقي بعملي الحالي، مثلاً، سئلت عن مرتبي السابق، ورغم استطاعتي الإتيان بما يؤيد أي كذبة سأكذبها لم أفعل رغم علمي التام أن تحديد الراتب - في بلد الكوسة والتوريث - يتأثر تأثراً بالغاً بمستوى معيشة الموظف بعد نفوذ أهله الميامين! لا أكذب لأنه لا يوجد هذا الإنسان الذي يستحق أن أعيره اهتماماً يصل إلى حد الخوف من ردة فعله فأكذب عليه..
    لابد لمن يتخذ هذا الموقف أن يكون مستنداً على شيء. قد يكون "ضهراً" قوياً أو الإيمان بالله الذي يفرض عليه عدم الخضوع لمخلوق أو غير ذلك، وهو ما يثير حيرة الناس في أمري فحكاية التدين تلك غير واردة ومع الوقت يعرفون أنني أستند على رأسي لا ظهري فيستقر تفسيرهم في النهاية إلى أنني واحد مخبول مجاراة مسلكه ليست من الحكمة في شيء مهما كانت جذابة!
    ---
    اكتشفت، مع التجارب، أن الجدار على فائدته شديد الهشاشة وأحداث تافهة مفاجئة تستطيع تقليب المواجع في الرأس وإنهاء اللامبالاة والانخراط في المشاغل، التي أحرص عليها وأفتعلها إن قلت، لصالح موجات اكتئاب عميقة. حصل هذا منتصف الأسبوع الماضي حين ركبت مع الأستاذ طارق سيارته المِهَّكعة و"اتنتش" البنطلون!
    المفترض أن أضحك أو أتضايق لدقيقة، على الأكثر، وأعتزم إرساله للتصليح أو حتى رمي الزي كله وشراء آخر جديد، ولكن الأمور سرت على نحو آخر: فأنا متضايق لأن الشراء أو التصليح - لرداء ردئ أصلاً - معناه إنفاق لا أعرف كيف أموله نظراً لطبيعة تصرفي مع الأوراق النقدية - وقد أتحدث عنها في مناسبة أخرى..
    بالتبعية استرجعت السبب الذي قبلت بسببه الدعوة الكريمة وهي إنقاذي من انتظار مقيت لميكروباص يقلني من المهندسين إلى ميدان التحرير ويعفيني من اللجوء إلى التاكسي وهذا في حد ذاته مؤلم..
    الخطوة التالية هي التفكير في ما آل إليه حالي: شخص وحيد بائس لم يحصل على شيء، فلا حقق أمانيه المهنية / الفكرية، ولا الاجتماعية / العاطفية، كما تقف المادة عقبة في سبيل أبسط احتياجاته. وهناك، للسخرية، إجماع مدهش على كفاءته الكبيرة في عمله وذكاءه وصفاته الشخصية المستحقة للإعجاب مع التسليم بأن ذلك لن يعود عليه بأي نفع وسيظل بائساً لأن فمه، حين ولد، كان خالياً من الملاعق الذهبية!
    كله من باب عربيتك يا أستاذ طارق.. مازدا ياباني بس كانت راكنة صف تاني في ناجازاكي يوم 9/8/1945!
    ***
    أثناء عودتي بالأمس من الجيم عن لي أن أناقش عسكري الحراسة على الكورنيش!
    (حين أعدت التفكير في السبب الذي لم أسكر بسببه وجدت أنني سكران لوحدي ومبروم على مبروم ما يلفش. عدت كذلك إلى الماضي وتذكرت حادثة قد تكون كاشفة، ففي العام الأول من حياتي أصبت بمشكلة ما مما يصيب العيال فاستدعى أبي واحد دكتور صاحبه أعطاني دواء عظيماً ظللت بسببه نائماً لثلاثة أيام متواصلة! أتنفس والوظائف الحيوية تمام التمام إلا أنني في عالم آخر ولا داري بحاجة وفيما يبدو إني عملت دماغ جامدة جداً لا أظمأ بعدها إلى المخدرات أبداً!)
    المهم.. كورنيش النيل معمول للتمشية فيما أعتقد، وفي شارع النيل بين الجيم - وهو عوامة على النيل - والشيراتون يوجد مكان واحد فقط متاح لمشاهدة النهر، صديقي الأكثر إخلاصاً، مباشرة بلا كتل إسمنتية قبيحة. ولأنه أمام بيت أول من أوصل مصر إلى ما هي فيه الآن من خراب شامل وواسع فهناك عسكري مهمته منع الناس من الوقوف وتبادل الحديث!
    ترى من بعيد لافتة مكتوب عليها في عهد الرئيس فلان والوزير علان تم افتتاح المرحلة الثانية - باين - من تجديد كورنيش النيل، ولن تستطيع الدخول لقراءة التفاصيل بالخط الصغير لأن العسكري سيمنعك ولو لابطت هيحطك في البوكس!
    قررت أن هذا أمر لا يحسن السكوت عليه وحديث هادئ مع رجل الأمن - الذي يخرج حاملاً رأسه على كفه لحماية مصر - قد يفيد فأكيد أن الحكومة ترى ما لا يراه المواطن صاحب العقل القاصر الذي لا يستطيع الإحاطة بطبيعة قراراتها. بادرته بالتحية:
    - سلامو عليكو
    - وعليكم السلام (رد بلهجته الريفية الطيبة)
    - إزيك؟
    - نحمد الله، الله يسلمك يا بيه
    (البيه هو لقبي الرسمي منذ ارتديت البدلة، وأثناء الحديث أخاطب "حضرتك". مرة سواق تاكسي قاللي "سعادتك" ولابد من التسليم أن الفشخرة الكدابة والنفاق يصيبان المرء ببعض الارتياح!)
    - قوللي وحياتك ليه ممنوع أقف على الكورنيش.. هو هيقع؟!
    - (يضحك) والله يا بيه آني عارف إن وجفتي دي مش هية، بس لو الظابط عدا وشاف خلق واجفين هنا يبقى ماليش عازة وأتلب جِزَا.. آدي!
    - أنا فاهم انتا مالكش ذنب بس نفسي أفهم ليه ما ندخلش يعني؟ أرجوك ريح قلبي الحكاية دي شغلاني خالص!
    - ربنا يهد القوي يا بيه!
    - طيب خد بالك من شغلك ولو حد حاول يعدي بلغني بس وأنا حتصرف.. سلامو عليكو!
    - (ضحك مجدداً) ما انحرمش منك يا بيه.. الله يروق بالك!
    ***
    أحد الزملاء حاطط نقره من نقري ومش عاجبه كلامي أبداً - رغم إني تقريباً ما بتكلمش أصلاً - يصف أفكاري بالهدامة!
    تصادف أن كان جالساً بجواري في سيارة أحد الزملاء ونحن في الطريق لتأدية واجب العزاء في وفاة والد زميل آخر، وانعقدت دردشة لتمضية الوقت وإذا بها تنتهي - كما هي عادة المصريين في العصر الحديث - إلى الدين!
    كيف فسدت الأخلاق وأن تلك هي المشكلة وحلها هو مفتاح حل كل شيء وهذا الهراء يكون بتطبيق الشريعة وإذا بالمادة الثانية من الدستور تتصدر الحديث - فمن أثار الحديث له نصيب جيد من الاطلاع يعرف أن هناك دستور في مصر ويعرف نص مادته الثانية - حيث جعلها الحكم، لأسفهم، مجرد حبر على ورق..
    سئلت عن رأيي فأجبت! ورغم اقتصار ما قلته على العلمانية وفصل الدين عن الدولة دون تفصيل ما أراه بشأن المعتقدات الدينية عموماً إلا أن زميلي اللي أنا مش عاجبه ده اعتبر أنني شيوعي ملحد وراح يشيع هذا فشر قناة الجزيرة!
    صحيح أنني لم أقل حرفاً يتعلق بالشيوعية أو الإلحاد وصحيح أنه قد يسبب لي المتاعب إلا أنني لا أحاول تكذيبه لأن المحاولة ستفتح نقاشات تافهة عقيمة لا أريدها ولأنني لن أكذب وهو في التحليل الأخير لم يبتعد، كثيراً، عن الحقيقة!
    ***
    حائر بين حلاقة شعري مجدداً على رقم 2 أو تركه ليعود كما كان، خاصة مع اشتداد الإفلاس وتأجيل اقتناء الموتوسيكل إلى عام 2050!
    صحيح أنني معتاد أكثر على شكلي القديم، كما أنها تتطلب الذهاب إلى الحلاق بشكل دوري كلما طال الشعر، إلا أن الشعر القصير جداً مريح للغاية وشكلي به كذلك جيد ولن تؤثر فيّ أقاويل الحاقدين والحاسدين كهذا الأرعن عبد الله - واحد صاحبي مطرقع آخر حاجة - الذي أعلن أنه اكتشف حقيقتي حين انكشفت رأسي، وأنني Alien من أقارب ET الشهير في فيلم Steven Spielberg؛ هربت من الفضاء - حسب زعمه - علشان عليا تار هناك!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت مارس 14, 2009 8:23 pm





    الجمعة 13/3/2009..




    فيلم "البيضة والحجر" لأحمد زكي يحكي قصة مدرس ثانوي مثقف له كاريزما ومؤثر بين طلبته، رمز المستقبل والتغيير، ينقل إليهم مبادئه النبيلة. وهي المبادئ الهدامة في نظر الناظر وزملائه الانتهازيين المستفيدين من الدروس الخصوصية - كرمز للأوضاع الفاسدة بشكل عام..




    له مبدأ رئيسي يطبقه في حياته الخاصة: "إذا غلا علي شيئاً تركته"، وبالاستغناء يحمي نفسه من الوقوع فريسة لقيم المجتمع الاستهلاكي والتنازل، من ثم، عن مبادئه للحصول على سلعة تافهة. اصطدم بشكل مباشر بمعتقدات الناس المتخلفة عن الجن والعفاريت وقدرة الدجالين على النصب عليهم بفضل تصديقهم لتلك الأمور فقاده تفكيره، الهادف إلى مصلحتهم في النهاية، إلى مسايرتهم والادعاء بأن له صلة بعالم الأرواح لاستخدام الإيحاء وتمرير الحلول الحقيقية للمشكلات بما يحقق لهم النفع والشفاء مما دفعهم إلى اللجوء إليه..




    ينتهي به الحال من خلال الملابسات المختلفة إلى الانغماس الكامل في "المؤسسة" والتحول من أداة للتغيير إلى شخص لا يستطيع التحكم في غرائزه متهالك على اللذة، وحين يحاول الاعتراف في النهاية بحقيقته ويكشف للناس أنه مجرد دجال يجبروه على البقاء لأن الحقيقة أكبر من قدرتهم على الاحتمال..




    الفيلم ببساطة يريد أن يوصل فكرة صائبة، لها خلفية ماركسية، مؤداها أن المثقف إذا دفعه التباين بين المثال والواقع إلى انتهاج البراجماتية فقد قضى على نفسه بالسقوط الأخلاقي وعلى القضية بالفشل..




    ---




    تلك النوعية من الأفلام هي ما أعشق بالأساس للمبدع الراحل أحمد زكي. أفلام من نوعية "البيضة والحجر" و"زوجة رجل مهم" و"البداية" و"أحلام هند وكاميليا". اتجاهه الأخير إلى تجسيد شخصيات مشهورة لم يترك في نفسي أثراً يقارن بما تركته روائعه الحقيقية - باستثناء "ناصر 56". ولكن ليس لهذا السبب تذكرت فيلم "البيضة والحجر"..




    الفيلم أتى على بالي، ومعنى هذا أن وقائع محددة أصدرت له أمر الاستدعاء في إطار مناقشة موسعة مع النفس تحلل القضية وتفصل فيها برأي!




    (هكذا تجري الأمور مع الرفيق وصيف كلكع!)




    ---




    ما دار بخلدي في الأيام الماضية هو انهيار كثير من ثوريي الماضي وما يرددونه بعده من دعاوى..




    ما يحدث هو وقوع هذا الثائر في أزمة لها شقين: الوحدة والانعزال الناتجين عن يأسه من حدوث التغيير - في حياته على الأقل - في مجتمع يخير المرء بين التخلي عن المبادئ أو الجوع والتشرد، واشتياقه الشخصي لتحقيق أهداف صغيرة تكتسب أهمية خاصة مع اقتراب العقد الخامس كحنينه إلى الاستقرار والإنجاب وحماية أسرته وتأمين مستقبلها أو الحصول على مسكن آمن وحياة رغيدة نسبياً...... الخ




    هي مسألة معروفة تستغلها نظم اللصوص بمهارة للتدجين. كما حدث لثائري الستينات في أمريكا حين استوعبتهم الحياة اليومية. مصر كذلك مثل شهير وأزعم أنه السبب الرئيسي لاستقرار الأوضاع في وزارة الثقافة منذ عقود..




    هناك من يرفض الرضوخ لأن لديه ما يبقيه على قيد الحياة دون أي تنازل، وهؤلاء قلة، وندرة تصر على المبدأ وتقبل التشرد بصدر رحب، أو تترك هذا العالم النجس وتختار سلام الموت إلا أن كل هؤلاء استثناء على القاعدة وهي رضوخ الفرد لضغوط المجتمع على حساب مشاعره وأحلامه..




    المنهزمون فريقين: واحد منهم يقر بهزيمته واضطراره إلى مخالفة ما يعتنق مع التسليم بصحته والآخر تمنعه صورته أمام الناس، أو أمام نفسه، من الاعتراف فيصبح موقفه، وقد يكون صادقاً مع نفسه لا يدعي، أن ما أصبح عليه هو الصحيح..




    من النماذج المحزنة جداً هذا الشهير لعم أحمد فؤاد نجم، والأمر مشهور: أصاب تاريخه بتشويه غريب تحت إلحاح لحظة ضعف أمام حفل تكريم تافه أقامه رأسمالي لأن الدولة - دولة الرأسماليين وممارسي فعل السرقة على اختلافهم - لم تحتفل بعيد ميلاده السبعين! وبدلاً من الاعتراف بضعفه الإنساني راح يفلسف ما فعل ويدافع عن هذا الأخ الذي افتضحت بعدها بسنوات قليلة صلاته مع دولة العدو الصهيوني الذي كانت قصائد نجم أكثر من يفضح المطبعين معه!




    (كان هذا في الماضي قبل أن يؤثر السلم ويصمت منذ بدايات عهد مبارك)




    ---




    تجد مواقفهم من المرابطين تدور بين نقطتين على محيط دائرة:




    - مهاجمة كل محاربي طواحين الهواء ونعتهم بنعوت مختلفة تدور حول قصر النظر والاندفاع والابتعاد عن الحكمة والاتزان المتمثلين في الرضا بالمقسوم والقدر.




    - أو التعاطف الشديد معهم كما يتعاطف عازف كمان عبقري، كانت لديه أحلام بتغيير موسيقى العالم وانتهى به الحال قابعاً خلف راقصة في شارع الهرم، مع شاب صغير تخرج حالاً من المعهد ويقول ما ورد على لسانه قبل عقود..




    إلا أن جميع أعضاء هذا الفريق يتفقون أنه لا أمل في التغيير والعدل والثورة كلها أوهام لن تتحقق أبداً ولذا لا ينبغي أن يستغرب نمو النزعات الدينية لديهم وإيمانهم الشديد بالغيبيات..




    ---




    تذكري للفيلم، وقبله لهؤلاء الناس، نتيجة لموقفي أنا الجديد الآخذ في التبلور: في جانب الأقوياء من المنهزمين!




    أضحيت أتردد أمام ما كنت أترفع عنه في الماضي - وأقابله بالرفض العنجهي الشرس - من عروض بالمساعدة من "الواصلين" سواء كانت نوايا الداعي طيبة، كما هو الحال الآن، أو لمجرد التلذذ بأنني تلقيت منه خدمة وأنه ساعدني..




    لم أوقع العقد بعد في عملي الحالي وتقدمت لمؤسسة أخرى، أفضل من نواح عدة، ونجحت في الاختبار العام المعقود للتصفية وكذلك الاختبار الشخصي وأجري الآن الكشف الطبي كمرحلة أخيرة قبل التعاقد وتحديد المكان الذي أستلم به عملي وهو فيصل بين الدفن أو التعلم الحقيقي المؤهل لفرص أفضل في المستقبل وهي مسألة تحددها الواسطة بشكل كامل..




    تلك اللفتة صادرة عن صديقة طيبة جداً ونبيلة إلا أن تأثيرها على نفسي يمزقني. كان لابد أن أشكرها ممتناً موضحاً أنني لا أحتاج إلى الوساطة ولا أقبل بها ولكنني، لدهشتي، لم أمانع بل ووجدتني أعتمد على ما سيحصل..




    ما هو الفرق الذي أحدث التغيير؟




    ببساطة كان موقفي القديم يستند على ركيزتين: الأولى هي اتجاهي، المفرط والمتطرف والقائم، في الاعتماد على النفس بما يكفيني الاحتياج إلى الغير بشكل كامل وتحقيق استغناء أعمل بجد كي يتسع إلى الذروة متحملاً، بكل رضا وسعادة، أي حرمان ينشأ عن هذا. والثانية هي اعتقادي أن قدراتي الخاصة كفيلة بتحقيق هذا الاكتفاء..




    ما حصل هو أن الأيام أثبتت لي أن قدراتي الخاصة تلك رائعة حقاً ولكنها لا تستطيع فعل شيء!




    هي كعكة يوزعها أناس استولوا عليها، بعضها يذهب لأصحاب الحظوة والمقربين والآخر لهؤلاء الذين يثبتون كفاءتهم ليس بمقاييس المصلحة العامة وإنما الخاصة للموزعين، والفتات المتبقي يترك للجميع يتخطفونه ويتقاتلون بمنتهى الشراسة للحصول على نصيب بما يضمن انصرافهم التام عن الاهتمام بالشأن العام أو التفكير في مواجهة من استولى على الكعكة ومحاولة استردادها لتوزع بآلية أفضل تضمن العدل!




    النتيجة الطبيعية لما سبق أن قدراتي تلك وضعتني في مكان أفضل مما يقف فيه كثير من الأقران من نفس الشريحة من الطبقة الاجتماعية (فعلى أي حال أختار بين وظيفتين جيدتين - في نظر المجتمع - وهذا ترف في مصر يحلم به ملايين الشباب) ولكنه مكان لا يحقق لي الطموح المادي - وهو مجرد الاستغناء! - ولا انعكاس الكفاءة في العمل إلى نجاحات تتناسب معها..




    ....................


    ....................




    مرت مصر بعد ثورة يوليو 1952 بموجة حراك اجتماعي هائلة - سبر غورها الدكتور جلال أمين بشكل جيد في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟" بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع ما يراه بشأنها - إلا أنها الآن عادت تماماً إلى وضع الأربعينات وأضحى شعار المرحلة هو "التوريث"، فالفقر يورث والغنى، والصحة تورث والمرض، والوظائف تورث والمهانة تورث والحكم يورث!




    ....................


    ....................




    أمامي وظيفتين كلاهما أقل من قدراتي وطموحاتي في مجال العمل - بغض النظر عن مشاعري تجاهه - ولكن واحدة أفضل من منظور المستقبل بشرط تسكين العبد لله في المكان المناسب، ولما كانت قدراتي وحدها لا شأن لها - فلا هي مصالح ولا هي أوامر من فوق - فلابد من "زقة" لا أملك بين أقاربي المباشرين من يستطيع القيام بها، فلما أتى العرض الصادر عن تعاطف واعتقاد بأنني أستحق الأفضل وجدتني أتريث قبل الرفض أميل إلى القبول!




    ***




    شاهدت أغنية عربية مصورة أسفت لها بعمق لريهام عبد الحكيم..




    تلك الفتاة الرائعة التي أدت دور أم كلثوم، في صباها، في المسلسل تملك صوتاً ساحراً ولا مكان لها في السوق التجاري، سنحت لها فرصة للغناء في فيلمي "أنت عمري" و"ملك وكتابة" ولا عجب فالأول من إخراج الجميل خالد يوسف والثاني من إنتاج جهاز السينما بمدينة الإنتاج الإعلامي..




    كذلك منتج شجاع جمعها مع فريق من الموهوبين في ألبوم جميل – رغم الخفة الضرورية للتسويق - اسمه "كام ليلة" وطرح في الأسواق إلا أنها، طبعاً، كانت المرة الأولى والأخيرة!




    رأيتها بالأمس تغني أغنية تافهة، كلماتها تافهة ولحنها تافه لا يبرز صوتها بينما تحاول أن تستبدله بمقوماتها الأنثوية علها تحقق الانتشار..




    لا أمانع في استخدام وسائل العصر، فقد كان قرار علي الحجار، مثلاً، صائباً وفي محله حين عاد، فلكي تظهر أغنية بصوته وألحان الشريعي أو عمر خيرت وأشعار جمال بخيت أو نبيل خلف لا بأس من الاستعانة بموزع ناجح بمقاييس هذه الأيام كجان ماري رياشي. هنا يسجل الحساب ربحاً، ولكن هذا مقتصر على أبناء جيل معين ممن بنوا قاعدة فنهم في عصر سابق، أما مبدعي هذا الأيام فيواجهون الدنيا وحدهم عزل من المساندة وهكذا يكون المصير!


    [/size]

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة مارس 27, 2009 10:06 pm

    الخميس 26/3/2009..
    وكل شيء بينسرق مني
    العمر م الأيام
    في الأيام الماضية رحت أتصرف كما أحب، بقدر ما أستطيع، بغض النظر عن العائق المادي!
    أستيقظ في الصباح الباكر وأستقل التاكسي. السائق يعتقد أن مشوار الصباح هذا بداية رزقه ولو رفضه أو غالى في طلب الأجرة سيحرمه الله الرزق بقية اليوم، ولكنني لا أستغل هذا - لأنني أهبل على الأرجح - وتأبى علي كرامتي أن أنتفع بأوهامه مادامت قد جعلت منه إنساناً أفضل وأعطيه أكثر من المتعارف عليه للمسافة المقطوعة..
    (أجرة التاكسي في مصر يحددها العرف والعداد مجرد ديكور أو هو غير موجود أصلاً!)
    أتمشى في وسط البلد قليلاً إلى أن أبلغ المحل الأنيق وفيه أتناول إفطاراً خفيفاً يتكون غالباً من قطعة كرواسون وثمرة فاكهة، وأشرب قهوتي الإيطالية البديعة بينما أقرأ كتابي وأستمع إلى وتريات أسبانية أو أغنية فرنسية..
    أؤدي عملي بإتقان وأتناول طعام الغذاء بمكان آخر مماثل وأنتقل بذات الوسيلة إما إلى صالة اللياقة البدنية أو السينما، يومي السبت والثلاثاء، ثم أعود أدراجي إلى البيت لأنام..
    ربما لا يثير هذا الاهتمام أو يبدو عادياً إلا أنه تسبب في إفلاسي التام حتى أنني سحبت الغطاء النقدي الذي أودعته ليسدد مصروفات امتحان يونيو (حزيران) القادم ما يعني سداد حساب بطاقة الائتمان، القاصرة على الانترنت لأغراض دفع مصروفات التعليم عن بعد، بفائدة لمرور فترة السماح!
    ---
    يمثل هذا خرقاً جنونياً لأسلوب تعاملي مع البنكنوت!
    فأنا أتصرف في الأموال كمدير مشتريات بأحد المصانع يربط قراره بالموازنة السنوية والخطة التسويقية والأهداف طويلة الأجل المحققة لرؤية المؤسسة لمستقبلها. وأقصى طموحاتي المادية أن أكون مستريحاً لا تشكل المادة عائقاً أمام استمتاعي بالحياة. دخلي الحقيقي - أي بعد استبعاد أثر التضخم - يرتفع ولكنه لا يزال محدوداً للغاية ومع وضع تلك الحقيقة في الاعتبار وضرورة الاقتطاع منه لمواجهة الغد لابد من التضحية والاختيار وتحديد ما ينبغي تأجيله وما يمكن أن يلبى الآن..
    أتمنى مثلاً أن يكون حضور المسرح والسينما والأوبرا بنداً أساسياً في برنامجي اليومي، أو الأسبوعي على الأقل، ولكن المبلغ المطلوب لهذا أوجهه كارهاً لدفع قسط بوليصة تأمين متطلبات ما بعد التقاعد، وأود أن أقطع المسافات مرتاحاً في تاكسي ولكنني أستخدم الميكروباص لأنفق الفرق في شراء الكتب..... الخ
    وكنتيجة طبيعية للفكر الذي يوجهني: الدخل الحالي هو للآن وللإعداد للمستقبل في نفس الوقت، لا أتورط أبداً في مأساة بطاقات الائتمان التي تقوم على فلسفة: هيص دلوقتي وعيط بعدين!
    أدخر كذلك نسبة من الراتب لمواجهة الطوارئ أو شراء شيء غالي الثمن يلزمني، وفي هذا الإطار أضحي باقتناء هاتف محمول متقدم التقنية من أجل دفع اشتراك صالة اللياقة البدنية لتنفيذ المرحلة الثالثة التي لا زالت في بدايتها من إعادة تشكيل جسدي بعد إنجاز المرحلتين السابقتين بنجاح..
    (المراحل بالترتيب: التخلص من السمنة - تأكيد ذلك وتطبيع العلاقات بيني وبينه - الحصول على جسد متناسق ورياضي)
    كما أعاني التردد الشديد منذ شهور حيال شراء بدلة أو بدلتين جديدتين - وهو زي كل يوم الذي أواجه به الزملاء والعملاء - بينما حسمت قراري في ثانية واحدة حين لاحت نذر انهيار الكمبيوتر القديم بعد شيخوخة تعتريه منذ سنتين حتى فقد النطق أخيراً بما أوجب الاستبدال الكامل بديلاً عن الترقيع...... وهكذا.
    يصيبني هذا بالضيق أحياناً، أي اضطراري للتضحية بدرجة من الرفاهية المادية من أجل متع معنوية (القراءة، التواصل مع الناس عن طريق الانترنت، سماع الموسيقى.... الخ) أو من أجل تأمين الرفاهية المادية حين يعلن جسدي أنه لا يستطيع تحمل التقشف.. إلا أن عقلي الاقتصادي الذي يوجهني لسلوك "المستهلك الرشيد" كانت له دائماً الغلبة..
    ---
    فيم كان التساهل إذاً وتفضيل اليوم على الغد والانسياق وراء صغائر كنت أتركها من قبل وسأعود إلى تركها، شئت أم أبيت، عما قليل؟
    الجواب: كنت مصاباً خلال الأسبوع الفائت بنوبة ذهول أربكت حساباتي فرحت أرتكب الحماقات كالمغيب..
    "لماذا أعد للمستقبل إذا كنت سأموت؟!" - هكذا سألتني نفسي..
    الموت نفسه لا يخيفني في شيء، فقد تخلصت من اللا أدرية والشك بشكل كامل، إلا أن حضوره المبكر يفسد خطتي فقد كنت أنوي التمتع بحياة سعيدة لأطول فترة ممكنة كتعويض عن عقدين ونصف من الحزن المستمر، وكنت أرى بين الناس بعض النماذج في العقد التاسع أو العاشر من العمر يتمتعون بصحة جيدة فأشعر بارتياح أن نيتي قد تتحقق!
    أشرت في المرة السابقة إلى اختبار طبي أجريه للالتحاق بمؤسسة مالية أخرى سوى التي أعمل بها، وقد أظهرت نتائج الكشف إن كل شيء تمام وأنني لائق للعمل ولكن هناك مشكلة بسيطة علي أن أواجهها: بلهارسيا!
    عرفت الآن سبب انتمائي للفلاحين والبسطاء وتأكدت لي وطنيتي حيث أشارك الناس هذا المرض المتوطن المحب لمصر!
    المثير للسخرية أنني لا أنزل المياه أبداً، لا النيل ولا البحر ولا الترعة بالتأكيد! فهل تنتقل بشكل آخر غير الذي درسته في الإعدادي؟ هل هو ماء الشرب أو الأطعمة؟
    سأواجه الأمر وأستشير طبيباً متخصصاً أريه نتائج التحليل الذي أجريته للتأكد وتقرير الطبيب الأول إلا أن السؤال الذي حيرني: من أين أتتني العدوى!
    نجح الحكم منذ السبعينات في تحويل الشعب المصري إلى كتلة بشرية ضخمة مريضة ويصور الأمر وكأنه لا توجد حلول جذرية، لأن القائمين على الأمور لا يودون إيجادها، وعلى من يود الحفاظ على صحته أن يهرب إلى تجمعات الأغنياء الآمنة Compounds أو تفترسه الشكوك والوساوس بغير رحمة..
    المشكلة أن المرء حين يفكر بشكل علمي في احتمالية انتقال الأمراض يجد أن الاحتياط الكامل مستحيل والناس تدرك هذا ولكنهم يتصرفون بشكل طبيعي وكأنه لا خطر هناك - مما يزيد الانتشار - مع تطمين النفس بكلمات مثل: "خليها على الله" أو أن يقرأ الواحد منهم البسملة قبل الأكل مثلاً ليحميه الإله.. ما عسى شخص مثلي أن يفعل إذاً؟!
    تسبب لي أحد دروسي في مشكلة كبيرة ذات مرة، وبلغ الألم مدى لا يحتمل، رغم الكيتوفان والبروفين، وكان المانع هو عدم وجود أجهزة تعقيم عند أطباء الأسنان فالفعال منها غالي الثمن سينعكس على ثمن الكشف ما سيمنع وجود الزبائن وبالتالي لا يشترونها ويستبدلون ذلك بالاعتماد على الله كحل غير مكلف!
    حين استسلمت في النهاية وذهبت للطبيب لم تهدأ نفسي إلا حين قمت ساعتها بتحاليل شاملة لأتأكد أنني لم أصب بسوء..
    والآن أكتشف البلهارسيا..!
    ---
    أجبت السؤال، بعد تقدير خطورة الأمر، بأنني لن أموت الآن فالأمر بسيط على ما يبدو وله علاج، فسألتني هازئة: ولماذا تعيش؟!
    أنت الآن في الخامسة والعشرين وعلى قدم المساواة مع من تخرج عام 2008 - الذي تجاوز العشرين بالكاد - وعين معك في نفس الوقت لأنك في السنوات السابقة كنت تقوم بأعمال حقيرة رغم مرتبة الشرف كأزهري بلا واسطة. لا تملك علاقة إنسانية واحدة، غير عابرة أو محجمة، مع شخص واحد بغض النظر عن كنهها: أكانت صداقة أو حب أو بنوة أو أبوة أو جنس!
    وحيداً مع أفكارك التي لا يهتم لها أحد، ولا طائل من ورائها إلا المساهمة في عزلتك.. ماذا تفعل؟ أجبني! ماذا تفعل؟!
    أنت شخص تعمل بجد وإخلاص.. ما هو عملك هذا وكيف تعد ناجحاً فيه؟ أليس نجاحك يقاس بمقدار الأرباح التي أتيت بها من العميل المنتظم في السداد للمؤسسة التي تعمل بها، والتي هي جزء من أرباح الرأسمالي الذي مولت نشاطه.. أي جزء من فائض القيمة؟!
    إنه لمن الجدير بك أن تكون خجلاً مني - هكذا أنهت نفسي خطابها إلي!
    ---
    منذ فترة طويلة وأنا أضع الانتحار كخيار قائم وأفكر في الوسيلة الملائمة، هناك وسائل استبعدتها كقطع شرايين اليد أو ابتلاع كمية من حبوب المنوم، تلك وسائل أنثوية لا تليق بي. تقدم عليها الفتاة وهي تتمنى أن تفشل وتعلم أنها ستنقذ لتستدر عطف المحيطين بها!
    كذلك لن تكون المشنقة، ليس من اللطيف أن يدخل علي أحد الأشخاص فيجدني متدلياً من الحائط. لابد من وسيلة مهيبة كانتحار القادة العسكريين فإما طلقة مسدس أو جرعة سم. المسدس غير متوفر ومحاولة الشراء الشرعي أو غير الشرعي ستسبب المتاعب دون لزوم، ما يجعل السيانور حلاً للمشكلة رغم صعوبة الحصول عليه فكلما سألتُ صيدلانياً - أثناء صرمحة ما بعد منتصف الليل حين تكتسب الفكرة بريقاً أكبر - أشاح بوجهه عني أو ألقى علي محاضرة دينية!
    سأحسم أمري قريباً فربما قررت خلق معنى لحياتي بالكفاح المسلح ولكن ليس الآن فسأذهب أولاً للطبيب..!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأربعاء أبريل 01, 2009 10:00 pm

    الثلاثاء 31/3/2009..
    عدت اليوم إلى الميكروباص بعد طول غياب.. حاجة تقرف!
    هناك فرق كبير بين الميكروباص (وما يشابهه كأتوبيسات هيئة النقل العام) من جهة وبين السيارة الخاصة أو التاكسي من جهة أخرى، وفي رأيي أن الانتقال بالمواصلات العامة أفضل في أي مكان باستثناء دولة مصر الشقيقة..
    السيارة الخاصة لها ميزتها حيث الذهاب إلى حيث أريد بغض النظر عن إرادة سائقي التاكسي أو مشاعرهم العدائية تجاه بعض الأحياء السكنية، كما يمكنني فيها أن أستمع إلى الموسيقى التي أحب بشكل أجمل من سماعة الأذن، ولكن على الجانب الآخر هناك متاعب القيادة في مصر حيث تضطر إلى مخالفة قواعد المرور - وإلا دهسك رفاق الإسفلت - وتلقي الشتائم وإصدارها والتحسب لحمار قادم في الاتجاه العكسي يستعجلك بالكلاكسات أن تفسح له الطريق ويلعن سنسفيل جدودك!
    التاكسي يريحك من كل هذه الهموم فأنت جالس مستريح من تلك المشاكل لا تفكر أبداً أين ستترك سيارتك، ولا تسترجع المناقشة اللطيفة مع الميكانيكي وهو يغالطك في حساب التصليح. تستمع إلى موسيقاك وتقرأ كتابك فلا تشعر بالطريق الممل المكتظ بالسيارات التي تتحرك بسرعة 1 كم في الساعة! ولأني أقارن بين الوسيلتين من زاوية المنافع العائدة علي ولا تمثل السيارة لي تطلعاً طبقياً ولا اهتماماً بما سيقوله الناس عني حسب بلد منشأها والعلامة التجارية التي تحملها فأنا أفضل التاكسي وأخرجتها من جدول تطلعاتي..
    ---
    يفترض أن الفارق الوحيد بين الميكروباص والتاكسي هو اضطرارك إلى قطع مسافات أكبر على الأقدام كتلك الواصلة بين بيتك ومحطة الركوب وهذا شيء إيجابي من زاوية الصحة العامة فالمشي مفيد وأنا أحبه، ولكن هناك من الخصائص المصرية العظيمة ما يجعل الجحيم هو الميكروباص، فتقول حين تغضب: "ما هذا بحق الميكروباص" وتصرخ في نهاية إبداء رأي ساخط عن مسخرة القمم العربية الدورية: "ليذهب كافة أصحاب الفخامة والسمو القادة والملوك والرؤساء العرب إلى الميكروباص"، وهكذا..
    وفيما يلي بيان بأهم الفروق:
    1- يقوم عفاريت الإسفلت بتركيب كراسي إضافية لتنمية الإيراد ما يمثل حشراً للزبائن طوال القامة يسبب الاختناق وانفلات الأعصاب خاصة حين تنشأ بين الكرسي وملابسك علاقة آثمة فيتمسكان ببعضهما ويحولان دون نزولك ويترك بنطلونك قطعة منه كتذكار لمسمار المقعد، وفي التاكسي تجلس مرتاحاً تماماً ما دمت بجوار السائق ولو جلست في المقعد الخلفي فأنت ونوع السيارة.
    2- من الممكن أن تطلب من سائق التاكسي أن يخفض درجة صوت الكاسيت فيستجيب، بينما يعتبر سائق الميكروباص أن من حقه أن يطلعك على ذوقه الموسيقي بالعافية ويسمعك وجهة النظر القائلة بأن "الدنيا خربانة.. يا عم خربانة" أو تلك الملحمة العظيمة التي يعاتب فيها المطرب زوجته التي نست بيتها وأولادها وانساقت وراء الشيطان فنامت مع صديقه الخائن، أو مقرئ سعودي أخنف أو خطبة لمحمد حسين يعقوب أو محمد حسان عن الآخرة أو تبرج الفتيات أو علامات الساعة أو "انتا ما بتصليش ليه.. أنا بقى حخليك تصلي". يؤمن السائق كذلك أن ليس من حقك الامتعاض أو الاعتراض فإن فعلت زاد من علو الصوت نكاية فيك أو طلب منك النزول إن لم يعجبك هذا الوضع.
    3- في الميكروباص يتعاطف الركاب مع السائق ضدك ويسألونه الهدوء وتجنب تعكير دمه ويوجهون إليك اللوم والتقريع مطالبين إياك أن تلم نفسك علشان "عاوزين نوصل أشغالنا / نروح"، بينما في التاكسي لا يوجد مواطنين غيرك.
    4- في التاكسي لا يوجد متسع لشخص آخر حتى يجلس على حجرك.
    5- في أوربا والدول المتقدمة - غير إنهم بيدخلوا الحمام على أنغام الموسيقى وبياكلوا مع الكباب طحينة - لو انتا رايح تركب ميكروباص وكنت المواطن رقم 46 في الموقف مثلاً، والسيارة التويوتا حمولتها أربعة عشر راكباً فستقف محترماً تنتظر السيارة الرابعة لتكون الراكب الرابع فيها، أما في أرض الكنانة فستقف متربصاً بمن حولك وبالسيارة القادمة وسيفرح السائق بارتفاع الطلب عليه ويتعمد هد حيلك وحيل الآخرين بالجري وراءه وستركض وتزاحم وبعد أن تنتصر وتظفر بمقعد يأمركم جميعاً بالنزول ويقول "العربية مش طالعة يا حضرات" علشان مزاج أمه كدة!
    ملعون أبو الفلس!
    مشكلة التاكسي الوحيدة هي احتياج السائق للكلام، وهو احتياج أتفهمه وأتعاطف معه، ولكنني في المقابل أحتاج إلى الصمت خاصة أن الحديث عن المرور أو تعنت ضباطه أو الضرر العام الذي تسبب فيه التوك توك (وريث حنق سائقي التاكسي بعد الميكروباص لأسباب وجيهة).. كلها أمور لا تثير اهتمامي والكتابة عن أحلامهم ومتاعبهم أضحت مستحيلة في تقديري على أي كاتب بعد الكتاب الممتع "تاكسي.. حواديت المشاوير" لخالد الخميسي..
    عموماً بسيطة، فكلها عشر سنين وأبقى رئيس مجلس الإدارة – وفق إفادة المدير سابق الذكر في ورقة سابقة – وساعتها هتجيلي عربية بسواق، ما بيفتحش بقه، لحد باب البيت!
    ***
    غريب حال الدنيا. كان 30/3 يوماً مميزاً عندي فهو ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ. كان مطربي الوحيد في الابتدائي ثم الأثير في الإعدادي وراحت مكانته تقل مقارنة بغيره..
    اقتصر التأثير الآن على أعمال نادرة للغاية، فالفجوة كبيرة في غير صالحه على مستوى الصوت والكلمة واللحن..
    ***
    البنت اللي في إعلان سفن أب الجديد دي جامدة أوي!
    زي القمر، رائعة، بديعة!
    ***
    نجحت بعض اللمسات الطريفة في التخفيف عني فقضيت يومين جيدين هذا الأسبوع. استمعت بواسطة أحد الأصدقاء إلى تسجيل صوتي تم تركيبه على صور من خطاب قديم للسادات داخل مجلس الشعب. الصوت لشاب بارع في تقليده للعميل الراحل وكان يتحدث عن وزارة لابد من إنشائها للحشيش! وكان موضع الحيرة من يتولى الوزارة ومن يتوجب استبعاده - من أهل العهد الحالي - مع تبيان الأسباب واستخدام مؤثرات صوتية إسكندرانية!
    رهيب هذا الإنسان! فلم أضحك بهذا الشكل منذ خمس سنوات على الأقل..
    ---
    ذهبت كذلك إلى طبيب صغير السن في مستشفى فقير جداً عندنا في إمبابة أحكي له ما حدث وأطلب منه تسمية التحاليل اللازمة لأعرف بالضبط حالتي وكيفية مواجهتها فإما أن أذهب بالنتائج إلى طبيب متخصص في الكبد إن كانت هناك مشكلة إضافية أو أتناول الأقراص الأربعة الشهيرة وخلاص...
    [راجع إعلانات وزارة الصحة الإرشادية في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من إخراج جمال شنن - مخرج إعلانات طعموا ولادكو وريحوا بالكو بتاعت شلل الأطفال ومحلول معالجة الجفاف بتاع كريمة مختار:
    عبد السلام محمد هو الفلاح المصاب بالبلهارسيا عشان ما بيديش ضهره للترعة - أنا دلوقتي - ومحمد رضا هو الفلاح الواعي المكلبظ اللي بيختم كل إعلان بعبارته المأثورة: طول ما ندي ضرنا للترعة، عمر البلهارسيا ف جتتنا ما ترعى!]
    كان يسمعني وأنا أحكي القصة وأشرح له مخاوفي وأطلب منه الاحتمالات وعلى وجهه رد فعل كأنه سمكة أخرجت من البحر منذ دقائق تصارع الموت وقبل الاستسلام له تساقطت عليها قطرات من الماء رفعت منسوب الأمل داخل روحها!
    ---
    كما اضطررت يوم الأحد إلى البقاء في المكتب حتى الواحدة بعد منتصف الليل. أو الحق أنني تعمدت البقاء والانغماس في العمل ربما أنسى قليلاً، وقام الأمن بإطفاء الأنوار كلها في جميع أنحاء المبنى باستثناء المنطقة المحيطة بي. وحين خرجت حييت موظف الأمن نصف النائم وتركته وحيداً تماماً ثم تذكرت أني نسيت مفتاح الشقة فعدت أتحسس خطواتي على السلم في ظلام دامس..
    ما أن فتحت الباب ودخلت حتى انتابه هلع كبير انعكس على الأصوات التي خرجت منه ولم أتبين منها إلا "سلام قول من رب رحيم"!
    افتكرني عفريت!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد أبريل 12, 2009 2:54 am

    السبت 11/4/2009..
    كتبت من قبل عن ضرورة التخلي عن عادة البحث عن شخصية تمثل حياتي في الأعمال الأدبية التي أقرأها ووضحت الأسباب المبررة لاستحالة مصادفة شيء كهذا، غير أن "عصام عبد العاطي" يملك من القدرة على إثارة الانتباه ما يصعب مهمة تجاهله..
    منذ فترة قابلت الكاتب الجميل علاء الأسواني. كان يرتدي ملابس مريحة ويمارس رياضة المشي على النيل في الشارع الهادئ بينما يستمع إلى الموسيقى من خلال راديو أسود غريب الشكل كبير الحجم! اقتحمت عليه خلوته وحييته فأجابني بأدبه الجم باسماً..
    [أرى الكثير ممن يسميهم المجتمع "نجوماً" هذه الأيام ولا أحاول الحديث مع أحدهم لسببين: الأول أن أغلبهم لا يستحق الالتفات أو الاهتمام، والثاني مبدئي يحترم حق الشخص المشهور في الخصوصية وعدم التعرض لإزعاج أو مقاطعة لنشاطاته الحياتية.. غير أني لم أستطع مقاومة محادثة الأسواني لما له في نفسي من مكانة مذ قرأت "عمارة يعقوبيان" وحتى الآن]
    سألته عن آخر أعماله الأدبية فقال أنه يعد أحدثها وأن دار الشروق قد نشرت له المجموعتين القصصيتين السابقتين على يعقوبيان تحت الأشهر من العنوانين وهو "نيران صديقة"، وبعد أن تركته كان أول ما فعلت شراء الكتاب..
    ---
    هناك محور أساسي في أعمال الأسواني، وقد قرأتها جميعاً، هو الظروف التي يعانيها الأكفاء في مصر وأثر ذلك السلبي عليهم وعليها، وحالة عصام عبد العاطي المستوحاة من حياة إنسان اختلط به كثيراً وأثر فيه - اسمه محمود محمود محمود أو محمود تريبل كما كان يطلق عليه - تعد نموذجاً بارزاً لذلك..
    الشاهد هنا هو التشابه المذهل - في بعض العموميات وأغلب التفاصيل - بيني وبين عصام، وهو الداعي إلى ذكر هذا الكتاب تحديداً من بين ما أقرأ حالياً - وهو كثير وسيزداد كلما اقترب ميعاد الامتحان يونيو المقبل، ولكن الأهم منه مواضع الاختلاف..
    ---
    عصام مصاب بالفصام وجنون الاضطهاد، يرى نفسه عبقرياً فذاً لا مثيل له والآخرين جميعاً أقل منه شأناً يبذل جهده للابتعاد عنهم والحفاظ على الجفوة لأنهم يتسمون بالحقارة في رأيه ويتفقون على كراهيته لنبوغه وتدبير المؤامرات للإيقاع به. كما تتلاشى الحدود لديه بين الواقع والخيال يرى أشخاصاً لا وجود لهم - يحتاج إليهم ولا يجدهم - ويسمعهم ويتبادل معهم الحديث والتواصل بأشكاله المختلفة وهو ما انتهى به في النهاية إلى الجنون..
    أنا على العكس منه، أو لنقل ابتغاء للدقة أنني كنت معرضاً للتردي إلى ما وصل إليه وأنقذني "عقلي"، فظروف كلينا التي خلقت شخصياتنا، وإن تقاربت، مختلفة وكان الاختلاف لمصلحتي ولو أردنا صياغة ذلك بعبارة ميتافيزيقية بلهاء نقول أن "حظي" كان أفضل!
    الفرق بينا على محورين: النظرة إلى النفس والغير - وهو محور واحد يجمع عنصرين بينهما ترابط جدلي، وردة الفعل تجاه الأحلام والإحباطات...
    (1)
    أنا شخص ذكي ولدي مقومات الفهم الجيد والتعبير عما فهمته واستخدامه في الحياة العملية بنجاح ملحوظ. لا أعتبر نفسي كذلك لغرور أعاني آثاره، بل أراني عادياً، وإنما هي المقارنة مع الأقران يجريها غيري، ويبالغون كثيراً. لا أعد نفسي الفذ أو العبقري وأسعى دائماً للاستفادة من هؤلاء الأفذاذ حقاً وأعرف لكلٍ قدره..
    تعرضت لظلم بين، تلك حقيقة مؤكدة، وكنت في الماضي أعتقد أنني مضطهد تدبر ضدي مؤامرة، ليس من الناس وإنما من القوى العلوية! وحين كبرت وفهمت واختلطت بالناس وعرفت مآسيهم عرفت أيضاً أن ما أتعرض له وكل ما يضايقني مسائل تافهة، جداً، مقارنة بما يعانيه البؤساء والمعدمون، فهؤلاء هم المضطهدون حقاً..
    وبالنسبة لهمومي أنا الخاصة فهي مشتركة في إطارها العام مع شباب الطبقة المتوسطة في مصر وفي تفاصيلها مشتركة مع المثقفين منهم، أي أن كل ما أعانيه ليس خاصاً بي كما كنت أعتقد وأنا مراهق في الإعدادي والثانوي. أما القوى العلوية فغير موجودة لتضطهد أحداً أو تميزه!
    ---
    علاقتي مع الناس جيدة جداً على العكس من عصام. هو أصبح مكروهاً لأنه متميز فعلاً ومتكبر. الناس لا تكره المتكبر إن اعتقدوا أن سلوكه هذا بغير مبرر. ساعتها يشفقون عليه أو يتجاهلونه لتفاهته في نظرهم، أما إن تعاملت مع أحدهم بتعال وهو يرى أنك أفضل منه فأنت تذكره بما يعتقد في وجوده من فرق بينكما ويكون رد فعله هو الكراهية..
    أنا لا أتصرف بتكبر لأنني لا أعتقد أنني أفضل من أحد، فبالإضافة إلى أنني أعرف قدراتي الحقيقية ولا يوقعني المديح في الأوهام حين يصفني شخص مبهور - لاتساع المسافة بيني وبين ما اعتاد أن يراه ويتعامل معه - أستطيع تفهم أوضاع الآخرين وأعرف أن كثيرين من منخفضي الكفاءة في مجال العمل/الدراسة... لديهم قدرات غير مستغلة لأن النظام التعليمي والاجتماعي في تلك المزبلة جنى على عقولهم..
    ما يحدث فعلياً أن أوصف في البدء أنني متكبر/أنزوح/تِنِكْ/أليط... لمجرد أنني متحفظ في إنشاء علاقات مع الآخرين - وقد حاولت شرح الأسباب من قبل - ولما كان الانطباع الأول لا يبرر هذا من وجهة نظرهم، لما يدل عليه مظهري من رقة الحال، يؤخذ الأمر بسخرية - كأنني "كحيت" أحمد رجب! - تنقلب مع الوقت، مع ممارستي للعمل، إلى كراهية تتقلص مع الوقت حتى يتبدد وهم التكبر هذا إلى حقيقة البساطة والتواضع وكما أن المعادلة الآتية صحيحة تماماً: تميز + تعالي = كراهية الآخرين، فإن الآتية أصح: تميز + بساطة = محبة الناس..
    ....................
    ....................
    على وجه العموم، فأنا شخص مثير للارتباك، لا لشيء يميزني وإنما لأن الناس تحكم على الواقع وفق القوالب الموجودة في رأسها بينما الواجب أن تشكل قوالبها من خلال الواقع: مرنة تضيف إليها وتحذف وتعدل كلما جد جديد على قاعدة البيانات. يعتقد الشخص حين يعرف موقفي من العقيدة، مثلاً، أنني بلا أخلاق كنتيجة لـ "قالب" الملحدين الذي زرع في رأسه دون أن يرى واحداً منهم في حياته، ولما يتعامل معي ويكتشف العكس بالضبط يفسر الأمر - لأنه لا يفهم ولا هو بمستعد لتغيير الأوهام المسبقة - بأن النور الإلهي داخلي لم يطمس نهائياً بعد وأن الأمل موجود أن أعود إلى حظيرة الإيمان... وهكذا.
    ....................
    ....................
    أستطيع أن أجازف بالقول أنني شخصية محبوبة بخلاف عصام ومن ثم لا أكره الناس فلم ألق منهم إلا كل محبة وعناية..
    على اختلاف التجمعات التي قادتني الحوادث إليها في حياتي الماضية كان سلوك الآخرين تجاهي، ممن اتصلوا بي لفترة كافية، إيجابياً، فأنا بالنسبة إليهم شخص يأنسون إليه ويجدون راحة في الكلام معه ويهتمون بحاله ويتمنون له الأفضل لصفات حسنة يرونها فيه. هذا الموقف الموحد قائم رغم تنوعهم بين المهنيين من الطبقة المتوسطة كالمهندسين والإداريين، والطلبة المغتربين ذوي الأصول الريفية البسيطة وأكثرهم معدم، والقادمين من بعثات دراسية في فرنسا، ومن تغير وضعهم الطبقي بسبب التسلق الطفيلي أيام انفتاح السبعينات، وعمال التراحيل "الفواعلية" حين كنت أنتقل مع مشروعات البناء في المحافظات عام 2007، وحتى أحفاد العائلات الإقطاعية الغارقين حتى الآن في أوهام أيام الملكية!
    خليط عجيب متنافر!
    ومن ناحيتي أتعامل مع الجميع على قاعدة أن كل منا قابل للتشكل على هيئة حسنة أو سيئة وأن أسوأ الناس وأكثرهم شراً به من نوازع الخير ما يمكن اكتشافه وتطويره. لم أحصل من كل من قابلت إلا على أفضل ما فيه وكثيراً ما اختلف زميلان في العمل في كل شيء وشب بينهما العداء ولم يبق بينهما من جامع إلا مودة يكنها كل منهما لي وأكنها له..
    مشكلة عدم تطور علاقة الود ترجع إلى عوائق من عندي أنا، سبقت الإشارة إليها في ورقة قديمة، تجعل فترة إذابة الجليد وتبدد الأوهام طويلة جداً وتصادف أنه ما أن تنتهي حتى أكون قد تركت المكان إلى غيره.

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد أبريل 12, 2009 3:00 am

    (2)
    عصام محبط وكذلك أنا، نتفق في أن أيامنا أليمة نتوق فيها إلى أبسط درجات الفرح ولا نظفر منه بأي قدر، نحلم بغد لسنا متأكدين من إمكانية قدومه ومن ثم جدوى الانتظار..
    لقد تعب هو وأصابه السأم وكنتيجة لتلك الحالة اختلط عنده الواقع بالخيال واستدعى أحلامه لتصير واقعاً. بالنسبة له هناك أشخاص يحبهم ويحدثهم ويتفاعل معهم ويعيش حياة صاخبة بكل ما فيها من فرح وحزن، وبالنسبة للناس هو مجرد مختل يحدث نفسه طوال الوقت..
    أنا كذلك أحدث نفسي كثيراً ويأخذ هذا شكل حديث أوجهه لشخص آخر غير محدد، وكما ذكرت في البداية، فالفرق بيني وبينه أنني انتبهت للخطورة وجعلت عقلي الحاكم يفصل ويسيطر..
    ....................
    ....................
    أشرت إلى تلك الحالة وأنا أكتب تقديم المدونة:
    "كنت في الماضي، وإلى حد كبير لا أزال، شديد الانطواء، تسببت نشأتي في صعوبات أعانيها في التواصل مع الآخرين، وقد أدت تلك العزلة ضمن ما أدت إلى نشوء عادة الكلام مع النفس..
    ما أن أجد فرصة للانفراد التام بنفسي، حتى أنطلق بفرحة آثمة كمراهق يتحسس طريقه إلى الشباك بعدما أطفأ نور غرفته ليشاهد جسد جارته اللعوب من خلف الشيش وهي تمسح بلاط شقتهم!
    فإذا ما تأكدت من أن أحداً لا يسمعني، اعتدلت في وقفتي، وارتسمت ملامح الحكمة على وجهي، ورحت أشرح لكائن وهمي نظريتي في أحد شئون الحياة، متخيلاً ردوده، مصغياً لها، ثم مفنداً، وأسعد للغاية في نهاية المطاف حين يخرج من نقاشه معي مقتنعاً!"
    ....................
    ....................
    هو تنفيس عن ضغط احتياجي للكلام دون أن أجد من يصلح للتلقي، وقد أدركت خطورته واحتمالية تطوره للأسوأ فوضعت تصرفاتي تحت المراقبة ورحت أحلل دوافعي وأحلامي، وقد بلغ نجاحي حداً مرعباً فكأنني قتلت عقلي الباطن!
    لم يعد له من متنفس حتى أثناء النوم فالحلم عندي أصبح تجسيداً سينمائياً للاحتمال الذي رجحته قبله لصيرورة حدث معين، دون زيادة أو نقصان، أو تفصيلات خيالية تتجاوز العوائق المادية!
    هو اختار "الهرب"، وأنا اخترت "المواجهة" فإما صنع مستقبل أفضل أو الانسحاب بهدوء من المعترك..
    ولو أنني أحسست منذ فترة أن اليقظة والمنام بينهما بعض الترابط فقد رأيت في الحلم أني أغتصب إحدى الزميلات! هذا النوع الذي يقتصر على إزاحة التمنع بالقوة فتظهر الموافقة المستترة.. وحين جلست إلى مكتبي والتفت خلفي لم أجدها وعرفت أنها ذهبت في أجازة لأداء العمرة!
    الشاهد هنا إني قربت ألسع زي عصام لأني قعدت نص يوم فاكر إنها راحت تتوب!
    ***
    خبر جيد..
    بعد تحاليل مستفيضة لوظائف الكبد وكل ما يتعلق به من فحوصات تبين إنه شغال كويس وبيؤدي وظايفه زي الحمار، وأن البلهارسيا، من خلال التحليل الخاص بها، ليست موجودة حالياً على الأرجح. أما وجود مضادات البلهارسيا في الدم فيبدو تأييداً لوجهة نظر المختص كاتب التقرير الملحق بصورة الأشعة التلفزيونية على البطن أن ما أعانيه مجرد بقايا بلهارسيا قديمة شفيت منها من قديم..
    [مش فاكر أي حاجة حصلتلي زمان تجيب بلهارسيا، اللهم إلا إني أكون لقيط والراجل الطيب اللي بقوله بابا ده كان معدي زمان وهو رايح شغله، في الأرياف، وشاف واحدة بترمي عيل في الترعة فنزل وأنقذني وصعبت عليه فخدني رباني!]
    نصحني الطبيب، صاحبنا السمكة اللي حكيت عنه قبل كدة، أن أتناول الأقراص الأربعة بتوع محمد عبد السلام من باب الوقاية وأكررها بعد أسبوع ثم أعيد تحليل المضادات بعد 3 شهور فإن كان الرقم كما هو أو أقل فعلي أن أطمئن وأكتفي بمتابعة دورية نصف سنوية..
    في كل الأحوال قررت أن أجري فحصاً طبياً شاملاً مرتين كل عام. سأسأل عن التكلفة وأدخرها من المرتب الشهري وسأبحث عن باب للنفقات قابل للضغط.
    ***
    بمناسبة يعقوبيان فقد دخلت العمارة - 34 شارع طلعت حرب - قبل يومين!
    منذ قرأت الرواية وأنا حموت وأتفرج عليها من جوة، وزادت لهفتي حين شاهدت الفيلم. بواب العمارة رجل أشيب طيب له شارب رمادي في العقد السادس من العمر. حاولت معه مرة والعرض مستمر في السينما والضجة على أشدها لكنه لم يكن مستعداً على ما يبدو...
    - سلامو عليكو يا حاج
    - أهلاً!
    - هي دي يعقوبيان بقى؟ [سألته مبتسماً]
    - الله يخرب بيت يعقوبيان واللي جابوا يعقوبيان، ما جانيش من وراه غير البلاوي ووجع القلب!
    تركته ساعتها دون أن أخبره برغبتي في الصعود، وحاولت كثيراً أن أغافله إلا أنه كان دوماً رابضاً أمام الباب!
    أول أمس كنت هناك أتسكع في وسط البلد كما هي عادتي بعد منتصف الليل، ورحت أسأل البوابين عن إيجار الشقق بالنسبة لشخص يود العيش بمفرده هنا - خاصة بعد أن قام بعض القطط السمان بشراء عمارات هناك - وأجمعوا على أن الشقق هنا يتراوح عدد الغرف فيها بين أربعة وثمانية ولن أستطيع تحمل الكلفة ومن الممكن أن أبحث في عابدين..
    المهم، حين وصلت عندها كانت رغبتي لا تقاوم وهو ما يزال واقفاً بمعطفه الأسود فحييته وطلبت منه أن أدخل لأشاهدها من الداخل فسمح لي وعلى وجهه تعبير يدل على عدم مشاركتي الرأي أن بها ما يستحق الفرجة وأنني راجل عبيط!
    رحت أتأمل كل تفصيلة وأصعد بهدوء على السلم العتيق وفوجئت كثيراً حين لم أجد بين الأسماء المحفورة على اللافتات اسم زكي الدسوقي أو حاتم رشيد ولما لم أصادف طه الشاذلي أو أبسخرون أو بثينة السيد على السلم! صعدت مبهوراً في رحلة استغرقت نصف ساعة حتى وصلت إلى الطابق الأخير..
    السطوح فين؟! رحت أتلفت حولي إلى أن وجدت سلماً حديدياً ملتوياً صاعداً إلى أعلى. سأشاهد أخيراً الغرف الصغيرة التي أضحت شهيرة. رحت أتحسس الخطى..
    هناك باب خشبي أمامي، فتحته بحرص فلم أجد فراغاً سقفه السماء كما كنت أعتقد وإنما كنبة بلدي وصوت ماء يجري من الحنفية وامرأة تعد شاياً وتغني..
    عوج الطاقية الوله وبص ليا
    وقال كلام في الهوى ورماه عليا
    شال الهوى فرحتي بعتر ضفايري
    وأنا لا حول ولا حاجة في إيديا
    ما العمل؟!
    إما أن يذهب الجهد هباء وأعود من حيث أتيت أو أدخل عليها سائلاً عن كيفية الولوج إلى السطوح. كنت ميالاً للخيار الثاني معجباً بصوتها أود لو شاركتها الغناء لعفاف راضي أتحرق شوقاً لكوب من الشاي، إلا أن ردة فعلها غير مضمونة فقد لا تتفهم الوضع وتعتقد أنني حرامي فضلاً عن حقيقتي كمجنون! محزوناً قررت الرحيل..
    حاولت إغلاق الباب إلا أنه عصلجج! مش عايز يتقفل. وبعدين بقى؟ ضميري واجعني مش عاوز أسيبه مفتوح وخايف الست تحس بيا وتتخض وتصوت لو حاولت تاني. ضميري تغلب في النهاية وقمت بشد الباب ناحيتي بحسم فراح مزيق بصوت عالي!
    قلبي وقع في رجلي وتركت الباب دون تفكير مطلقاً ساقي للريح!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة أبريل 24, 2009 3:55 pm

    الخميس 23/4/2009..


    انعقد لساني!


    تلقى أبي خبراً آلمه فقد توفي قريب له يحبه ولم أعرف ماذا أفعل لأواسيه..


    خضت تلك التجربة أكثر من مرة وفيها كلها كنت حاضراً بالاسم والصلات التي يرسمها المجتمع دون شعور بألم "الفقد"، بل إحساس الإشفاق على ذوي المتوفى ليس غير وكأن لا تربطني بهم صلة إضافية تسمح بما هو أكثر من التعاطف الإنساني، وما هذا بغريب..


    أن تحب شخصاً فتلك مكافأة له على ما يتحقق لك من نفع بواسطته أو تعاقبه بالكراهية إن كان ضاراً وعلى هذا الأساس يتحدد موقفك من اختفاءه؛ فإن كنت له محباً تحزن لفقدان ما كنت تجني أو ترتاح لانتهاء المعاناة إن كنت من الكارهين..


    ما حصل مع عمتي، وعمي، وخالتي، وخالي، أن الصلة بين أسرتي الصغيرة وأسرهم كانت مقطوعة كلياً تقريباً وذلك قبل ولادتي أصلاً فالحاصل أني كنت بالكاد أعرفهم وليس هناك، بالتالي، ما يدعو للمحبة أو الكراهية حيث لا نفع ولا ضرر..


    هذا الإنسان مات كما يموت الناس فلم أتأثر إلا بالقدر المساوي لنفس رد الفعل حين أعرف وفاة أي شخص، ولكن الأمر عند أبي مختلف بطبيعة الحال فقد عرفه لفترة طويلة وله معه حكايات وذكريات ومواقف..


    ماذا أقول؟! أأقول له مثلاً أن الأعمار بيد الله وأن تلك ساعته وقد صعدت الروح لخالقها؟ أم أتمنى للفقيد الجنة؟ أم ألفق أي كلام لأثبت أن قلبه كان يشعر وأحكام القدر لعبت دورها في المكان والزمان والكيفية على نحو معين كما يحلو للآخرين الفعل بتصديق لتلك المسائل.. أم ماذا؟!


    أحسست بأن كل هذا لا ينفع خاصة أن أبي يعرف موقفي ولو قلت ما لا أعتقد فيه لن يقع هذا من نفسه موقعاً طيباً فضلاً عن أنني لست في حالة نفسية تسمح بأي تحامل على النفس فاكتفيت بجملة واحدة لم أقل غيرها: "البقية في حياتك"..


    ---


    تطورت الأمور معه أكثر مما قدرت لها، فالمتوفى أصغر منه سناً وراح يتذكر إخوته وأقاربه الراحلين ورسالته هو التي يود الاطمئنان على حسن إتمامها وخلص بعد تفكير - وصلتني نتائجه عن غير طريقه - إلى أنني لا أحبه وأكن له بغضاً وهذا يسبب له من الألم الكثير..


    [يعود الأمر إلى يوم كنت مستفزاً فيه إلى أبعد مدى ودار حديث لا أذكر مناسبته ورد فيه على لساني رأيي في بعض أفعاله الماضية التي أثرت سلباً عليّ وعلى غيري متضمناً بعض الأوصاف كالأخطاء والخطايا. المشكلة أنني نسيت ما قلت ساعة الغضب بينما ظلت الكلمات عنده باقية تترك أثرها رغم مرور الأيام والشهور]


    هذا الضغط العصبي هو آخر ما أحتاجه هذه الأيام!


    لم أقرر بعد ما سأفعله لكنني قررت على الأقل محاولة فهم تلك العلاقة بيني وبينه..


    ---


    الحق أن شعوري نحوه أكثر تعقيداً من أن يوصف بكلمة واحدة، ولا يعني هذا أن النموذج التحليلي الذي وضعته فشل في تفسير مشاعر ينبغي له أن يفسرها وإنما العكس هو الصحيح..


    لقد تسبب لي بأفعاله في أضرار بالغة وما أعانيه كله حين أخضعه لنظرة عقلانية ومنصفة مستبعدة للأوهام يتبين بوضوح أن أبي فيه هو السبب، ولكن - في الوقت ذاته - فإن محاولاتي للتغلب عليه تسببت في نتيجة هي "أنا" وهي نتيجة أشعر نحوها بارتياح معقول، ولا أكون منصفاً بحال لو اعتبرت ألا دور له في هذا!


    ....................

    ....................


    مثال يصلح للقياس عليه: من عيوبه تشبثه برأيه إلى أبعد مدى، وإيمانه ببعض الأمور التي لم تتغير منذ أربعة عقود مثلاً؛ يعتقد أنها الصواب المطلق ومتابعته للجديد تنحصر في محاولة إثباتها لنفسه وللآخرين..


    تلك صفة من صفاته تسببت في قرارات مدمرة وفوتت كل فرص المراجعة والتحسين التي كانت قائمة ولم تستغل. بغضي لها ومعاينتي الفعلية لما تستطيع إلحاقه من أذى بالنفس والآخرين دفعاني لنبذها تماماً، والحرص الشديد على مراجعة نفسي وأفكاري وسلوكياتي بشكل يومي واكتشاف مواطن الخلل دورياً والعمل على إصلاحها، وفلسفياً إلى اعتماد الشك المنهجي طريقاً وتقبل التغيير بصدر رحب ودون أدنى معاناة والتعبير ببساطة وبلا خجل عن عدم معرفتي بشأن من الشئون بلا عقد أو ادعاء معرفة لا أملكها..


    ....................

    ....................


    باختصار يتحدد موقفي منه وفق حالتي العامة الناتجة عن مدى الرضا الآني أو توقعاتي لحياتي القادمة؛ ففي ساعات سعادتي أو تفاؤلي أكن له الود وأتناسى أي شيء قد حصل، وفي غيرها، أغلب الأوقات، يتنازع نفسي السخط من جانب وامتناني كونه أكثر من يكن لي محبة في الدنيا من الجانب الآخر، ويتغلب في النهاية الامتنان رغم كل شيء مع بقاء غصة تعيق انسياب المشاعر..


    [لابد هنا من ملاحظة أن ما يتوهم أغلب الناس في الشرق أنه غريزي وفطري، من ضرورة الحب الخالص بين الآباء والأبناء، غير حقيقي والنموذج منطبق على كل علاقة إنسانية. ما يميز علاقة الآباء والأبناء أن الظروف المنشئة لعلاقة جيدة تكون متوفرة في "أغلب" الحالات، ما خلق الاعتقاد بفطرية الأمر]


    في كثير من الأحيان تغلبني الرغبة في احتضانه ثم لا أستطيع..


    يقتلني الحنين إلى أيام كانت صفواً خالصاً وكان يمثل لي فيها أهم ما في الدنيا. حين كنت طفلاً دون الخامسة يقص لي الحكايات قبل النوم إلى أن ينام هو وأنطلق خلفه بفرح غامر على الموتوسيكل أغني وأتلفت متشبثاًً بجنبيه أستقبل الهواء اللافح بسعادة لا يعكر من صفوها أي شيء حتى لو كانت وجهتنا طبيب العيون!


    ---


    القرار الجديد فيما يخص إنجاب الأطفال، بخلاف الموقف الرئيسي الذي وضحته من قبل، أن الفارق العمري بيني وبين الطفل لابد ألا يتجاوز حداً معيناً فلا أنجب بعد الثلاثين..


    لأكن واقعياً؛ هناك مجموعة من الشروط التي وضعتها للأمر ومنها جانب مادي لن أستطيع توفيره، إن استطعت، إلا لطفل واحد لا غير ويجب أن يتمتع حتى بلوغه السادسة عشرة على الأقل بأبوتي وأنا في كامل طاقتي الصحية والعصبية ودون أن تتحول محبتي له - المرشحة لتكون كبيرة جداً لكونه الوحيد ولتمثيله الكثير من التعويض - إلى عائق أمام حياته ومستقبله..


    باقي من الزمن خمس سنوات وخمس شهور وبضعة أيام!


    ***


    قضيت أجازة عيد القيامة المجيد وشم النسيم، موصولة بجمعة وسبت من قبلها، في البيت!


    قابع كنت أمام جهاز الكمبيوتر لا أود فعل شيء، اللهم إلا الاستماع إلى الموسيقى، وفي النهاية رحت أذاكر بلا حماس..


    بعد انتهاءها رسمياً، عند منتصف ليل الاثنين، تذكرت أني ذاهب إلى العمل صباح الغد ولابد من فعل شيء! ليس هناك من فرصة لأي نشاط إلا الفيلم السينمائي. أدرت اسطوانة "باب الحديد" للعبقري الراحل يوسف شاهين..


    لماذا هذا الاختيار؟ لمَ أعذب نفسي؟.. شاهدت الفيلم، العالمي، ورحت أطلب النوم دون فائدة فانتظرت ساهماً نور الصباح.

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الجمعة مايو 08, 2009 1:12 am



    الخميس 7/5/2009..

    إذاعة الأغاني باظت!

    من البداية ليست بالشيء البديع ويغلب على طاقمها الاستسهال واختيار المشهور المعروف وإعادة بثه وترك روائع حقيقية على الرفوف، ولكنها الآن تبحث عن الإعلانات وتحاول تتبع خطى "نجوم إف إم".. تلك الإذاعة الشنيعة الموجهة للشباب التافهين!

    أدرتها صباحاً وظننت أنني أخطأت العنوان حين وجدت شاباً وفتاة يتبادلان الحديث عن المرور والزحام على المحور ويطلبان رأي المستمعين في تلك القضية الخطيرة مع بث أغنيات معاصرة عبيطة!

    ***

    اعتدت الترفع عن صغائر الأمور مما يضايقني وتحويلها إلى مادة للتندر، إلا أن القدرة على هذا تتفاوت بين وقت وآخر..

    من الممكن تخيل ما أحاول فعله حين يتذكر الواحد منكم حالته وهو يتناول ملعقة من دواء الكحة: السعال يضايقك وتود لو تتعافى منه والوسيلة هي هذا السائل المِنيِّل تتجرعه لتشفى! ساعتها تكتم أنفاسك وتغلق عينيك وتتقلص عضلات وجهك وتحاول شغل نفسك بأي شيء آخر حتى ينتهي العلاج/العقوبة..

    لو أردنا مثالاً لهذا الأمر ننظر إلى حالتي مع اقتراب موعد اختبار معين يقيس إلمامي بشيء أفهمه وأكره اضطراري لدراسته. كلما اضطررت إلى المذاكرة أكثر زادت رغبتي في الهرب وأضحت القراءة أجمل والسينما أحلى وأظل أمني نفسي بما سيجلبه النجاح في هذا الاختبار وما يليه من نتائج إيجابية أتمثلها أمام عيني وأفتح كتب الدراسة جنباً إلى جنب مع كتب الفلسفة والأدب وأضع في الخلفية موسيقى هادئة. تنتج تلك العوامل مناخاً يسهل البلع ويخفف من سوء طعم الدواء..

    لكن أحياناً تضيق النفس بالأمر كله وقد نقذف الزجاجة لترتطم بالحائط أو نضرب حاملها "بوكساً" في عينه اليمنى!

    أحاول تجنب تلك الحالة وفي هذا نجاحي معقول جداً باستثناء أيام متباعدة كأيامي الحالية وعادة ما يكون لهذا سبباً تطفل علي من خارج الكرة الشفافة التي أعيش فيها منعزلاً عن المؤثرات قدر المستطاع، كأن أشاهد فيلماً إباحياً وأتفاعل معه حتى النهاية ويكون أول ما تقع عيني عليه بعد الهدوء تاريخ ميلادي المكتوب على بطاقتي الشخصية - التي لا أعرف ماذا أتى بها إلى سريري: 12/10/14، ثم أطالع نتيجة الحائط: 6/5/2009..!

    ***

    أنهيت رواية ممتعة، بديعة، هي "عزازيل" للباحث يوسف زيدان..

    لن أفسد متعة القراءة بسرد أية تفاصيل. عرفت أن هناك رواية تحمل هذا الاسم من خلال الضجة وحجم المبيعات، فاشتريتها وبدأت القراءة رغم أني لا أعرف الكاتب والمبيعات الكبيرة ليست دافعاً بحد ذاتها بل ربما هي مؤشر سلبي يزين الإحجام. اسمها غريب لم أعلم بعد أنه "الشيطان" ونقاد كبار يمتدحونها ودار النشر اقتبست بعض أقوالهم لتضعها على الغلاف الخلفي، وأنا في حالة ملل شديد فلا بأس من التجربة..

    الشعور الأول هو الغبطة، فها هو عمل كبير، صعب ومخدوم، شديد الرقي الأدبي من الناحية اللغوية ومن زاوية الترابط بين الأحداث والتشويق والرهافة الإنسانية.. ها قد حظي عمل بهذا الجمال بإعجاب شريحة واسعة من الناس فمصر بخير إذاً، وما هي إلا سويعات حتى اكتشفت كم أنا غافل ساذج غلبان!

    السر هو الجزء الأساسي من الأحداث التي تشكل المسرح الذي شهد حياة الراهب الطبيب الشاعر "هيبا". أعني الاختلافات بين مسيحيي الشرق في القرن الخامس الميلادي والقمع الشديد الذي تعرضت له وجهة النظر الخاصة بكون المسيح بشراً عادياً ميلاده دون أب مجرد "معجزة" إلهية وأن مريم ليست أم الله بل تم تكريمها باختيارها بين النساء لتكون طرفاً في تلك المعجزة وانتصار فكرة الأقانيم الثلاثة ذات الأساس المصري بقرارات قمعية تم إقرارها في مجمع كنسي وحرم القائلين بعكسها من أية مناصب وتجريم نشر كلامهم بين الناس!

    المسألة ببساطة أن المسلمين فرحانين والمسيحيين زعلانين! الكنيسة القبطية التي تم التعرض لأحد أساقفتها القدامى ممتعضة ولهذا السبب بالذات اعتبر المسلمين أن الرواية عمل هام وراحوا يشترونها للتشفي في المسيحيين أو استباقاً لقرار منع يتوقعونه لأن الدولة في نظرهم تجامل المسيحيين وأن عصر مبارك هو عصرهم بامتياز إلى غير ذلك من الهراء..

    حدث هذا من قبل مع فيلم "بحب السيما"، والحق أن المسلمين المرحبين والمسيحيين الغاضبين في كلتا الحالتين يتخذون مواقفهم عن قناعات مسبقة شديدة التخلف دون أن يفهم الواحد منهم عن الأدب أو الفن شيئاً!

    ليس هاماً أبداً ما هو مراد الكاتب وهل هو بعرضه لفكر "نسطور" وأنصاره يود تمرير النظرة الإسلامية للمسيح، أو حقيقة المخطوطة مزيفة أو أصلية، فالمنتقد هو عمل أدبي وليس بالبحث التاريخي ولابد من تقييمه بهذا المعيار.. وهو بهذا المعيار شديد الروعة..

    كل قراءة هي على نحو ما كتابة جديدة للعمل وقد رأيت في "الجانب التاريخي" من الرواية كيف يتزامن انتشار اليهودية، وما انبثق عنها من أديان، مع التأخر والتخلف والخراب وكيف عانت الإنسانية، ولا زالت، جراء هذا الدين البدوي المتخلف وما اشتق عنه من أفكار لا تقل سخافة وإن قلت في مدى الهمجية والإجرام. كانت "مرتا" بالنسبة لي ومن قبلها "أوكتافيا" استخداماً للمرأة كرمز للحياة بشكل عام وكيف تعوق الخرافة بين المرء وذاته..

    طبيعي أن أراه هكذا، والمسيحي البروتسانتي سيشغف به أيما شغف من زاويته، وكذلك المسلم، وسيغضب الأرثوذكسي.. كلنا على حق في مواقفنا تلك من هذا الجانب (دون وجود ما يمنع أن تفسيراتنا لمراد الكاتب كلها خاطئة) ولا ينبغي أن يؤثر ذلك على الحكم على العمل من زاويته الأدبية إن سلباً أو إيجاباً..

    المثير للضحك هو هؤلاء المسلمين الفرحين إلى درجة الشماتة! خاصة حين نضع الصورة بجوار مشهد أحدهم ينبري حين يُكتب كتاب يحاول كشف رداء القداسة عن معتقداته حتى أنه قد يخرج لقتل كاتب لا يعرفه عقاباً له على سطور لم يقرأ منها حرفاً!

    ***

    لم تعد حكاية التشابه الجزئي مع أبطال الروايات تثير استغرابي، فمن العادي أن تذكرني حيرة هيبا بحيرتي في الماضي كما أجد في نفسي بعضاً من حياة الأستاذ عبد الله في "قاع المدينة" ليوسف إدريس... هي الظروف إن تشابهت تنتج أفكاراً وتصرفات متشابهة. ما لاحظته اليوم أن القاسم المشترك بيني وبين أغلب هؤلاء هو مقاساة شيء غير عادي في مرحلة الطفولة بالذات..

    تسفر المعاناة في تلك المرحلة عن آثار بعيدة المدى، فقد تخلق إنساناً عبقرياً شديد النبوغ في مجال ما، أو تدفع ضحيتها للإجرام مثلاً! وفي كل الحالات تخلف عقداً نفسية تعيق تدفق حياة صاحبها بمجراها الطبيعي..

    ---

    داهمتني فكرة ساذجة بالأمس: كيف كانت الأمور لتجري لو اختلفت التفاصيل قليلاً؟!

    لابد من التنويه أن "وصيف" الحالي لم يكن ليوجد أبداً بنفس خصائصه تلك لو تغيرت تلك التفاصيل، فكما سيرتاح هذا الإنسان "الآخر" مما أعاني فسيفقد كذلك بعض ما أتمتع به من ميزات.. لكن، وعلى الرغم من إدراكي أن تمني تغير الأحداث في الماضي على الكيفية التي يقوم بها الناس مجرد خلل فكري، فقد راقني تخيل أحوال هذا الشاب المفترض!

    لنفترض أن خلل الرؤية الموروث عن غير الوالدين لم يحدث - كما حدث مع من وُلد بعدي - وأن ظروف الزيجة وكلا المتزوجين كانت مختلفة، وكان أبي أصغر سناً وتفكيره يختلف قليلاً عما هو عليه فلم يدخلني الأزهر ولم يعتبرني تعويضاً وحيداً عن كل ما يراه سلبياً بحياته (لأنني الذكر الوحيد بين أبناءه) أو أنجب ذكوراً آخرين ببساطة. مع تثبيت كل العوامل الأخرى..

    النتائج:

    1- هذا النمط من الخوف الجنوني على الطفل لن يوجد، وكذلك أسلوب التربية، وبالتبعية ستختفي السمنة التي نشأت وتطورت بالتدريج وسيحل الانطلاق محل الهدوء والانطواء...

    [فلست طفلاً بدينا - أستطيع الجري ولعب الكرة كغيري من الأطفال - لا أرتدي نظارة طبية ويعتقد شخص آخر سوى من أوجه إليه الحديث أنني أخاطبه ولا ينتبه المقصود فيضحك مني الاثنين.... الخ]

    2- طفل طبيعي شقي، ثم مراهق أقيم علاقات مع الفتيات تتراوح بين الجنس المحض والحب العذري، لي صداقات متعددة..

    3- متدين! بمعنى الإيمان العميق الموروث بالغيبيات، الإسلامية في هذه الحالة، كعادة المصريين وذلك بغض النظر عن مدى التزامي بالعبادات من صلاة وغيرها. لن يدفعني التعليم في مدارس الحكومة العادية (اتفقنا على ثبات كل الظروف الأخرى) إلى مراجعة أي شيء أو الاستغراب ولأن تلك المعتقدات لم تضرني في حياتي فستكون قدرتي على ابتلاع خرافات خطيب الجمعة كبيرة.

    4- الانعزال والرغبة في إثبات اختلافي عن باقي الأطفال والمراهقين معطيات اختفت.. وبالتالي سأكون، كالجميع، بعيداً تماماً عن القراءة وأي اهتمام بالسياسة أو الاقتصاد أو الفلسفة أو الفن والأدب، أتابع أفلام الرعب الأمريكية المقززة بإعجاب شديد وأشجع فريق كرة محلي إلى درجة جنونية وأشعر بالاشمئزاز من أم كلثوم ويطربني شخص من عينة رامي صبري وأتأثر من رومانسية الرفيق تامر حسني حين يخاطب حبيبته ويقول لها: "خليها تاكلك"!

    5- سيكون رأسي تقليدياً يمثل رأي الناس عني شيئاً أكن له الكثير من الأهمية وسينتج تفوقي الدراسي اختياري دراسة الطب أو الهندسة أو الصيدلة... كأي طالب متخلف في الثانوية العامة!

    [تقوم هذه النتيجة على افتراض استمرار حرصي على النجاح الدراسي لأن المسألة بدأت عندي من لذة الشعور بالأفضلية وأنا في الحضانة ابن خمس سنين قبل أن تلوث حياتي العوامل التي استبعدتها.. مع ملاحظة أن هؤلاء الذين اختاروا تلك المجالات - شديدة الأهمية المستحقة للاحترام - بمحض إرادتهم دون تأثير للأحكام المجتمعية خارج الحكم السابق لأنهم أقاموا الاختيار على قاعدة من فهم لقدراتهم وميولهم لا الانسياق وراء القطيع]

    .. من ثم سأكون الآن - مايو (أيار) 2009 - مهندساً ناجحاً مثلاً، حققت في السنوات الأخيرة منذ تخرجت (2006 أو 2005) مدخرات كبيرة من راتبي الكبير في شركة كبرى كـ"عامر جروب"، حيث كان الطلب على المهندسين المدنيين كبير جداً، وفي مأمن الآن - نظراً لكوني أحد أهم المهندسين صغار السن بالشركة - من التسريح جراء آثار الأزمة العالمية.. اشتريت شقة وأنهيت تشطيبها وربما أتمم إجراءات الزواج..

    6- وبمناسبة الزواج فلن يصيبني أبداً التبرم حين أجد فتاة تحمل جسداً مثيراً وثمرة قرنبيط داخل رأسها، تافهة ترى نفسها سلعة وشاغلها الرئيسي - في العمل - إبراز جمال عجيزتها ونهديها وجذب العرسان. تقبل كونها عالة على أهلها، وزوجها المستقبلي والوطن وكوكب الأرض، وتتخذ الوظيفة مطية للحصول على عريس ثم الاستقالة لتصبح ربة منزل!

    كل هذا لن يضايقني.. بل سأعرض عن اللائي تمتلكن أحلاماً خاصة وتنشدن الاستقلالية، وسأكره جديتهن في العمل وأعتبر أنهن "بنات مسترجلة". قد أحترم الإنسانة التي تحمل عقلاً يفكر وتناقش إلا أنني لن أتزوجها أبداً!

    سأقسم الفتيات إلى فئتين: الأولى بها المثقفات أصحاب الشخصية المستقلة، وتلك سأستبعدها تماماً، والثانية بها الأخريات من المشروحة حالتهم أعلاه، فإن كانت الفتاة "لعبية وييجي منها" فسأسعى للـ "مشي معها" وإيهامها أني أحبها بينما أحتقرها داخلي، والحصول على بعض المتع من الخروج والتقبيل إلى الحد الأقصى المتاح، وسأبقي على صاحبات الأخلاق منهن - وفق مفهومي المتخلف - لتحديد مشروعات الزواج. لن أشترط فيها الجمال فالمهم أن تكون متدينة وبنت عائلة من الناس الطيبين، بل إن قبحها عامل يمكن التغاضي عنه واعتباره ضماناً وتحصيناً لأعصابي حتى أخرج من بيتي وأنا مطمئن!
    .
    .
    .
    ... باختصار حمار، متناسق ومتلائم مع تلك الحظيرة الكبيرة القائمة بشمال إفريقيا منذ آلاف السنين! ولكنني سعيد لا أرى ذيلي وطول أذني!

    بعد المقارنة، وجدتني لا أميل إلى هذا النموذج وصعب علي تمنيه حتى لو لم أكن واثقاً من نجاح جهودي المضنية لتحسين حياتي الحالية..



    avatar
    خالد
    عضوماسي
    عضوماسي

    ذكر عدد الرسائل : 165
    العمر : 34
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 14/12/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف خالد في الجمعة مايو 08, 2009 3:42 pm




    وصيف،،،

    لطالما أردت سبر أغوار تلك الأوراق الفريدة التي تسقطها من عمرك في مقهانا، والتي تثير من الإعجاب بقدر ما تثير من الإرتباك (والكلمة هنا ترجمة قد تكون غير دقيقة لكلمة Confusion الانجليزية التي تطلع ببالي كلما أشرفت على ذلك البحر المتلاطم الأمواج من " الجنون" ) ، ولكن ما منعني هو أنني أدركت بعد أن قرأت تمهيدك ليومياتك أنني بحاجة لأن أنشد لحظة صفاء أسرقها للخلو بكلماتك بعيدا عن نمطية العمل والحياة، لا بل وبعيدا ًعن نمطية التفكير التي ينهي بها أحدنا يومه، لأنه ببساطة كان لساعات طويلة جزءا من منظومة لا تصلح اطلاقاً لتوفير ترجمة حقيقية لما يخطه قلمك على هذه الصفحات.

    أعترف أني فشلت وبامتياز باستراق تلك الخلوة، إلى أن كان لي يوم عطلتي هذا الذي استيقظت فيه باكراً لسبب لا أدريه، وقد شاءت الصدفة ربما أن أخصص ساعات ثلاث دون إرادة مني لأواكب ما فوته علي حتى الآن من أوراقك.

    حملت جهاز الكومبيوتر (الحاسوب كما يحلو لمجمع اللغة العربية تسميته) وتوجهت الى سريري الذي يضيف متعة الاسترخاء لمتعة القراءة لدي، وضعته أمامي على وسادتي غير آبه بتحذيرات الصديق "إياد" والتي أعي أهميتها تماماً، ثم وجدت نفسي أرفع الجهاز كأنني أحمل كتاباً أعلى وجهي في وضعية جعلت أختي تنظر إلي نظرة ريبة متسائلة: ماالذي يشدك لهذه الدرجة في شاشة جهازك تلك؟ ألا تخشى أن يسقط على وجهك و " يفلصلك راسك" ؟ أجبتها بتهكم: "مذكرات واحد مجنون" !!

    أبحرت في بحر هواجسك قاصداً هدفاً محدداً، أن اعرف من هو وصيف هذا !! ومالذي جعلني أكون "عزيزه القارئ" اليوم تحديداً، هل هو فعلاً ذلك الـ "Alien" الهارب الأبدي خوفاً من ثأر على الأرض أو في السماء؟ وهل أصلح أنا لآخذ مكان كائنه الوهمي المصغي أبداً لنظرياته في شؤون الحياة؟ مع كل سطر جديد كانت كلمة " نعم " تكبر ككرة ثلج شيئاً فشيئاً في رأسي !!

    لم يقاطع السكون الرهيب الذي خيم علي وأنا أتعمق شيئاً فشيئاً في (وصيف) سوى قهقهتي بصوت عالٍ عندما أمر بعبارات من مثل: "ما هذا بحق الميكروباص" و "لإني واد جامد أوي" و"ليس من اللطيف أن يدخل علي أحد الأشخاص فيجدني متدلياً من الحائط"، فتعاود أختي الاقتراب مني وتقول: لا داع لأن تقرأ مذكرات المجانين!! لأنه يبدو أنك أنت المجنون اليوم، فأضحك غير مبالٍ بعلامات الاستنكار على وجهها والتي تنبئني بأنها تعني حقاً ما تقول.

    لم أرفع نظري عن السطور سوى لأنقله يميناً مع كل ورقة جديدة إلى الرقم المكتوب بجانب خانة " العمر"، وأعود لأسائل نفسي: هناك أمر لا أفهمه...ألم يكن ذلك الرقم مقلوباً في السابق؟! لم أجد سبيلاً لأعرف سوى الاتصال بشادي، لكن شادي أكد لي أن الرقم صحيح وأنه كان كذلك منذ البداية !! أكاد أقسم أني قرأته 42 بدلاً من 24 !! وهنا تحديداً سلط شيء ما الضوء في ذاكرتي على نصٍ وصلني منذ فترة عبر رسالة الكترونية، كان النص مجموعة كلماتٍ مكتوبةً بأحرف مرتبة ترتيباً خاطئاً، ولكنني على الرغم من ذلك استطعت قراءتها، ثم كان التفسير أن الكلمات قد تقرأ بغض النظر عن ترتيب الأحرف وذلك بناءاً على خبرة مكتسبة لدى القارئ، فهو لا يقرأ جميع الأحرف كل مرة. أعتقد اذا أني وجدت تفسيراً لذلك، فقد قرأت الرقمين وفقاً لقالب مسبق في رأسي، جعلني أعتقد، بل أحتم أن كاتب هذه الكلمات لا بد أن يضع 42 بدلاً من 24 في خانة العمر، فكرت ... لا بد أنه ذات القالب الذي جعل من أفضل من أعطى تعريفاً قرأته للأخلاق ... بلا أخلاق.

    وصيف ... لا أريد أن أعبر لك عن دهشتي بك، ذلك أنني أجزم أن الدهشة باتت سمة كل من تسول له نفسه السفر في عوالمك، ولكني سأبسط الأمر على نفسي وعليك وأقول: لا أعرف تماماً ما الذي جعلك تفقد الاتساق والتناغم مع ما أسميته " الحظيرة الكبيرة القائمة منذ آلاف السنين"، ولكني أوكد لك يا عزيزي أنك لست فقط مجرد "كوبري" لتحقيق رغبة أحدهم، بل أنت هناك لشيء آخر، شيء ليس من المهم أن تدركه، بل يكفيك أن تعرف أنه موجود.



    avatar
    بشير حيدر
    عضوماسي
    عضوماسي

    ذكر عدد الرسائل : 225
    العمر : 35
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 23/04/2009

    THANK YOU

    مُساهمة من طرف بشير حيدر في السبت مايو 09, 2009 9:39 am

    سأكتفي بأن أقول لك يا وصيف شكراُ ثم شكراُ ثم شكر
    avatar
    بشير حيدر
    عضوماسي
    عضوماسي

    ذكر عدد الرسائل : 225
    العمر : 35
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 23/04/2009

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف بشير حيدر في السبت مايو 09, 2009 1:14 pm

    هناك عضو أنزعج من ردي على موضع السيد وصيف
    لقد حزفته وأكتفية بكلمة شكراُ
    لكي لا ينزعج فأنا لا أحب ان أكون مصدر أزعاج هنا
    شكراُ لكم
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد مايو 10, 2009 4:32 pm

    الصديق خالد،،

    على مدار سنتين، وشهر وأسبوع، من تلك التجربة لم أتلق تعقيباً أجمل مما قرأت لك اليوم، ولم أسعد برأي إيجابي عما أكتب كما سعدت بك، ولو اقتصر، صدقاً، حاصل كل ما كتبت على اكتساب صديق كأنت فقد تحقق لي كل ما أردت..

    أما العمر فقد وضعت بطاقة تعريف لذاتي، كعارض إحدى نوبات التعب، أني حكمة كهل زاهد علي شفا الموت، وجسد يبدو شاباً، يحملهما قلب طفل لم يكد يبلغ الخامسة، متسائلاً عن ذاك القلب إلام يستطيع الاحتمال..

    العمر يحلو ما احتوى لحظات ود صادقة نختلسها من الزمن بصحبة صديق..

    دمت جميلاً..

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الأحد مايو 10, 2009 4:36 pm

    العزيز بشير حيدر،،

    لك من القلب كل الشكر على تشريفك لتلك الزاوية، ورغم أني لا أعرف ما كتبت ولماذا أزعج أحد الأشخاص ولماذا عدلته بالحذف والاستبدال إلا أنني أتمنى منك التفضل بإعلامي برأيك المحذوف برسالة خاصة..

    ليس من حقي التعليق على اختيارك الحذف، وما أؤمن به - وأرجو ألا يعد تزيداً ما أقول - أن من حقك قول ما تشاء ما دمت لم تتعد على ذوات الآخرين، وعن نفسي أقبل، وأرحب وأسعد، بالآراء كلها اتفقت معي أو اختلفت..

    محبتي،،

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في الإثنين مايو 11, 2009 1:38 pm

    قرأت رد الصديق بشير حيدر، وأكبرت فيه مشاعره الجميلة وتلقائيته..

    وقد وصلتني معاني كل كلمة ولا يسعني إلا التعبير عن شكري العميق وامتناني لما خص به ما أكتب من اهتمام ولما لاقاه عنده من الاستحسان..

    له كل المودة،،

    avatar
    خالد
    عضوماسي
    عضوماسي

    ذكر عدد الرسائل : 165
    العمر : 34
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 14/12/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف خالد في الجمعة مايو 22, 2009 3:59 pm

    وصيف،،،
    قد ترتضي وأنت الجميل صداقتي لتكون حصيلة لسنتين أرقت فيهما روحك الشابة الهرمة على أوراق العمر، ولكنني أرى في ذلك ظلماً لتجربة فريدة بدأت للتو، فلنتفق إذاً على أن تكون لحظة اللقاء تلك معلماً على درب إبداع طويلة، ففي ذلك انصاف لكلينا.
    سعيد يا عزيزي أن كان لكلماتي ذلك الأثر الطيب في نفسك، إن ذلك إلا نتيجة طبيعية لتواصل نفسين تواقتين للحرية وللانعتاق من سطوة من في القبور،،، ووصاية من في الأرض باسم من في السماء.
    لك صداقتي.
    avatar
    بشير حيدر
    عضوماسي
    عضوماسي

    ذكر عدد الرسائل : 225
    العمر : 35
    مكان الإقامة : دمشق
    تاريخ التسجيل : 23/04/2009

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف بشير حيدر في الثلاثاء يونيو 02, 2009 2:25 pm


    شكراً لك صديقي وصيف على ردك الجميل
    تحياتي الحارة أليك وننتظر منك المزيد
    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت يونيو 27, 2009 3:32 am



    الجمعة 26/6/2009..




    مرهق إلى أبعد حد..




    لم أكتب شيئاً تحت هذا الباب منذ قرابة شهرين بسبب التزام يتعلق بعملي، باستثناء مرة وصل بي الضجر، كما هو الحال اليوم، حداً عرفت معه كيف تساهم الكتابة في التخفيف عني ومنحي متنفساً أواجه بعد استخدامه تلك الحياة، البائسة عديمة المعنى، بصدر أكثر اتساعاً. ساعتها كتبت سطوراً تناولت وصفاً لضغط العمل والمجهود المبذول، وبعض مشاعري بالإضافة إلى نقد لفيلم "دكان شحاتة" وفقرات أخرى لا أذكر محتواها الآن..




    لتفصيلة تقنية يبدو أن الملف الحاوي لتلك الورقة قد فقد وليس هذا بالشيء الهام لأنها أدت دورها في وقتها، حيث منحتني راحة البوح، وقللت خلال الأيام التي تلت كتابتها من المرات التي أُضبط بها متلبساً وأنا أكلم نفسي بصوت عال في الشارع أو الحمام الملحق بالقاعة التي أتلقى بها الدورة التدريبية أو المصعد!




    إن استطعت استعادتها سأنشرها في وقت لاحق..




    ***




    أنا الآن مع تجمع جديد من الناس، شباب حديث التخرج في غالبيتهم، وخلال الأسابيع الخمسة التي انقضت ظهر من خلال الأداء ونتائج الامتحانات للجميع، من متدربين ومدرسين ومشرفين فضلاً عن إدارة المؤسسة، أنني الأفضل من الناحية العلمية ومن ناحية الاستيعاب والقدرة على التطبيق، وعلى المستوى الإنساني فسمات شخصيتي كما تظهر للزملاء تثير واحداً أو أكثر من ردود الفعل التالية: الاحترام، الشفقة، أو السخرية..




    الغالبية العظمى (الكل تقريباً باستثناء أفراد لا يزيد عددهم عن أصابع اليد الواحدة) تشعر نحوي باحترام يختلط عند البعض بشفقة، وسبب الأخيرة أن قد فلتت مني بعض إشارات إلى حياتي الماضية دون سبب إلا رغبة ملحة في الكلام مع أي إنسان حتى لو كنت لا أعرفه لمجرد أن ملامحه / ملامحها مريحة تبدو عليها إجادة الاستماع والتفهم!




    ومن ناحيتي أشعر نحوهم، ونحو كل الناس هذه الأيام، بتعاطف وحب واستعداد لتقديم أية خدمة أستطيع تقديمها دون استثناء لأحد. حتى هؤلاء الذين يسخرون مني أجيب أسئلتهم بنفس الإخلاص رغم معرفتي بما يقولون عني (يرتكز على الهندام والفقر والشكل واختلال النظر) وأحياناً سماعي له..




    أسلك عن اقتناع ورغبة مسلكاً أحاكي به الإله الإبراهيمي في جانب المزايا فقط، حيث الرحمة والمنح والعفو وقبول التوبة... الخ، وتكبر عندي قيم التخفيف عن الناس والقلب العامر بالمحبة وتمثل أجمل تعاليم المسيح..




    هو نمو لبذور قديمة، قد يكون مؤقتاً تحت تأثير التألم ومراجعة جدوى البقاء حياً، أو هي محاولة لإثبات أن بشر ضعيف يستطيع أن يرحم الناس ويمنحها ما هو أفضل ممن يفترض فيه القيام بذلك، وإن صح ذلك فللبارع Will Smith وفيلمه العبقري Seven Pounds دور في هذا على وجه التأكيد!




    أحد التطبيقات مساعدة الناس على الفهم وشرح ما استغلق على أذهانهم عن طريق الأمثلة العملية وبطريقة سهلة وممتعة حتى أن كثيرين أكدوا أنهم فهموا مني بالكامل ما لم يفهموه من الشارح الأساسي بالمرة، وقالت لي إحدى الزميلات أنني أعد بمثابة المدرس المساعد في تلك الدورة!






    ***




    تلك الزميلة، الحنونة الرائعة، من أجمل من رأيت في حياتي، شكلاً وروحاً، وقد أثرت في نفسي على نحو سأحكي عنه في المرة القادمة لما تسبب فيه من فهم أفضل لذاتي ولما يجب أن أقوم به في ما بقي من العمر وما ينبغي علي أن أتخلى عنه من التصرفات الساذجة غير المتلائمة مع شخصيتي العقلانية..




    أود الآن، على سبيل التقديم، مراجعة تجربتي مع النساء على وجه العموم!




    ***




    لابد أولاً من الإقرار بشيئين:




    1- لا توجد تجارب حقيقية أصلاً، بمعنى علاقات حب متبادل، فالمشاعر لم تتم ترجمتها في أغلب الأحيان إلى بوح: حب صامت من بعيد، وإن حصل وعرف الطرف الآخر لم تحصل الاستجابة المطلوبة في أي مرة.




    2- جانب المشاعر نفسه لم يكن طبيعياً، فقد تخللته آثار عقد نفسية أعتقد أني أعاني من وجودها، فكانت مريضة ناقصة..




    أفكر منذ زمن في استشارة أخصائي نفساني، ولكنني مفلس أبداً فلا بأس من أن أعالج نفسي على ما تفرج!




    ---




    في الماضي، حتى وقت قريب، انقسمت المشاعر تجاه الأنثى عندي إلى أنواع ثلاثة:




    1- الانجذاب نحو السيدات الأكبر مني بكثير، في أواخر الثلاثينات والأربعينات من العمر: وهو انجذاب عاطفي له بعد جنسي ملح وصارخ.


    2- الفتيات الصغيرات من عمر السادسة عشرة وحتى العشرين تقريباً ممن تتسمن بالبراءة وهي وفق تعريفي أيامها انقطاع الصلة بالجنس كلية: وهو من ناحيتي عاطفي عذري منزه.


    3- الفتيات والسيدات الناضجات والمثيرات جنسياً في العشرينات وأوائل الثلاثينات: وهو جنسي صرف دون عاطفة.




    ---




    أما الأول فلم أكن أفهمه حتى أسابيع قليلة، ففي حضور سيدة جميلة في هذا العمر، أجد كياني قد انقلب وامتزجت مشاعر الحب عندي برغبة جنسية متهورة. عند مشاهدة فيلم White Palace مثلاً لم أكن أفهم سر هذا الانتصاب الملح بسبب حوار يتكون من جمل بسيطة بين Susan Sarandon وعاشقها الصغير:




    - I'm forty three.. I'll be forty four in December..


    - I'm twenty seven!




    لدي تجربة افتراضية مؤلمة في هذا الصدد كان من المفترض أن توقظني إلا أنها لم تفعل، ومنذ أسابيع حدث أمر طريف جعلني أراجع نفسي: كنت أعمل منهمكاً ووُضعت على مكتبي ورقة هامة حدث أن انشغلت عنها ربع ساعة قمت فيها بخمس مهام (عادي!) ولما عدت ورتبت الأوراق اعتقدت أنها مكررة فمزقتها ولما تذكرت أهميتها جمعت القصاصات من سلة المهملات ورحت أعيدها إلى الحياة مستخدماً اللاصق حتى أضحت صورة طبق الأصل. انتابتني رغبة تعجبت لها بشدة: أن أذهب لأُري صنيعي لإحدى الزميلات من هذا الصنف كدليل على براعتي!




    "إيه المعيلة دي؟!".. هكذا تساءلت، هل أنا في الخامسة والعشرين أم الخامسة؟!




    بعد أن جاهدت نفسي كثيراً حتى لا أفعل – مما زاد استغرابي أكثر – بدأت أفهم هذا النوع من المشاعر وكيف ينتج عن حرمان من حنان الأمومة وأنه مماثل لتأثري الشديد كلما رأيت تصرفات بعض الأمهات تجاه أبناءهن وبناتهن ولو كان ذلك في عمل درامي كدور أم المعتز الذي قامت به صباح جزائري في مسلسل "نزار قباني"..




    كل الحكاية أني كنت أخجل من الاعتراف بتلك الحقيقة (أنني محروم ومعقد وأحتاج إلى حنان الأم وأنا في هذا السن) وأود إخفاءها حتى عن نفسي فكان توهم أنهن تثرنني جنسياً أكثر من غيرهن. لم تلق المحاولات نجاحاً لأن المدخل لم يكن ملائماً فبدلاً من أن أعرض نفسي كشاب في أوائل العشرينات يتلاقى واحتياج الطرف الآخر إلى إشباع الأنوثة الموشكة على الأفول، كانت تصرفاتي، العامرة بجذل الأطفال وردود أفعالهم الساذجة، مستحقة للعطف أكثر من أي شيء آخر..




    ---




    الثاني والثالث على درجة من الترابط منشأها موقفي القديم من الجنس، ديني المنشأ؛ فقد كنت أراه شيئاً ذميماً غير أخلاقي بالمرة سواء في ممارسته أو حتى تخيله والشعور بالاحتياج إليه!




    بناء عليه كنت أرى الفتاة أو السيدة المثيرة، فيبهرني جسدها ويصير الانبهار أمنيات وخيالات لا تترجم إلى إقدام لأنه حرام ولا تتضمن أي احترام لها (وكأن جسدها بحد ذاته إثم!) ثم أندم على فعلتي: التخيل والاستمناء، وأشعر بالخجل من نفسي!




    وعلى العكس تأتي الفتاة المراهقة حين تحمل جسداً ناضجاً، غير صارخ الفتنة، ووجهاً ملائكياً وتصرفات تتسم ببراءة الأطفال. تلك أعشقها وأكتب لها الخطابات وأشتري لها الورود وقد أُضرب بسببها في الشارع – كما حدث مع فتاة الجامعة الأمريكية صيف 2005 – وحين أتخيل حياتي معها لا يرد الجنس على تفكيري. أعرف أنه موجود وسيأتي دوره يوماً وساعتها سنكتشف عوالمه سوياً..




    ---




    حدثت تغيرات إيجابية، خلال الأعوام القليلة الماضية.. فتبعاً لتبدل الأفكار والمواقف الأساسية لم يعد الجنس شيئاً ذميماً ولا إثماً يستوجب التفكير فيه الاستغفار، وبالتبعية زالت التفرقة الوهمية بين الحب والجنس بل وتوجب الجمع بين كليهما وسقطت التصنيفات البائسة التي كنت أقوم بها بوعي أو بغير وعي ونشأ مفهوم جديد للحب يقوم على "الاحتياج" أضحى فهمي للدنيا والعلاقات الإنسانية بسببه أفضل بكثير من عقليتي المتخلفة الأولى!




    ---




    خلال العامين المنصرمين عاينت مشاعر الحب - على الأسس الجديدة - مرتين، ورغم أن إحداها كانت من طرف واحد والثانية شبه متبادلة مستحيلة التحقق انتهت على نحو درامي إلا أنني اكتسبت في الحالتين صديقة نبيلة وفهم أكبر لنفسي وللآخرين وخبرة جعلت مني إنساناً أكثر نضجاً..




    ***




    خمسة فذلكة:




    [ماركس اكتشف قوانين رأس المال وأنا اكتشفت قوانين الحب والسلوك البشري.. هو يعني ماركس أجدع مني ولا يعني أجدع مني؟]




    القانون الأساسي لفهم سلوكيات الإنسان، هو تحكم الظروف به وضرورة تكيفه معها، كقانون موضوعي يتعين فهمه لمواصلة الحياة بنجاح..




    ظروف الإنسان تشكل احتياجاته، والأخيرة توجه أفعاله وردود أفعاله لإشباعها الكفيل بتحقيق غايته الأسمى: السعادة..




    حب الرجل للمرأة والعكس فرع من أصل هو الحب بشكل عام، والحب معناه: "الامتنان لما/من أدخل السعادة على النفس وتمني استمرار وجوده في المستقبل مع الاستعداد لتقديم اللازم من جهد وتضحيات تكفل تحقيق هذا الهدف بقدر أهميته المقدرة ذاتياً والمتناسبة مع قدر الرضا المحقق"..




    ما يميز المشاعر الخاصة بين شاب وفتاة - رجل وامرأة، هو الجنس. الحب ليس الجنس بل هو أشمل منه متضمناً له بالضرورة، أعتقد أن أفضل وصف ممكن للعلاقة بين الاثنين أن "مشاعر الحب هي البناء الفوقي للجنس"..




    [الفرق بين الإنسان الراقي وغيره الأقل رقياً يكمن في طريقة وكيفية إشباع الحاجات المادية الأساسية وتطويرها لتنتج احتياجات معنوية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال النسبي مطلوبة في حد ذاتها دون أن تفقد ارتباطها بالأصل القديم بل إنها تفقد معناها، وضرورة وجودها، وإمكانية السعي لتحقيقها، إن مُس الأساس بسوء]




    ---




    والحب كذلك بذرة تلقى في بيئة مناسبة، قد تنمو وقد تموت وما من ضامن لديمومة الثمار ولهذا السبب تأتي معارضتي المبدئية لفكرة الزواج المؤبد.. الشكل المثالي للارتباط هو العلاقة المؤقتة، الكاملة، القابلة للتطوير والتي يتمتع فيها كلا الشريكين باستقلالية تكفل اتخاذ قرار الإنهاء في كل وقت، وذلك وفقاً لمدى اتساق الحاجات وتحقق الإشباع المتبادل من عدمه..




    المفتاح لفهم الحب، إذاً، هو "التوافق" في مرحلة معينة.. تلك التصنيفات الغبية التي كنت أضبط مشاعري على بوصلتها بغير ما معنى فضلاً عن أن بعضها متخلف. ليس ثمة مانع من علاقة تنشأ بين فتاة صغيرة في الثامنة عشرة ورجل في الخمسين، أو العكس، طالما توافق الشريكان، نفسياً وجسدياً..




    سوف تنقضي المرحلة وتتغير الاحتياجات بالضرورة مع تقدم العمر ومصير التوافق يعتمد على "مفاضلة" يجريها المحب بين قدرته على "تحمل" نقص قدرة شريكه على تلبية احتياجاته (القائمة أو الجديدة) وبين "تحول" الحب القائم إلى ذكرى والبحث عن علاقة جديدة بتوافق جديد. من اختار التحمل فقد اختار "التأقلم" (لأسباب قد يكون من بينها ضعف الإيمان بنجاح البحث الجديد أو عدم تحمل الوحدة في الفترة البينية أو الإشفاق من الفقد بعد "العشرة")، وإن تبادلا الاختيار سيبذلان من الجهد ما يكفل استيعاب الجديد وفهمه والتجاوب معه بما يخلق توافق جديد على أسس جديدة، وإن عجزا فما أجمل أن تخلق الذكريات الحلوة صداقة عميقة وتمني للتوفيق في ما بقي من العمر..




    [قارن من فضلك هذا النموذج بما يحدث للمتزوجين دينياً بعد الطلاق وإن كنت لا تدري فزيارة لمحكمة الأسرة كفيلة بإقناعك!]




    ورغم اعتقادي أني قد بلغت شاطئ الحكمة، أثبتت لي تلك الفتاة المبهرة، والتي عاش قلبي مع طيفها خمس ليال (أقصر قصة حب في تاريخه!) أني ما زلت غراً وأن الشاطئ ليس إلا جزيرة صغيرة اكتشفت على حافتها، ولما أنال قسطاً من الراحة، أن علي استكمال شق عباب البحر وأن أمامي الكثير لأفهم نفسي قبل فهم الآخرين!





    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت يوليو 04, 2009 1:43 am

    الجمعة 3/7/2009..
    هل هناك عقار طبي يستطيع تثبيت الشعور الجيد؟!
    كنت صباح أمس الخميس في حالة رائعة ومعنويات مرتفعة نظراً لتمكني من إنهاء المطلوب تسليمه من عمل في زمن محدود (رغم عدم رضائي التام عن مستوى الدقة). منهكاً من قلة النوم سعيداً ونشيطاً في الوقت نفسه أتجاوب حركياً مع موسيقى الـ Jazz..
    أثناء حركة التاكسي البطيئة في الشارع المزدحم تهادت بجانبي فتاة بديعة تملك جسداً كولومبياً، برونزية البشرة، واتسقت خطوتها مع سرعة السيارة لدقيقتين وقاومت - بعد أن استعملت كل مخزون الحكمة وضبط النفس الذي أملك - رغبة قاهرة بأن أقرص مؤخرتها أو أمنحها صفعة متوسطة القوة، وقنعت في النهاية، بعد عذاب، بأن أرسل إليها قبلة في الهواء!
    [ضحك السائق وأبدى وصفاً لما رأيناه لن أستطيع إدراجه هنا!]
    خلال ساعات قليلة وبسبب جانب سلبي في إجراءات الأسابيع المتبقية من الدورة التدريبية، تم التذكير به، تسرب الانبساط تماماً وحل محله ضيق شديد رغم أنه لا جديد أو مخالف للتوقعات فيما سمعت.. على كل حال هناك جانب مشرق في الموضوع فقد أفرجوا عنا مبكراً في الثالثة عصراً، فذهبت بيتنا أترنح واستقبلت السرير بأشواقي لأنام حتى الثامنة مساءً..
    ---
    حين استيقظت اكتشفت أن احتلاماً قد حصل، ورحت أتذكر شيئاً رأيته في المنام يتعلق بالأمر فلم أجد. صحيح أن لم أر في حياتي كلها حلماً جميلاً واحداً، إلا أن تلك المسألة يفترض أن تكون مختلفة. حيجرى إيه يعني يا دنيا لما أشوف في المنام حاجات حلوة على رأي الحاج عزام (نور الشريف) في الفيلم؟!
    مش مهم، لن تتمكني من قهري أبداً! أقوم أنا بصنع أجواء معينة أثناء الاستيقاظ تضفي على "التصرف" رونقاً يشبه الخيالات الجميلة في الأحلام، منعني الانشغال من توفيرها مؤخراً..
    الحق أن الأقدار تتصرف معي بنذالة حقيقية وسلوكها مشوب بقلة الأصل!
    ---
    أثناء مشاهدة "مع هيكل" بدأ فرح في شارعنا على الطريقة القديمة - ما قبل الـ D.J - أي وجود مطربين، تجاوزاً، يقومون بالغناء وتتم مقاطعتهم حين يقوم أحد المدعوين بتقديم "النقطة" مع التحيات الحارة و"بنصبح ونمسي و100 شمعة منورين"..
    لم أستطع تحمل تلك البشاعة فارتديت ملابسي بعد الحلقة ونزلت وسط البلد وشاهدت فيلم "احكي يا شهرزاد" بطولة منى زكي ومحمود حميدة، من تأليف وحيد حامد وإخراج يسري نصر الله..
    هو أضعف أفلام يسري نصر الله التي شاهدتها، رغم جماله، والسبب الرئيسي في اعتقادي يعود للسيناريو. شاهدت في الأسابيع السابقة "دكان شحاتة"، و"إبراهيم الأبيض"، و"الفرح"، وفي مرة كان هدفي مشاهدة فيلم "أول ما اتقابلنا" من تأليف زينب عزيز (كاتبة "ألوان السماء السابعة") ولم أجده إذ سحقت فرصه الأفلام الجماهيرية، وحين بلغ بي التعب منتهاه (قمت بلف أحياء وسط العاصمة على قدمي مرتين في ساعة ونصف) دخلت فيلم عادل إمام الجديد، السخيف والسمج جداً، ولم تكن هناك ميزة إلا الوتريات البديعة التي تبث قبل الفيلم وأثناء الاستراحة بقاعات سينما هيلتون رمسيس!
    لدي الكثير من الانطباعات عن الأفلام، خاصة روعة إخراج مروان حامد وموسيقى هشام نزيه، إلا أن الوقت المخصص للكتابة محدود.. لأتوقف عن تلك الثرثرة وأكمل ما بدأته في الأسبوع الماضي عن حكايتي والحب، تلك التي لم تبدأ بعد!
    ***
    هي قصة قصيرة تتشابه مع أخواتها. في الماضي كان معتاداً أن تجد شخصاً غير محدثك في المكالمة التليفونية قد دخل على الخط دون قصد منه أو رغبة في التلصص، وقد ينشأ عن هذا حوار ودود بينكما وبينه ثم يخرج بسلام لتكملا ما بدأتماه قبل مجيئه المفاجئ.. هذا ما يحدث لي دائماً!
    طرفا المكالمة، الدائمة، هما أنا ونفسي، والفتاة تدخل على الخط بيننا مع ملاحظة فرق هام وهو أننا من يستدعيها لنقحمها في شأننا الداخلي بتواطؤ تستجيب له الكابلات الهوائية!
    ---
    أعتقد أن فهم ما حدث خلال الأسابيع الماضية بالذات يكون أسهل لو تخيلنا رجلاً في الثانية والخمسين من عمره، شعر بألم مفاجئ بصدره فألح عليه الأصدقاء أن يستشير طبيباً. تحت الضغط وافق فإذا به يخبره أن لديه مشكلة في القلب وأن عليه الالتزام ببرنامج غذائي معين وأن يبدأ بالاعتناء بمستوى السكر والحيلولة دون ارتفاع ضغط الدم وأن يتوقف عن تدخين السجائر وعن المشروبات الروحية وأن ينام مبكراً ويراعي أن المشاكل قد تتفاقم إن لم يهتم لها..
    في الطريق إلى بيته، وخلال الأيام التالية، أدرك أنه بدأ يتحول بسرعة من رجل ناضج في أواخر الأربعينات موفور الصحة مقبل على الحياة إلى رجل بينه وبين الشيخوخة ممر قصير بدأ يقطعه الآن، وإذا بنفسه ترفض ذلك كله ويكون رد فعلها هو التمسك بالشباب والحياة وخلق أوهام استطاعة استعادة ما فات حتى أن الرجل بدأ يسلك مسلكاً غريباً لا يتناسب وعمره، فيرتدي ألواناً شبابية زاهية ويصبغ شعر رأسه ويقع في حب فتاة عمرها ستة عشر عاماً!
    ما حدث معي هو هذا بالضبط! نموذج مصغر، مختلف في تفاصيله قليلاً، لأزمة منتصف العمر..
    ---
    قبل الدورة التدريبية كنت في حالة نفسية سيئة للغاية، وأحد أبرز معالمها الحسرة على ما فات من عمري دون أن أستمتع به. وكما يقوم الجسم بخلق المضادات الحيوية لمواجهة أثر الهجوم الخارجي، تقوم النفس بالدفاع عن صاحبها حين يعتريه الحزن بأن تحاول خلق أسباب الفرحة..
    ليس هناك من مسبب للفرحة أفضل من الحب. حين تحب يخرج أفضل ما فيك إلى النور وتستهين بالمشاكل والصعاب وترى الحياة جميلة لها رونق ابتسامة المحبوب! الحاصل أنني كنت مهيئاً للوقوع في حب أول فتاة تصادفني، وهو ما حصل..
    ---
    هي بنت جميلة، جداً، ومحبوبة من الجميع نظراً لجمعها بين البساطة ونقاء السريرة والتلقائية وبين محبة الحياة وممارسة الأنشطة المختلفة بعيداً عن التحفظ المتخلف المفروض مجتمعياً على الفتيات. تعرف أنها حلوة ومحبوبة، ويبدو عليها فرحها بذلك دون أن تكون مبتذلة أو تسمح لطرف أن يتخطى حدوداً عليه أن يلزمها..
    كل هذا ساهم في اختيارها، وحتى دونه كنت سأخترع صفات أحبها – أو غيرها – لأجلها، إلا أن العنصر الحاسم كونها تجسيداً للمراحل التي خسرتها كلها: تجمع بين براءة الأطفال وشقاوة المراهقين وانطلاق أيام الجامعة، فكان ما كان..
    [من تجليات نجاح جهودي القديمة لتلافي سلبيات شخصيتي، أن امتلكت القدرة على إنشاء صلة مع الفتاة المستهدفة وأن يدور بيننا الحديث وخلق المداخل الملائمة تبعاً لتحليلي لشخصيتها.. على عكس سلبيتي في الماضي ورضائي بدور عاشق الروح من بعيد وحفضل أحبك من غير ما أقولك!]
    ***
    حكيت في المرة السابقة أن حادثة ورقة المكتب سببت مراجعة شاملة لانجذابي شبه المرضي تجاه السيدات في مرحلة سنية معينة وكيف ساهمت في علاجي، حصل شيء مشابه في إحدى الليالي الخمس. سرحت بخيالي مع ما أتمناه لعلاقتنا التي لم تبدأ بعد فوجدتني أهرب معها من دروس الدورة لندخل السينما من عشرة لواحدة ونجلس في الصف الخلفي، ووجدتني أقود موتوسيكلاً أذهب به إلى شارعها وأرسل لها إشارتي لتنزل عن طريق مرآة عاكسة لضوء الشمس، وغيرها من تصرفات المراهقين!
    دفعني الأمر للتأمل (خاصة وأنا ما بعرفش أسوق موتوسيكل!) وعقدت اجتماعاً مغلقاً مع نفسي، استغرق ليلتين، عرضت فيه الظروف التي حدثت المشاعر استجابة لها - تلك الموضحة بالأعلى - واتفقنا على أن هذا بحد ذاته لا يعني عدم جدوى الموضوع وإنما يدفع إلى التحقق من سلامة الدوافع ومدى وجود الحب من عدمه..
    انتقلنا بعد هذا إلى النقطة التالية من جدول الأعمال، لنعرف ما هو الحب على النحو الوارد في ورقة 26/6، وانتهينا إلى التفريق بين احتياجات حقيقية وأخرى وهمية مؤقتة ينبغي التخلص منها. المسألة ببساطة أن رد فعلي تجاه ضياع العقدين ونصف يفتقر إلى العلمية والواقعية تماماً كما فعل صديقنا الذي اكتشف اقتراب الشيخوخة وبدلاً من فهم الحقائق وأنه ودع مرحلة واستقبل أخرى وعليه أن يتكيف مع الأمر ليستمتع بها راح يحارب الزمن..
    ما فات قد فات، ولابد أن أراعي الطرف الآخر. صحيح أني لا أمانع في إقامة علاقات عابرة خفيفة من زاويتي أنا الأخلاقية إلا أن هذا غير مقبول عندها فلكل مقدمة أن تنتهي إلى الزواج من خلال الأسرة..
    وبتفكير أعمق اكتشفت أنه لا يوجد بين اهتماماتنا أدنى توافق وأن المتطلبات التي أحتاج توافرها في حبيبتي غير موجودة عندها كما أن متطلباتها في شريك حياتها غير موجودة عندي، ولا يعني هذا أنني لا أحبها ولكنه حب من نوع آخر، وكأنها أختي الصغرى الشقية العطوفة..
    ليس بغريب أن أحبها، فكل الناس يحبونها، الأساتذة والفتيات من زملاءها وكبار السن وصغارهم وأساتذة الجامعة في عمر السبعين ممن أتوا ليلقوا علينا بعض المحاضرات.. الله نفسه يحبها إذ بذل في خلقها جهداً وأتقنه إتقاناً! هي أغلى زملاء الدورة وأحبهم إلى قلبي فعلاً ولكن ينبغي أن يوضع الأمر في إطاره الصحيح..
    ---
    في اليوم التالي لانتهاء اجتماع القمة وما تلاه رحت أختبر نفسي بأن أتحدث مع الفتاة الجميلة كثيراً وأتواجد حيث توجد لأرى هل كنت على حق أم لا، فإذا بالأمور في حجمها الطبيعي وإطارها الصحيح وتوقف خفقان القلب حين استيقظ العقل..
    شعرت بسعادة، ورغم أن مشاعر الحب إياه قد انتهت وعدت مرة أخرى إلى سيرتي الأولى، وحيد ما ليا حبيب يواسيني طيفه ف وحدتي، إلا أني كنت فخوراً بقدرتي على محاسبة نفسي وتقدير الأمور على النحو الصحيح أود لو تمكنت من تقبيل رأسي، تلك المنبعجة منبع الحكمة!

    avatar
    وصيف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 105
    العمر : 32
    مكان الإقامة : مصر
    تاريخ التسجيل : 10/10/2008

    رد: أوراق العمر

    مُساهمة من طرف وصيف في السبت يوليو 11, 2009 2:56 am

    الجمعة 10/7/2009..
    عرف بمرضه، أخبره الطبيب خطورته وصعوبة العلاج. حاول تحمل الآلام فلم يستطع. أدمن المسكنات والحشيش، يخفف عنه الأول الألم العضوي ويساعده الثاني على تجاهل الأمر..
    تحت وطأة ألم جديد أُخبر أن المسكنات ألحقت ضرراً بالكلى وعليه الامتناع عنها. في تلك الليلة، خلا إلى نفسه وأنبته كرامته المستيقظة لضعفه واستسلامه. قرر ألن يتناول بعد الآن مسكناً ولا مخدراً وسيتحمل العواقب وسيعالج نفسه من مسبباتها جميعاً. شعر بسعادة لقراره هذا إذ كان تحت تأثير الجرعة لا يزال، على غير علم بالحجم الحقيقي لما سيواجهه. قرر كذلك أن يمتحن إرادته فلا يخل من المغريات جيبه وعلبة سجائره..
    وها هو يحاول، يتحمل، يكتم صرخات الألم حتى أمام نفسه..
    ---
    أكره الضعف..
    لماذا هانت علي نفسي في الفترة الماضية، فرحت أشكي الهم لكل من أقابله وأستريح للتعاطف الذي لم أكن أمقت شيئاً قدر مقتي له؟
    أنا لا أحتاج إلى أحد.. لا يليق بي ضعف البشر العاديين فلستُ منهم. أثناء خلقي، وبينما تتشكل رأسي كمرحلة أخيرة، تطايرت من نارجيلة النحات قطعة فحم مشتعلة من الصنف السحري الذي أتى به الجني الخارج من فانوس قديم مغبر وجده الصانع مصادفة بحانوته في الجمالية. امتزجتْ بالصلصال فهممتُ واقفاً دون حاجة إلى نفخته الأخيرة وإن تسبب ذلك في عدم إنهاء ما تبقى من ضبط أبعاد الرأس كما تسببت ضربة إزميل طائشة، نتيجة الفزع، في خصام بين العينين!
    ما هذا الذي أكتب؟!
    لأترك الهلوسة ولأعد إلى الجد، آه تذكرت.. كنت أتحدث عن عدم احتياجي لأي إنسان. استعدت في الأيام الماضية بعضاً من وصيف القديم، اعتصمتُ بحبل نفسي!
    الإنسان عاطفة وجسد، وعقل منظم. يشبه الأمر أن تكون أباً لطفلين دون السادسة، تحدد لهما الأولويات وتدل على الوسائل الكفيلة بتحقيقها. قد تضعف أمام رغبات أطفالك فتلبي طلباً تعرف أنه في غير محله، أو أن تتغلب على مشاعرك تلك بأن تقف في وجه الرغبة الضارة وتفرض ما ينبغي أن يكون..
    [المثال لمجرد تقريب الفكرة ولا يعبر، بالضرورة، عن آرائي بخصوص تربية الأطفال]
    بالنظر إلى الأب الموجود داخلي، عقلي، فهو ديكتاتور صارم لا يعرف المناقشة ولا راد لقضائه. يعرف رغبات الجسد والعاطفة ويتمنى لو استطاع تحقيقها إلا أنه القادر على التنبؤ ورؤية المستقبل (ومن هنا استمد شرعيته كحاكم بموافقة طوعية) وقدرته تلك تمكنه من إعداد دراسات جدوى لطلبات المحكومين، فإن رأى نفعاً وافق ومهد السبل أو يصدر أوامره بإلغاء المسعى وعلى صاحب الرغبة التكيف مع أحكامه..
    لنقل أن عقلي الآن قد عاد من أجازته السنوية ليمارس سلطاته المطلقة من جديد!
    ***
    ما حدث أخيراً هو رد فعل لمخالطة شباب لم يترك بعد تصرفات أيام الجامعة. حدث هذا من قبل حين صاحبت أختي وزملائها برحلة المسرح لمشاهدة "الملك لير"، وكان التأثير ساعتها محدوداً فجلسة ثلاث ساعات تختلف عن حياة كاملة منذ شهرين تقريباً ولأكثر من 12 ساعة يومياً..
    أحد الزملاء الأكبر في السن علق مرة على شيء قلته يتعلق بأسباب انعزالي عن الآخرين مستغرباً مما يبدو علي من ضيق بأن عقليتي واهتماماتي ليست صغيرة وأن الواجب أن أفرح لأن الله قد خلقني كبيراً على حد تعبيره. حين أفكر في كلامه الآن أجد أنه على حق إلى حد بعيد وأن مكانة "الأستاذ المساعد" لها متعتها..!
    ---
    ولكن، هناك أمور صغيرة راحت تشغل بالي..
    بالأمس كنا في محافظة الشرقية لزيارة أحد المشروعات، وكنا في حل من التقيد بالزي الرسمي لأن الجو حار وطبيعة الزيارة تفرض التعرض للشمس والسير على الأقدام لفترات طويلة فضلاً عن طول الطريق ذهاباً وعودة. فكرت، مساء الأربعاء، ماذا أرتدي ووجدت أن المناسب هو قميص وبنطلون جينز وحذاء رياضي، واكتشفت أني لا أملك، تقريباً، شيئاً يصح أن أظهر به أمام الناس!
    ارتداء البدلة غير مناسب، فضلاً عن أني لا أملك واحدة محترمة، ولابد من الذهاب (فقد فكرت في التخلف عن المشوار باختلاق أي عذر!) فلم أجد إلا ارتداء أفضل المتاح وكم كنت لهذا محزوناً أتمنى أن تعمى عني العيون، وهو المستحيل فحركاتي كلها وسكناتي مراقبة ومحل تعليقات.. ضريبة الشهرة!
    رحت أسأل نفسي: لم امتنعت عن شراء ملابس جيدة بشكل تدريجي من المرتب، لقد اشتريت أعداداً كبيرة من الكتب التي لم أقرأها حتى الآن لانعدام وقت الفراغ.. ألم يكن من الأفضل أن أوجه الأموال الكثيرة التي التهمتها لشيء يضفي علي مظهراً أفضل من هذا؟
    نمت وأنا في حالة استغراب من نفسي فلم أندم يوماً على اقتناء كتاب!
    ---
    صباح الخميس، أمام مرآة الحمام، ومضت الحقيقة أمام عيني! فالسبب الحقيقي لكل هذا الضيق أنها ستراني اليوم. لم تعد تمثل لي مشروع حبيبة وكنت صادقاً حين اعتبرتها أختاً صغرى أتمنى لها الخير، ولكن مجرد تصور أن فتاة أهتم بها اهتماماً خاصاً ستقيمني اليوم وفق معاييرها، المبررة بعمرها، تقييماً سلبياً سبب لي جرحاً وألماً..
    رحت كذلك أتحقق في المرآة من شيء لاحظته قبل مدة، وهو صعوبة التنقل بين العينين للنظر (فأنا لا أرى إلا من خلال واحدة وأنتقل إرادياً للحفاظ على العصب البصري في الاثنتين) وهو ما يعني أن المسافة متباعدة والنظارة لا تقوم بعملها بشكل جيد، وحين نظرت وجدت أن الأمر صحيح وأن الحول واضح رغم وجودها..
    [يحدث هذا عند التوتر العصبي وحين أقاوم النوم وقبل حدوثه وأنا هذه الأيام شديد التوتر أنام يومياً من ثلاث ساعات لأربع كحد أقصى]
    ابتسمت ساخراً من ضيقي برداءة ملابسي ونزلت!
    ***
    على الجانب الآخر، وأثناء وجودي في الأتوبيس أستمع إلى رائعة "رق الحبيب"، تذكرت شيئاً إيجابياً..
    لقد تكرر هذا الصباح شعوري بفرحة حين أنجزت المطلوب بشكل جيد وفي ميعاده، واستنتجت من هذا أن النجاح في العمل يشكل بحد ذاته وسيلة لتحقيق سعادة رغم ابتعاده عن المجالات التي كنت أحلم بها..
    خضت مع نفسي حواراً طويلاً غبت بسببه تماماً عن الأجواء الصاخبة من حولي (حتى أن إحدى الزميلات جاءت وخبطت كتفي مازحة معاتبة على اعتزالي لهم محذرة إياي من كثرة التأمل!) وخلصت إلى ضرورة العودة إلى السيرة الأولى: أؤمن لنفسي وسائل الحياة بفرض استمرار نذالة الدنيا معي وازدياد معدلها مستقبلاً مع السعي إلى التحسين غير مكترث بالنتائج..
    يشبه الأمر جهودك التي تبذلها لبيع منزلك حين تكون في غير حاجة ماسة لإتمام العملية (يسمونها في مصر "بيعة غناوة") فلست مضطراً إذاً للتنازل أو الاستجداء أو التعرض لتحكم السمسار فيك، مقارنة بحالك عند الاحتياج الشديد لما سيعود عليك من بيعه فتضطر لقبول أي مقابل وتحمل كل السخافات..
    أحتاج إذاً إلى ما يكفيني موقف المضطر إلى التنازل، أن أجد معي من أسباب السعادة ما يمنحني استقراراً نفسياً. النجاح في العمل يستطيع؟ فليكن إذا..
    قررت كذلك أن أتعلم الموسيقى بمجرد الانتهاء من الدورة التدريبية. يكاد الاستماع إليها يكون أجمل ما أحصل عليه في حياتي فلأكن قادراً كذلك على عزفها..
    النيل هو صديقي الوحيد، ولكنه بعيد عني وتمر أسابيع وشهور لا أستطيع فيها الجلوس إليه، فلأوجد صديقاً جديداً أستطيع محاورته يومياً هو الآلة الموسيقية. أفاضل بين العود، والكمان، والقانون..
    القانون هو أحب الآلات الشرقية إلى قلبي ولكن مشكلة حجمه أعتقد أنها تعوق اللجوء إليه، والكمان يسافر بي إلى السماوات العلى ويريني الجنة بتفاصيلها إلا أن العود هو الخيار الملح علي أكثر..
    سأقتحم هذا المجال، ولكن برفق كي لا أتسبب في قطع عيش الفنان نصير شمة!


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يوليو 27, 2017 4:52 pm